كان افلاطون لا يؤمن الشعر ولا بالشعراء ، فلم يفرد لهم مكانا خاصا في جمهوريته الفاضلة . وكأنما أراد ان يجعل للفلسفة المقام الأول وللفلاسفة مكان الامامة ، وأن يطرد الشعراء من بين طبقات " المدينة الفاضلة " التى صورها . ذلك بأنه كان يري ان الشعر خداع مطلق ليس فيه حق ولا اثارة من الحق ، وانه غث لا قيمة له ؛ على انه قد اعترف بأن للشعر نشوة في النفس تملؤها هوي وطربا يبلغ بها حد الوجد والجنون .
كان يري أن الشعر خيال زائف خيال زائف آخر وقد كانت تقوم فلسفته على ان وراء هذا العالم الظاهري الذي ينتظر أمامنا عالما آخر غير مادي تشرق فيه حقائق الحياة العليا وتصدق فيه المعاني . وليس هذا العالم الظاهري إلا ظلالا للحقائق التي تطالعنا في احيان من عالمها اللا مادي ؛ فإذا حاول الشعراء ان يطبعوا هذه الظلال بطابع الخيال ، كان ذلك إمعانا في الزيف ، ومجافاة للحق ، وإغراقا في تخيل الخيال .
كان يري افلاطون ذلك حينما فصل طبقات جمهوريته . ولذلك فقد أخرج الشعراء من زمرة الآثمة ، هذا علي الرغم من أن فلسفة المثل أو المعاني - وهي فلسفته - قد اثرت في النقد الأدبى في أوربا ، وان مدارس باسرها من مدارس الشعر قد افتقت في ضروبه لكي تبلغ امثلتها العليا في الحب والجمال ؛ لكن أفلاطون نفسه كما أسلفنا لم يكن يطمئن للشعر ؛ بل لقد كان يسكن إلي ذلك التفكير الدقيق الذي يقتحم الخيال نحو الحقيقة ؛ فبرم بالشعر والشعراء ، وتحدي الكتاب غير الشعراء ان
يكتبوا عن الشعر شيئا من النتر يبررون به مقام ذلك الشئ الذي يخلو من المعنى .
وكأنما قد تلقي أرسطو ذلك التحدي من أفلاطون فألى على نفسه أن يبرر وجود الشعر بكتابه عن " فن الشعر " الذي أملاء في سنة ٣٣٠ قبل الميلاد . والحق أنه كان عجيبا أن يدافع أرسطو عن الشعر وهو من نعلم مكانه من تقدير الحقائق ، ومع ما تعرف عنه من حرص على التفكير المنطقي الخالص . لكن أرسطو لم يعالج الشعر إلا كما عالج على الأخلاق والسياسة . فليس اسلوب البحث في كتابه عن الشعر إلا كأسلوب البحث في كتبه الأخرى . فهو يحاول أن يجمع أكبر عدد ممكن من الأجزاء والمفردات ليحكم حكما كليا . وكما انه قد عالج في كتاب " السياسة " أشكال الحكومات التي ظهرت في الدوبلات الإغريقية ، فهو قد اراد ان يعالج في كتابه عن الشعر كل أنواع القصائد والمسرحيات والملاحم التي ظهرت في بلاده إلي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد ، على الرغم من أن مصر المأساة الاغريقية كان قد انقضي ، ومن أن العصر الذي عاش فيه كان عصر التدلي في الشعر وفي الرواية المسرحية على السواء .
ولا تحسبن أن كتاب " الشعر " كتاب مفسق كامل من امثال هذه الكتب التى ورثناها من الفكر الاغريقي فليس هو كتابا ذا وحدة خاصة تتساوق اجزاؤه والظاهر أن مؤلفه لم يتأت له بالتحقيق والتدقيق والمراجعة ، بل الراجح أنه مذكرات تلميذ من تلامذة أرسطو ، وانه
مذكرات ناقصة لم تتم فصولها . وقد كان أرسطو يملي فصولا في "معهد المشائين" هي في نفسها شبيهة بالمحاضرات التي تلقى على الطلبة في جامعات اليوم . فلعل طالبا من هؤلاء هو الذي تلقي تلك الفصول المبعثرة فسجلها ، ولعله لم يتمها لامر ما . يشهد على ذلك ان الكتاب نفسه قد بدأ بدءا حسناً ، وقسم الشعر إلي شعر المأساة ، وشعر الملحمة ، وشعر الغناء ، لكنه لم يتم الكلام إلا عن شعر المأساة ، ولم يكد يتحدث عن الملاحم حتى انتهى .
ثم ما لبثت المدنية الاغريقية أن احترمها الغناء في القرنين الرابع والثالث قبل البلاد . واندثر " معهد المشائين " ونسي الناس أرسطو وأضرابه من فلاسفة اليونان . وخفق اسمه مرة اخري في عصر الرومان ، ولكنها كانت خفقة الزوال . ومشت العصور الوسطي علي اسم " المعلم الأول " فلم يذكره إلا بعض الكتاب العرب . ولخص ابن رشد كتابه عن الشعر ، لكن ملخصه لم يؤثر في تاريخ النقد العربي إلا قليلا . واستكشف أرسطو أيام النهضة فيمن استكشف من كتاب الأغريق وفلاسفتهم ، وترجم كتابه عن الشعر إلي اللاتينية في سنة ١٤٩٨ : وكانت أراؤه في السياسة والأخلاق والمنطق كشوفا لقواعد الفكر الحديث . فكان لا بد أن يصيب الشعر أثر عميق من آراء أرسطو . وقد كان ذلك لأن أعلام النهضة في أوربا كانوا يميلون إلي اتخاذ الأحكام المنطقية التي تسمو عن قيود العرف والعادة . لذلك كانت ترجمة كتاب الشعر فتحا جديدا في تاريخ الأدب الأوربي فقد فرضت نتائجه فرضا على شعراء القرن السابع عشر في فرنسا ، ونزحت أراؤه إلي انجلتره ملفقة في أثوابها الفرنسية ، وليس بين النقدة المحدثين من يجهل أثر أرسطو في تاريخ الأدب مهما ازور عن آرائه وأحكامه في نقد الشعر .
كان " كتاب الشعر " إذا ردا على ما كتبه إفلاطون عن الشعر والشعراء في الجزء العاشر من الجمهورية . وجدير بنا ان نقدر اسلوب البحث الذي انتهجه حينما عالج الشعر . ذلك لان اسلوب البحث هو الذي اثر في وسائل النقد الأدبي ، ولأن في دراسته خيرا كثير للناقد العربي .
كان ارسطو أول من حاول أن يعالج الشعر كما يعالج صاحب علم الأحياء فصائل النبات والحيوان ؛ فهو قد جمع في صعيد واحد مؤلفات هوميروس ، وسوفوكليز ، وإبسخوس ، وغيرهم من رجال الأدب الإغريقي ؛ وادرك ان وراء كل هذه المؤلفات تاريخا مستمرا مفسقا ينتقل بها من جيل إلي جيل . الأدب عنده ينمو كما ينمو النبات ، وكل فصيلة من فصائله تشبه الكائن الحي ، فهي تنتقل من يد صناع إلى يد اخرى صناع ، حتى تدرك عنقوانها وتصبح شكلا من أشكال الأدب . عالج أرسطو الشعر ، لكنه اتخذ منه تاريخا لنشأة الفكر ، وعالج الأدب ، لكنه طبق عليه اصول العلم ، وتعمق البحث في الرواية المسرحية ، لكنه علل ما فيها بأصول نفسية ما زال النفسيون في الزمن الحاضر يؤمنون عليها .
الم يكن الاستنباط رائد ارسطو في بحوثه في السياسة والمنطق والأخلاق وعلم الكلام ؟ وقد كان الاستنباط ايضا رائده فيما املاه عن الشعر . فهو يحاول ان يتفحص كل مثل من امثلته ، وان يضع كل هذه الأمثلة في فصائل خاصة محددة . وهو أول ناقد عجم الأمثلة والمفردات ، واستخرج احكاما عامة من تآلفها أو تخالفها ؛ وكان بذلك قدوة صالحة لمن خلفه من جبابرة الفكر . فكثير من الفلاسفة والنقاد بعده قد اصلوا اصول النقد الادبي حتى اوشك ان يجاري علم الرياضة في أحكامه ومعاييره ونتائجه ؛ وكذلك تري ان فلسفة أرسطو باكملها قد اثرت
في النقد الادبي في أوربا ، واننا في الحق قد عدمنا مثل هذه الفلسفة في تاريخنا الأدبى.
وكان لابد له أن يقسم الشعر ، فقسمه إلي شعر الملاحم وشعر التمثيل وشعر الغناء . وقد صحب هذا التفصيل تاريخ النقد الأدبي في أوربا حتي العصر الحديث . فقد تطورت كل فصيلة من هذه الفصائل الثلاث بعد النهضة الأوربية ، وكان لها شأن كبير في كل بلاد أوربا الغربية . وإذا أنت حاولت أن تقسم الشعر فلن تري أدق من تقسيم أرسطو : فشعر الملاحم هو الذي ينتظم أخبار الأسلاف في عصور البطولة وأدوار البداوة ، ويأتلف صنائعهم وأعمالهم في كفاحهم مع الأقوام الآخرين . أما الشعر التمثيل فهو ذلك الذي يحاول أن يبرز " أفعال" الناس - أو قل تصرفاتهم - في نطاق ضيق نسميه المسرح ، وإما شعر حزين يبث الرحمة ويقذف بالذعر في القلوب ، وإما شعر فكه مرح يبعث على البهجة والتسلي . وأما شعر الغناء فالأصل فيه أن يصحبه الأرغول والقيثارة ، ويتخذ وزنه ولحنه من نسق الطبيعة وأصواتها . لكن أرسطو - كما أسلفنا - لم يبسط الحديث في كل هذه الفصائل الثلاث . فهو لم يتكلم عن شعر الملاحم إلا بمقدار ، وقد أسهب في حديثه عن الشعر التمثيلى ، ولم يتحدث عن الشعر الغنائي . ولعل جزءا ثانيا من الكتاب كان قد عالج كل ذلك لكنه اندثر ولم يستكشف .
واملك تري مع أن موجزا كالذي استخلصه ابن رشد من كتاب الشعر لأرسطو ، لم يكن له إلا أثر ضئيل في نقد الشعر عند العرب ، ذلك بأن ارسطو قد تكلم عن الشعر التمثيلي اكثر ما تكلم ، وتحدث حديث العجلان عن شعر الملاحم . وكلا النوعين ثم يعرفه الأدب العربي . وإنما يمتاز الشعر العربي بأنه شعر غنابي بتفجر من مستسر النفس ويعالج ذات الشاعر . وهذا الشعر الغنابي نفسه
هو الذي لم تظفر برأي أرسطو فيه ؛ لذلك تخال أن موجز ابن رشد عن ارسطو لم يصب إلا اثرا ضئيلا عند الشعراء العرب لقد اقامت نظريات ارسطو في الأدب الأوربي دولة واقعدت دولة اخرى ، لكنها لم تفقد النقد العربي إلا قليلا . وما كان ذلك إلا لان العرب لم يكابدوا الشعر المسرحي ، ولم يعرفوا شعر الملاحم إلا عن طريق الفرس . لقد وجه ارسطو انظار النفاد الغربيين منذ عصر النهضة حتى اليوم إلى ان للأدب فنشأة تشبه نشأة الكائنات الحية . واستلم بعض النقاد هذا الري فنشأوه واتخذوا منه فلسفة هي التي اطلقوا عليها "تطور الأدب" ، ولعلنا حينما نقرأ شيئا من اراء برونتيير الفرنسي في القرن التاسع عشر لا ننسي مطلقا ان الذي بذر البذرة الاولى إنما هو فيلسوف عاش في اثينا في القرن الرابع قبل الميلاد .
ذلك أسلوب البحث في كتاب الشعر ، وهو أسلوب ذو اثر عميق في تاريخ النقد الأوربي . أما عن الشعر نفسه فيري ارسطو انه بأنواعه يتصل اتصالا وثيقا بطبيعة النفس ؛ فالنفس الإنسانية تميل إلي المحاكاة . والإنسان من بين مخلوقات الله أكثرها عناية بالتقليد ألا تري أن الطفل يتعلم بالتقليد وهو في المهد ؟ وأننا جميعا مأخوذون بالتقليد حتى نندمج في الوسط الذي ننشأ فيه ؟
وبعد فإن الإنسان ليري في المحاكاة والتقليد سروراً وبهجة يملكان عليه الجنان؟ وهو يبتهج حينما يقلد ، وهو يشعر بالنشوة تشيع في انحاء نفسه حينها يسمع او يرى او يحس حكاية تلقى أو مسرحية تمثل . وعلى أساس التقليد أو المحاكاة أو التعبير تقوم الفنون الجميلة بضروبها . فالمثال او المصور يحاول ان يقلد الطبيعة حينما يستخدم الأشكال والألوان . وكذلك قل عن الفنان ، فهو يحاول أن يعبر عن الطبيعة مستعينا إلي ذلك بالتتم المتفق وباللغة وبالوزن . فاذا استقل النغم كان من ذلك فن الرقص ؟
وإذا انحد النغم والوزن خرج من ذلك في الموسيقى ؛ وإذا اضيفت إليهما اللغة كان الشعر . وفي الشعر يقلد الشاعر ما يفعله الناس ويعبر عما يحسونه ؛ وذلك واضح الوضوح كله في شعر الملاحم وفي الشعر المسرحي ؛ وهو واضح ايضا في شعر الغناء إذا قدرنا انه يعبر عما يختلج في نفوس الناس من الحب والنبض والعطف والبأساء.
فالأمر في الفن إذا يتصل بالتقليد أو المحاكاة . ونحن نبتهج لأيات الفن لاننا نعلم انها تقليد لأفعال خاصة ، بل لقد ذهب ارسطو إلى ابعد من ذلك فقال : " إنه على الرغم من أن الواقع نفسه قد يكون مؤلما للناظر إليه إلا أننا نبتهج إذ نري أكثر الأشياء اتصالا بالواقع ممثلة بوسيلة من وسائل الفن ؛ فنحن نبتهج مثلا إذا رأينا صورا لأحط أنواع الحيوان ، أو مناظر تمثل جثث الموتى " .
وعلي أساس التقليد والبهجة قد استطاع أرسطو أن يصل بين الفنون جميعا ، فربط بين الموسيقى والرقص والشعر ، بل واستطاع ان يرجع الشعور الفني عند المثال والصور والشاعر إلى نبع واحد يتفجر منه الخيال عند كل هؤلاء .
مثل هذا الرأي كان تبريرا لوجود الشعر وتحديدا للعلاقة التي تصل كل فن واخر . وقد اثرت هذه النظرية في الأدب المسرحي تأثيرا انضح في الاختلاف الذي حدث بين مدارس الرومانتيك ومدارس الكلاسيك . فالأولون حاولوا أن يجعلوا التقليد بعيدا كل البعد عن الواقع ، والأخرون حاولوا ان يتبعوا الواقع اتباع المتحرج الحريص . الاولون ارادوا ان يجعلوا للخيال السلطان الاول ، لكن الآخرين حاولوا أن يجعلوا للواقع أسمى مكان .
وبعد فماذا عسى أن يقول المحدثون من علماء النفس في كل الذي قيل من التقليد والبهجة التي تصحب التقليد ؟
لقد ذهب أكثر النفسيين إلي ان التقليد عامل اجتماعي ، وإلى ان اللعب في حياة الإنسان ينضح عن طاقة مدخرة .
فنحن نقلد لان التقليد يكاد يكون ميلا غريزياً . ونحن نبتهج للتقليد لانه نوع من انواع اللعب . الست تري معي ان الفن يكاد يكون لونا من الوان اللعب ؟ فالجماعة تنتج الفن لأنها يحس بأنه فيض من النشاط الذي يتدفع فيها . هي تنتج الفن كما ينشط الطفل إلى اللعب حينما تفيض الطاقة عنده . وإذا فقد أمن علم النفس الحديث على أكثر ما ذهب إليه أرسطو .
تلك لمحة في كتاب " فن الشعر " لأرسطو ، اردنا أن نسوقها إليك لأنها عندنا اساس النقد الأوربي العام . ولعلنا نستطيع ان نبسط القول في بعض ارائه الاخرى عن الفن المسرحي . فإلى اللقاء ( للبحث بقية )

