في اليوم الثالث عشر من هذا الشهر يقام مؤتمر للسلام العالمي بلندن ، وهو مؤتمر عالمي ، تشترك فيه جميع دول العالم ، ويأتي إليه الأعضاء من جميع البقاع يدعون للسلام ونزع السلاح . وقد نجحوا في مؤتمرهم الأول الذي عقد في استكهلم في سبتمبر الماضي في أن يتفقوا على رأي خطير ، هو اعتبار الحكومة التى تبدأ باستخدام السلاح الذري ضد أية دولة أخرى مجرمة حرب ، تقترف ابشع الجرائم ضد البشرية .
وفي هذا المؤتمر الثاني الذي سيعقد بلندن ، ينتظر أن تصدر اللجنة الدائمة للمؤتمر العالمي لأنصار السلام قرارات أخرى يكون من جرائها نشر السلام وإبعاد شبح الحروب عن العالم .
وبهذه المناسبة ، أحب أن أعرض للقاريء رأيين عظيمين من شخصين أحسا بقسوة الحروب وما تجرء على الشعوب من كوارث : أولهما جندي بروسي اشترك في أكثر من حرب ، يصف مارآه بعينه ، متآثرا بما لمسه من مصائب وويلات أثناء اشتراكه فيها ، والثاني فيلسوف كبير منطقي ، يتحدث عن الحرب متأثرا بالحكمة والمنطق . قال الجندي
" اشتركت في حملتين حربيتين بصفتي جنديا في الحرس البروسي ، وما أشد كرهي للحرب ، فقد صيرتني نعما إلي حد لا يوصف . إننا نحن الجرحي لا ننال سوي مكافأة سخيفة تخجل معها من كوننا كنا ذات يوم وطنيين غيورين . فأنا مثلا أتفاضى تسعة بنسات في نظير ضياع ساعدي الايمن . لقد طلبت للخدمة وكنت في هذا الوقت أشغل مركزا ساميا لم أتمكن من الحصول عليه فيما بعد . واشتركت في الحرب ، وشاهدت من الفظائع ما لا يحتمله قلب بشر ، ومنذ هذا الوقت لا استطيع السير على رجلي . ولقد انهت نشوة الوطنية التي كانت تسوقني ، وأصبحت أعيش الآن على ما تقدمه لي الحكومة من الإحسان .
في هذه الحياة التي يتطاحن الناس فيها كالبهائم ، دعني أقل بملئ فمي إني أود السلام . دعهم يقولوا عني ما يشاءون فإني راسخ الإيمان ثابت العقيدة بأن الحرب تجارة واسعة تباع فيها سعادة الناس وهناؤهم .
أي آلام قاسيناها نحن المحاربين ، ولن أنسي طول حياتي تلك الزفرات التى كانت تتصاعد حولى ، وتلك الآفات التى كانت تملأ الجو من جميع الجهات ، أناس لا ثأر بينهم يتقاتلون ويتطاحنون كحيوانات مفترسة ، ويتضرع كل منهم إلى الله ان ياخذ بناصره ، كانهم يريدون ان يكون الله شريكا لهم في هذه المذابح
من هم هؤلاء الذين تتكون منهم الجيوش المعادية ؟ أليسوا جيراننا وإخواننا الذين انطلي عليهم ادعاؤهم بأن خدمة الوطن خدمة لله ليس لنا أعداء سوى هؤلاء القوم الذين يدعون بأنهم يحبون منا الضرائب لإيجاد ماهو لازم لنا . بهذه الطرق يستنزفون أموالنا ويحولون إخواننا أعداء لنا
لن تستمع إليكم بعد الآن ، سنكون أحرارا في تصرفاتنا . لنا زوجات وأولاد ومنازل وآباء مسنون نهواهم ولا نريد الابتعاد عنهم لمحاربة أى كان . إننا نكره الحروب من صميم أفئدتنا نحن متدينون ونريد أن نتبع ما أمرنا به الله من أن نحب للغير ما نحبه لأنفسنا " .
أما الرأي الثاني الذي أعرضه الآن ، فهو للعالم الإنجليزي برنراند راسل :
لا ينكر أحد تلك الحقيقة التي تقول إن الشعوب تريد السلام وتري أن الحرب ليست سوى الثمرة الناضجة في شجرة الشرور العالمية ، وأنها نكبة مهلكة تصيب الشعوب بالمصائب والويلات .
والسبب المباشر لتلك الحروب البغيضة هو دافع التملك والاستحواذ ، ذلك الدافع الذي هو أصل كل ما يعانيه العالم
من آفات ، فإذا أضعفنا من قوة هذا الشعور وسيطرته علي حياتنا اليومية امكن وجود هيئات تستطيع أن تنفع الجنس البشري نفعا عظيما .
ومن المستطاع وجود مثل هذه الهيئات التي تلطف من حدة الطمع ، إذا أعدنا بناء النظام الاقتصادي من جديد . فالرأسمالية ونظام الأجور الحالي يجب احتفاؤهما من الوجود . فهما الوحشان اللذان ينهشان جسد العالم العليل ، وتحتاج في مكانهما إلي نظام آخر يلجم الغرائز الوحشية في الحياة الإنسانية ، فتقل بذلك النظام الاقتصادية التي تمكن الكثيرين من الثراء الفاحش دون أن يعملوا شيئا ، وتسبب الفقر والألم لمن يقومون بأشق الأعمال . ويكدحون ويكدون طوال أيامهم ولياليهم .
ويوما بعد يوم ، وبعد تقدم المخترعات ، تزداد الحرب هولا ، ويعظم ما تجره في أذيالها من الخراب والمصائب على المحاربين وعلى الشعوب المسكينة ، في الوقت الذي يجني فيه أصحاب رءوس الأموال أرباحهم الفاحشة على حساب هؤلاء المساكين الذين يغرهم الزهو الوطني ذلك الزهو الذي يعتمد علي احتقار الأجناس - وهو جريمة وانحلال وعلى الفخر والاعتزاز بالقوة والتملك - وهي حماقات أطفال .
ما دامت الكراهية والعواطف البغيضة تسيطر على حياة الأفراد ، وما دام الخوف والشك يسيطر على حياة الشعوب . فليس لنا ان نرجو ان نتفادي طغيان العنف والقوة والوحشية . يجب أن يتعلم الرجال الشعور بالمصالح العامة للجنس البشري الذي يصبح الكل فيه واحدا ، بدلا من المصالح الموهومة التي تنقسم من أجلها الدول .
يجب أن يتعلم المرء ألا يشتهي الأشياء التي يمكن تحصيلها على حساب الآخرين ، وإنما يشتهي تلك الأمور التي تعظم بها البلد وتسمو بالعالم كله . يجب على المرء أن يعمل على أن تكون بلاده عظيمة في فنون السلام ، وأن تكون عادلة كريمة سامية ، وأن تساعد البشر جميعا في طريقهم إلى عالم من الحرية أفضل يسوده التعاون العالمي الذي لا يمكن أن نرجو للإنسان سعادة بدونه .
يجب على المرء ألا يرغب لدولته الانتصارات العنيفة العابرة في التملك والسيطرة ، وإنما يتطلع إلي الانتصارات الخالدة التي ساعدت على وجود روح الإخاء الذي نادي به المسيح ونسبته الكنيسة الآن ، وسنري أن هذه الروح لا تشمل الأخلاق السامية فحسب ، ولكنها تشمل الحكمة الحقة كذلك ، وسنري أنها الطريق الوحيد الذي يجب علي الأمم الممزقة من الحروب أن تسلكه
إن الأعمال التي يمليها الحقد لا تؤدي إلي الحقيقة ، وإن الحياة والأمل للعالم لا وجود لهما إلا بالحب والتعاون والسلام .
ذلك عرض لرأي جندي يتحدث بعواطفه التي قاست ، ورأي فيلسوف يتحدث بعقله الذي يفقه. فهلا انصرفنا إليهما عن عواطف تشتهي ولا تقاسي ، وعقول لا تفقه
