الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673 الرجوع إلى "الثقافة"

الشعور بالألم

Share

الآلم نوع من الشعور يخشاه الناس جميعا ، ويجهلون كنهه على وجه التحديد ، وإذا اشتدت وطأته نغص عيش صاحبه ونغص إليه الحياة

وللألم نوعان : يأتي أحدهما من تلقاء نفسه كالآلم الذي يصيب المعدة ، ويكون الآخر أثرا لأحد المؤثرات ، كالألم الناشئ عن الصفعة أو اللطمة ، والألم الناشئ عن العضة أو القرصة ، وكألم السن المريضة .

ولنبدأ باستعراض النوع الثاني من نوعي الألم :

إنك إن وخزت جلدك وتدرجت في وخزه نحو الشدة لابد أن يأتي وقت يلحق بك الضرر فيه ، ولو حدث أنك بدلا من وخز جزء سليم منه وخزت منه جزءا رقيقا بجرح أو موضع كدمة ( والكدمة هي زرقة في الجلد تسبب ضربة أو صدمة ) فإن هذه الوخزة تضرك أكثر مما لو كانت في مكان عادي ، ولذلك يكون شعورك بالألم أسرع وأشد .

حقا أن مبلغ الألم لا يقاس بقوة الإيذاء فحسب ، بل يقاس بموضعه ووقته أيضا ، وهو في يوم بارد أشد منه في يوم حار لأن البرد يجعل الجلد رقيقا يسهل إيذاؤه .

إن إدراك علة هذا النوع من الألم سهل ميسر إذا علمت أن ما يحدث حقيقة لا يعدو أنك تجرح خلايا جلدك الرقيقة فلا تملك هذه الخلايا سوى الصياح طلبا للنجدة ، وما يصل صوتها إلى المخ حتى يلبي نداءها ويهب مسرعا إلى نجدتها ، ويتم كل ذلك عن طريق الأسلاك البرقية ، أي الأعصاب التي توصل بينهما ، ومسارعة المخ إلى نجدة هذه الخلايا يجعلك تتألم وبذلك توقف الوخز ، وإذا كانت تلك الخلايا الدقيقة قد اعتراها الضر من قبل كإصابتها بضربة أو كدمة أو برد فإنها تكون مرهفة الحس سريعة الاستجابة إلى الشعور بالألم والشكوى منه وهي إلى الصراخ والعويل أسرع .

هذا عن الألم الخارجي . أما الألم الداخلي فما يشق فهمه . ويعتقد كثير من الناس أنه إذا كان وخز الجلد يسبب الما فوخز االلحم الملاصق له يسبب ألما أشد ، وهذا خطأ شائع ، لان وخز اللحم الذي تحت الجلد نادرا ما يؤلم . وهاك ما يؤيد ذلك :

أصيب أحد الأشخاص بمرض باطني استلزم إجراء جراحة له ، ولما أراد الجراح تخديره رفض ذلك بحجة أنه قادر على تحمل الألم ، فاستولت الدهشة على الطبيب واعتقد أن مريضه على قدر كبير من الغباء ، وقد تردد في إجراء العملية له . ولكنه اضطر إلى مباشرتها في النهاية فشق فتحة صغيرة بجلد المريض تألم لها أشد الألم ثم لم يحرك ساكنا بعد ذلك ، وقد تجاسر الطبيب وأدخل يده خلال هذا الشق إلى داخل جسمه وأمسك بعض أحشائه الداخلية وسأله عما إذا كان يشعر بأي ألم فكان جوابه بالنفي ، مما أثار عجب الطبيب لتوقعه عكس ما رأى ورؤيته عكس ما كان يتوقع من ألم المريض ، ثم جذب جزءا من أمعاء الرجل وخاطه . ومع ذلك لم تبد من الريض آية بادرة للشعور بالألم ، وما إن تمت العملية حتى خاط الطبيب جلد الرجل ثانية ، ووقتئذ فقط عاود الرجل الشعور بالألم .

من هذا تعلم أن مركز الشعور بالألم كائن بالجلد ، وليس بالأمعاء ، وأن المرء لا يحس بأجزائه الداخلية كما يحس بجلده ، ومع ذلك فإن كل امرئ يعلم أن الألم قد ينتاب أعضاءه الداخلية ، ولكن كيف يحدث ذلك في حين أنه لا يحس بها ؟ .

لاستطاعة فهم الإجابة عن ذلك دعنا نلقي هذا السؤال أولا ونجيب عنه :

ما الذي يجعل الطعام يسير داخل الأمعاء ؟

لا شك أن الطعام لا يستطيع السير وحده بغير مساعد ، وهو يسير مسرعا ، فما القوة التي تدفعه ؟ .

إنك إن أخذت أنبوبة من المطاط وأدخلت بها جسما كرويا صغيرا ثم بدا لك بعد ذلك إخراجه منها فماذا تفعل؟

إن تفكيرك يتجه في بادئ الأمر إلى اتخاذ النفخ داخل الأنبوبة وسيلة لإخراج الجسم منها . ولكن لو فرض أن هذه المحاولة باءت بالفشل ولم يأت النفخ بنتيجة ، فماذا أنت فاعل ؟ .

إنك عندئذ تضطر إلى إخراج ذلك الجسم بالضغط على الأنبوبة بأصابعك ، وتلك هي الطريقة التي تجعل الطعام يسير داخل الأمعاء ، وما مثل الأمعاء في الحقيقة إلا مثل الأنبوبة . ولكنها مزودة بعضلات جانبية تيسر لها أمر الدفع والانكماش ، ومثلها في ذلك مثل الخيط المعلق بعنق الحقيبة يغلقها ويفتحها وفق الحاجة  وطبيعي أن الأمعاء لو ضغطت نفسها قريبا من كتلة الطعام لاندفعت تلك الكتلة في طريقها إلى الأمام ، ويتضح لك ذلك الأمر بشكل أوفق إذا وضعت بفمك إحدى قطع الحلوى المستديرة ، فإنها سرعان ما تندفع خارجة بمجرد ضغطك عليها بشفتيك ؛ وعقب تناول طعامك تعمل أمعاؤك طوال الوقت في دفعه إلى الأمام ، وليس في ذلك بطبيعة الحال ما يؤلم طالما سارت الأمور سيرها الطبيعي ؛ ولكن لو حدث ان تلكأ الطعام والتصق بجدرانها وهو محتم عليها أن تدفعه ، فإنها تدفعه بشدة ، فعندئذ يعتريك الألم الذي لا يذهب عنك إلا بانتهاء الدفع .

وكذلك قد يصيب معدتك الريح فيسبب لها ألما ، وهذا الريح يمدد الامعاء ويشق عليها طرده . ومثله في ذلك مثل الجسم المستدير الذي يمدد أنبوبة المطاط ؛ ومن هذا ترى أن الأعضاء الداخلية يمكن أن تشعر أي تحس بالألم ولكنه من نوع يخالف النوع الذي يحس به جلدك ، وأن وخز هذه الأعضاء إن تحقق لا يؤلمها بقدر ما يؤلمها التمدد أو شدة الدفع .

ولكن ماذا يعنى ما تقدم وماذا نستنتج منه ؟

( البقية في الصفحة التالية )

إنه يعني أننا لا نحس بالألم إلا إذا كان في الإحساس به نفع لنا فإذا وجد ما يلحق الضرر بجلدك فإن شعورك بالألم الناشئ عنه يدفعك إلى إيقافه أو منعه أو الابتعاد عنه ، وإذا كانت أمعاؤك لا تدفع الطعام إلى غايته المحتومة بسرعة كافية فإن ما ينشأ عن ذلك من ألم يدفعك إلى دعك معدتك وأمعائك أو إلى تناول عقار يساعدهما ويذهب عنك ذلك الألم

وبينما يشعر جلدك بالوخز لا تشعر به أمعاؤك ، ولكنها تتألم مما يمددها أو يضطرها إلى الدفع بعنف ، ويشعر الفم

بالألم عندما يلحق به الضرر كما يشعر به داخل الأنف ، وتشعر به العينان أيضا ، وفي كل ذلك نفع لك أي نفع ، إذ يدفعك ألم فمك إلى إخراج عظم السمك الذي قد يكون لاصقا به ويسبب لك ألما موجعا ، كما أن العطاس يخرج من أنفك ما يسبب إيلامه ؛ وإذا دخل عينك جسم غريب فإن الشعور بالألم الناشئ عنه يسترعي انتباهك ويدفعك إلى العمل على إخراجه .

اشترك في نشرتنا البريدية