الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 406الرجوع إلى "الثقافة"

الشعور واللاشعور .

Share

كنت منذ سنوات قاضياً فى بلد بعيد عن القاهرة . وكان لى ولد أوشك أن يتم دراسته الثانوية وكان لا بد له بعد ذلك أن يدخل الجامعة . ووجدت من الصعب علىّ أن أوفق بين بقائى فى ذلك البلد البعيد وبين ضرورة وجود ولدى هذا فى مدينة القاهرة ، ولم أدر كيف أحل هذه المشكلة وكيف أستقبل العام الدراسي الجديد وأنا فى ذلك البلد . ولكن بارقة أمل لاحت لى ذات صباح حين طالعت فى الصحف أن وزارة العدل تشتغل بإعداد (حركة قضائية ) ، فرجوت أن يكون لى حظ الانتقال إلى القاهرة فى تلك الحركة لا سيما بعد أن قضيت الأعوام الطوال متنقلا من أقصى بلاد القطر الشمالية إلى أقصى بلاده الجنوبية . ووقع فى نفسى أن هذه الأمنية التى أتمناها ستتحقق حتما كأن من المفروض فى السادة أولى الحل والعقد الذين يقيمون فى القاهرة أنهم على علم بظروف كل واحد منا نحن المنتشرين فى طول البلاد وعرضها . ويبدو لى أن نفورى من التقدم بالرجاء لسيد من أولئك السادة لكى يحقق رغبتى فى الانتقال إلى القاهرة هو الذى أوحى إلىّ بأن هذا الانتقال سيغدو من نفسه حقيقة واقعة دون بذل أى مجهود من جانبى . واستندت فعلا لهذا الخاطر وجعلت أترقب اليوم الذى تعلن فيه أخبار تلك (الحركة ) الموعودة المنشودة لأرى نفسى فيها منتقلا إلى القاهرة .

تلك كانت رغبتى وذلك كان (شعورى) نحوها ، وهو شعور كاذب أوحت به إلىّ نفسى لنخلص من ذلك الحرج الذى كان يصبها فيما لو حملتها على بذل الرجاء والوساطات لتحقيق هذا الأمل المنشود . ولكن الحقيقة بقيت كامنة فى قرارة نفسى ، وهى أن تلك الطمأنينة الوهمية التى أستشعرها لا محل لها ما دمت لم أعمل عملا يلفت النظر إلى حالى بصفة خاصة . وليس من شأن الجهات العليا أن

تتقصى أنباء رجالها فى بيوتهم لتعلم حاجاتهم وتقف على رغباتهم . ولم أفطن إلى هذا الذى تكنه نفسى إلا ساعة وقفت ذات يوم لأصلى المغرب ، فرأيتنى أقرأ بعد الفاتحة سورة ₍₍ الضحى ₎₎ على الوجه الآتى :

والضحى والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلا و ( للقاهرة ) خير لك من الأولى . . .الخ - والمسلمون من القراء يعرفون أن صحة الآية : وللآخرة خير لك من الأولى . . .

هنالك عرفت أىى أخدع نفسى ، وأن هذه (القاهرة) قد ملأت على جوانب ( عقلى الباطن ) وأن مزاحمتها لكل ما أفكر فيه أو اقوله قد بلغت من الحدة أن تخالط فى فى كلام الله . . . وهكذا ارتفع فى هذه المناسبة صوت ( اللاشعور ) على صوت ( الشعور ) . وظهرت طريقة كل قوة من هاتين القوتين فى العمل . فبينما يعمل (الشعور) بتقدير وتدبير ، ويعرف الحرج ، ويحتال على التخلص منه ، نرى ( اللاشعور ) صريحا ساذجاً ، لا يعرف المحاورة ولا المداورة ، يندفع نحو هدفه اندفاعاً واضحا ، ولا يحسب للاعتبارات التى يراها ( الوعى ) حسابا . وذلك هو الفارق الرئيسى بين هاتين القوتين ..

ولئن كنا فى هذا المثال أوضحنا شيئا من عمل (الشعور) و( اللاشعور ) فإن المقام يقتضينا أن نقول كلمة عن تعريف هاتين القوتين .

ويقول العلماء النفسيون إن العمليات العقلية تتناول من نفس الإنسان ثلاث مناطق :

منطقة ( الشعور ) : وهي التيى تشتمل على ما يحسه الإنسان فى حالات سروره وألمه ورضاه وغضبه وغير ذلك من الانفعالات الأخرى .

ومنطقة ( ما قبل الشعور ) : وهى تلك المرتبة التى تشتمل على ذكريات الإنسان القديمة التى يستطيع أن

يستردها بعد غيبة ويتذكرها بعد نسيان ؛ فهى بمثابة حجرة خارجية متصلة بمنطقة الشعور،ومن السهل أن تنتقل الخواطر منها إلى (الشعور) بأعمال الإرادة في استدكارها ، أو باثارة فكرة متصلة بها .

ومنطقة ( الموشعور ) - أو ما يسمى أيضاً ( بالعقل الباطن ) وهو تلك المنطقة السحيقة الواقعة فى قرارة كل نفس حيث تتجمع الغرائز الفطرية الأولى التى قد لا يرتضيها المجتمع ، والمخاوف الكثيرة التى قد يهرب منها الإنسان ، فيتناساها حتى يظن أنه نسياه لأنها تختفى من وعيه اختفاء تاماً فلا تعود تساوره قط فى يقظته ، ولكنها تظل هناك فى أعماق نفسه قابعة متوثبة تتربص ، وتتحين الفرص لتثبت وجودها وتعلن عن نفسها . وأ كثر ما يكون ذلك عند إغفاء العقل الواعى في ساعات اليوم، فتنساب رغبات الإنسان المكظومة ، وخواطره المخنوقة . وغرائزه المكبوتة ، وتتحرك من مكانها وتتمثل فى صورة أحلام تملأ نوم الإنسان حياة وصوراً ، فتخفف بذلك من وطأة الضغط الشديد الذى نعيش تحته ؛ ولذلك قيل إن الأحلام هى (صمام الأمان ) لمشاغلنا النفسية ! .

فالشاب الطيب الذى ترهقه غريزته الملحة فلا يجد لها فى دنياه الواعية مصرفا مشروعا ، تتوازن طبيعته بما يراه فى أحلامه من مباهج الخيال ، وتتنفس غرائزه المكبوتة فى المنام أنفاساً تخفف من حدة احتباسها - والرجل الذى يكره جاره لانه أساء إليه يوماً فلم يقو على رد إساءته بمثلها ويعيش فى عذاب بسبب حرمانه من الأخذ لنفسه بثأرها من غريمها ، كثيرا ما يأتيهه الفرج وهو يغط فى نومه حين يتراءى له خصمه فى المنام أيضا ًوهو ملقى تحت أقدامه يتلقى بالصبر والامتثال ركلاته ولكماته - ولا يزال من أصدق أقوالنا المأثورة قولنا : (إن الجائع بيحلم بسوق العيش)

وكما أن رغباتنا المحبوسة فى ( اللاشعور ) تتنفس عن طريق الأحلام فإنها كذلك تتنفس عن طريق زلات اللسان كما بينا فى المثال الذى سقتناه في صدر هذا المقال . ومن طرائف ما حدث لبعض إخواننا فى ذلك أنه لقى زميلا لنا فى الطريق وكان - لأمر ما - لا يرتاح إلى لقائه ولا لمحادثته ، فبدلا من أن يلقاه بقوله : أهلا وسهلا ! أو أن يبدأ بالسلام الذى تواضع عليه الناس - رأى لسانه يهتف وهو يصافح ذلك الزميل بقوله : أورﭬوار ! - ومعنى ذلك أن ( الشعور )( المهذب الواعى كان لايرى مفراً عند اللقاء من المصافحة والسلام واصطناع البشاشة فى الكلام ، فى حين أن ( اللاشعور ) الصريح الأ كشف الذى لا يعرف المجاملة ولا المصانعة رمى التحية صريحة مكشوفة لا مجاملة فيها ولا مصانعة فصاح اللسان هاتفاً إلي اللقاء ! بمعنى لا أريد الآن أن ألقاك ولا أن أحييك !

وحدث لزميل آخر أنه قصد إلى محكمته ذات يوم وهو مشتتت الذهن ، تشغله مشاغل منزلية كثيرة أرهقت نفسه لأنه لم يكن يجد فى وقته متسعا لقضاء حاجاتها . فخرج من منزله ذلك النهار وفى عزمه أن يفرغ من جلسته مبكراً بقدر ما يستطيع ليتنسى له إدراك بعض ما فاته من تلك الشئون الخاصة الملحة . فلما بلغ غرفته وأراد أن ينتقل منها إلى قاعة الجلسة لمباشرة عمله ، وتقدمه الحاجب مؤذنا ببدء الجلسة ، دخل هو في أثر الحاجب ، وقبل أن يستقر فى مجلسه قال :

انتهت الجلسة ! وذلك بدلا من قوله : ₍₍ فتحت الجلسة ₎₎ وسبب الغلطة ظاهر لا يحتاج إلى بيان فإن الزميل المرهق كان يتعجل الحوادث وكانت الأمنية التي تجيش فى قرارة نفسه هى ( انتهاء ) الجلسة وليس ( افتتاحها ) فتغلب (اللاشعور) على (الشعور) ، ونفذت الرغبة الحبيسة إلى الهواء الطلق ، وكان ذلك الحرج الذى وقع فيه صاحبنا بسبب هذا التنافر الواقع بين ما يعلن وما يخفى . .

ومع أن الكتابة تستدعى من الأناة والتفكير أكثر مما يستدعيه الكلام فكثيرا ما شوهد أن ( اللاشعور ) ينفذ من ثنايا الكلمات المكتوبة ليفصح عن مكنوناته كما ينفذ من ثنايا الكلام العادى سواء بسواء . ومن ذلك ما يروى عن فتاة أنها أرادت أن تكتب لأختها تهنئها بمنزل جديد وجبه اشتراه لها زوجها . فكتبت ما أبرأت به ذمتها من هذا الواجب . ولكنها عند ماجاء دور العنوان كتبت على المظروف عنوان الدار القديمة التى انتقلت منها أختها . وذلك لأنها كانت تخفى فى نفسها غيرة شديدة من تمتع أختها بهذا المنزل الجديد الفاخر ، فسابرت (شعورها) الواعى في أداء واجب التهنئة ، ولكنها قبل أن تفرغ من ذلك كان قد غلبها (اللاشعور) الراصد اليقظان المتربص فأملى عليها العنوان القديم ليدل على مبلغ غيرتها من المنزل الجديد ، وأنها لا تريد أن تذكره بلسانها ، ولا أن يجرى به قلمها !

والحركة الخاطئة - قد تكون هى الأخرى سبيل (اللاشعور)  فى الإفصاح عن نفسه كما يكون القلم وكما يكون اللسان .

أذكر أننا جلسنا مرة أنا وبعض زملائي فى ( نادينا ) فتجاذبنا أطراف الحديث وتناقشنا كما قد يفعل الإخوان إذا جمعهم ناديهم فتحادثوا وتناقشوا . ولكن النقاش اشتد بين اثنين منا شدة غير مألوفة ، حتى لقد جعلنا عمنا نحن الذين لم تشترك في هذا النقاش الشديد أن تدخل بين الأخوين لنقرب بينهما ولنحول دون هذا الاحتكاك المشبوب . وقد أفلحنا فى الظاهر ، فإن حدة الحديث خفت ، وتهدج الأصوات استحال رويدا رويدا إلى لين وهدوء . ولكن لم يفتنى أن ألاحظ عند انصرافنا أننا وقفنا فريقين أمام باب النادى لأن كل فريق منا كان له طريق خاص لعودته وبينما

كنا نلوح نحن بأيدينا لأفراد الفريق الثانى تلويح التحية . رأيت أحد الزميلين يلوح بقبضة يده مضمومة للزميل الآخر وهو يقول له : باى ! باى !  - ( فالشعور ) العاقل قام بما يحتمه الواجب على العقلاء فاصطنع الهدوء والإبتسام ، ولكن مرجل ( اللاشعور ) كان لا يزال يغلى وكان يرى - على طريقته البدائية الساذجة - أن كل خصومة صراع ، وأن كل صراع لكم وضرب ، فلا أقل من التلويح بقبضة اليد !... ولو فى مقام الوداع والسلام !

اشترك في نشرتنا البريدية