الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الثقافة"

الشك المتطرف، والشك المعتدل

Share

يقول الشريف الرضى في مطلع احدي مرائيه المشهورة : قف موقف الشك لا يأس ولا طمع

وغالط العيشي لا صبر ولا جزع وموقف الشك هذا الذي ينصح لنا بوقوفه شاعرنا الكبير ، وهو يمارس حالة من الحالات النفسية الكثيرة التي عالجها ، واصطلي بنيرانها ، يقتضي الاضطراب بين المذاهب المتعارضة ، والمقائد المختلفة ، وعدم الانتهاء إلى تصميم قاطع تلقاه الحجج المتكاثرة ، والبراهين المتنوعة ، وهذا هو معنى الشك في اللغة الدارجة ، والعرف الشائع ؛ وأما في الفلسفة ومصطلح التفكير النظري فان الشك معناء الاعتقاد بأن الحق أو المعرفة الصادقة من وراء قدرة الانسان ، ومن فوق طاقة عقله ، فلا سبيل إلي إدراكه أو تلمس أسبابه ، وإزاحة النقاب عن اسراره ،

ونحن من أمورنا في ليل لا تتجلي ظلمته ولا يسفر له صبح . وليس الشك هو الأصل في الانسان ، لأن المرحلة البدائية من مراحل التفكير البشري هي التصديق البريء والإيمان الساذج ، ولذا يسود الشك في أدوار نضح الحضارات وعهودها المتأخرة التي تضعف فيها قوة الطبع ويعلو مستوي الذكاء ، والتأكيد يسبق النفي ، والتعصب يتقدم الشك . وقد فطر الانسان علي الايمان بحواسه والاعتماد على إدراكه المباشر ، ولا يزال التشكيك في صحة ذلك مما يستنكره الكثيرون ويحسبونه نوعا من الحذلقة والتفكير المعوج ، وهذا الايمان العميق البسيط بصدق الحواس لا يزال عماد الحياة العملية وركها الركين ، ومعولنا في معركة تنازع البقاء ، وتحصيل القوت . وقد نشأ مذهب الشك عند اليونان عند ما تعارضت إدراكات الحس مع استنتاجات العقل ، وأوحي توالى المذاهب المتناقضة والنظريات المتعارضة فكرة أن هذه المذاهب جميعها قد تكون خاطئة زائفة ، وأن الحقيقة هي أنه ليس هناك حقيقة ، وأن الأمر كما صوره الأستاذ العقاد في قوله :

أين الحقيقة ؟ لا حقيقة كل ما زعموا كلام

وقد كان السوفسطائيون هم أول المتشككين ، فقد ردوا المعرفة إلى الآراء الفردية ، واستشهدوا في ذلك الحواس ، وأعلنوا مغالطات كثيرة أشهرها مغالطات غور غياس ، وتتلخص في قضايا ثلاث ، وهي انه لا يوجد شئ ، وإذا كان هناك شئ فالإنسان قاصر عن إدراكه ، وانه إذا كان هناك شئ وكان يمكن معرفته ، فانه من غير المستطاع التعبير عنه بالكلام ، وكان السوفسطائيون مجادلين بأرعين ، متأهبين للدفاع عن كل مغالطة ، وكانوا احرص على اشباع شهوة الغرور ، وحب الفلج ، منهم على وعاية الحق وجلائه ، ولم يكن ينتظر منهم إكبار الحق ، في حين أن فلسفتهم قائمة على إنكاره ، وعدم التسليم بوجوده ، ومغالطات السوفسطائيين تقوم في بعض الاحيان على القياس الفاسد ، واحيانا اخري علي تفاهات منظفية لا قيمة لها .

والمعروف أن واضع أساس مذهب الشك عند اليونان هو الفيلسوف بيرون المولود في مدينة إيليس سنة ٣٦٥ وقد كان معاصرا لأرسطو . وهو لم يدون آراءه وإنما ذكرها تلميذه تيمون ، وكانت غاية الفلاسفة المتشككين غاية عملية ، فهم مثل الرواقيين والآبيفوربين ، ينشدون السعادة ، ويطلبون الطمأنينة ، ولكن هذه الفلسفة التي تؤدي إلى السعادة تقتضينا ان نعرف ماهية الأشياء وكيف نحدد علاقتنا بها ، وقد رأي المتشككون ان حقيقة الأشياء من وراء حدود معرفتنا ، لأننا لا ندرك الأشياء في ذاتها ، وإنما ندركها بحسب ما تبدو لنا ، وافكارنا عنها ليست حقا ولا باطلا ، وليس في وسعنا ان ندلي براي أو نقطع بحجة عن أي شئ ، ولا يمكننا أن نطمئن لما تقضي به إلينا مشاعرنا وإدرا كنا الحسي ، وكل فرض له نقيضه ، ومن ثم تناقضت أفكار الناس عامة ، وتضاربت

آراء الفلاسفة خاصة ، والعلاقة الحقة بين الفيلسوف والأشياء هي أن يعلق حكمه ويرجي بنه ، وقد رجا الفلاسفة المتشككون ان يصلوا إلى السعادة عن طريق ارجاء الحكم ، وتجنب أنفسهم مشقة احتمال تبعة الآراء الحاسمة ، والمذاهب الفاصلة ، وعندهم أن من لاذ بحمي الشك عاش في أمان ومتعة من البلادة والفتور لا يرنق صفوها شئ .

ولعل أكبر مغالطة تطرف فيها المتشككون هي أنهم مدوا رواق الشك إلى صميم الشك ، وهذا الضرب من الشك المدمي له نظير في العصر الحديث ، فقد قال بسكال عن مونتاني : " إنه ألقي بكل شئ في غمار الشك حتى تشكك في شكوكه " ، وقد انتهى الشك ببعض كتاب العصر إلي مدى بعيد ، فبابيني الايطالي يقول في كتابه " إنسان كامل " :

" نظرت في كل شئ إلي ماله وما عليه ، وما عليه وماله ، فهل أنا متشكك ؟ لا لسوء الحظ لست حتى متشككا . إن المتشكك سعيد رخي البال ، فقد اطمان إلى يقين ، وهذا اليقين هو عدم الاهتداء إلى الحق ، فهو يستطيع ان يكون وادع النفس ، بل يستطيع إذا شاء أن يكون متعصبا متحمسا ؛ ولكنني لست كذلك ، فلست اعتقد بعبث كل بحث عن الحق ، ولست واتقا حتى من عدم وجود الحقيقة ، وقد يكون الحق في حيز الممكنات وقد يهتدي إليه الإنسان " .

ويقول هرمان بهر : " لقد حاولنا إثبات كل شئ فلم يثبت لتجارينا شئ ، وعلى الأقل نتيجة انه لم يثبت لتجاربنا شئ هي نفسها لم تتمكن من إثباتها بعد ، ولقد طفنا بكل وجه من وجوه اليأس حتى يئسنا من اليأس " .

وهذا الشك في الشك واليأس من اليأس قائم على استحالة معرفة الحق والباطل ، فالشك هنا مضاعف

ومزدوج ، ويظهر أن هذين الكاتبين لم يستطيعا احتمال هذه الحالة طويلا ، فقد انقلبا مؤمنين واستدريا بظل الكنيسة وتخلصا من رمضاه هجير الشكوك

وفي العصور الوسطى كان الشك لا يبدو إلا مستورا ملففا ، ولكن كان عندما يكشف عن نفسه تبدو طبيعته القائمة على المغالطة ، فقد ورد في رسالة منسوبة إلى البابا انتوسنت الثالث هذه الكلمات " كما انفق الانسان جهدا في البحث قل ما يجده ، لأن أكثر الناس فهما أكثرهم شكا ، والذي يبدو في نظر نفسه حكيما عاقلا هو في الواقع سخيف مأفون ، والله قد برا الناس صالحين ، ولكن الانسان أوقع نفسه في حبائل مشكلات لا نهاية لها "

وفي أواخر العصور الوسطى ظهرت نظرية " ازدواج الحق " وهي أن الفرض قد يكون حقا في الفلسفة ولكنه غير حق في عالم الدين والعكس بالعكس ، وقد رفضها الكنيسة في بادىء الأمر ، ولكن تصدي للدفاع عنها الفيلسوف الأيطالي بومبوناتزي في بواكير القرن السادس عشر ، وهي وسيلة لجأت إليها الفلسفة للاحتفاظ بجريمتها والحافظة على كيانها .

ومونتاني هو أنموذج المتشككين في عهد إحياء العلوم ، وقد كان متأثرا بفكرتين ، فكرة استحالة إثبات ملكاتنا وفكرة نسبية جميع أحاسيسنا ، ومن أدلته على سخف البشرية وركاكة عقلها قوله يزواد إيماننا رسوخا بما نعرفه أضأل معرفة " وقوله : " الانسان جد مجنون فهو لا يستطيع أن يخلق دودة ، ولكنه مع ذلك يصنع الآلهة بالعشرات " وقوله : " لقد ولدنا للبحث عن الحق ، ولكن امتلاكه يتطلب قوة أكثر مما أوتينا "

وشك مونتاني بحمل طابع الشك الحديث فهو خال من هدوء الشك اليوناني وفيه القلق الممض والحيرة اللاهفة التي تميز الشك الحديث ، وتلمح في المتشككين المحدثين

النزوع إلى اليقين وألم العجز عن إدراكه

وهناك فريق من الناس يبنون يقينهم على الشك وهم يشبهون في ذلك اليهودى الذي قال عنه بوكاشيو في الديكامرون إنه ذهب إلى روما وهاله مارآه من فساد الكنيسة ، واختلال أحوالها ، فأغراء ذلك بأن يدخل في المسيحية ، لأنه اقتنع بأن الكنيسة التي تنحدر إلى مثل هذا الفساد ثم لا يقضي عليها ويفشل أمرها لابد أن تكون ملحوظة بالعناية المقدسة !

ولكن هل بناء اليقين على أساس من الشك مما يجلب الراحة ويؤدي إلى الطمأنينة ؟ وإذا كان الشك سبيل الإيمان افلا يكون من المحتمل ان يظل الشك عالقا ببعض النتائج التي ينتهي إليها الإنسان ؟

وهذا هو على أي حال الشك الذي قد يولد الايمان ، كما أن هناك الايمان الذي قد ينتج الشك .

ويشبه المتشكك من بعض الوجوه " الهاوي " وهو الرجل الذي يهوي الافكار للذائها ويتتابع في تطلع وشغف كل المشكلات الفكرية ، ولكنه لا يتحيز لفكرة لأنه يجد في كل فكرة طرفا من الحق ، فهو يعنى بكل شئ ، ولكنه لا يتعصب لشئ . وقد يبدو في بادئ الأمر أن التشكك تقيض الهاوي ، لان المتشكك يسائل كل شئ ، والهاوي يؤكد كل شئ ويقبله ويحتضنه ، ولكن الواقع أن موقف الهاوي يحطم التعصب ، ويعصف باليقين ، ويقري بالاعتدال والتأمل الساخر مثل موقف المتشكلك . ومذهب الشك يقتل نفسه بنفسه ؛ وهو يحكمه على المعرفة بأنها غير صادقة ولا ممكنة ، يحكم على نفسه حكما ضمنيا بأنه غير صادق ، لأنه إذا لم يكن هناك حق فإن مذهب الشك إذا ليس فيه حق ، لأنه ثمرة عقل هو بطبيعته عاجز عن إدراك الحق ، فإذا صح مذهب الشك فمعناه أنه مذهب لا يقوم على أساس ، ولا مفر للانسان إذا أراد

أن يتحاشى التناقض من أن يعترف بأن المعرفة ممكنة وأن الحق يمكن الوصول إليه

وهناك لون طريف من الشك وهو ما يصح ان يسمي بالشك المعتدل المعقول أو الشك على الطريقة الانجليزيه، وأقصد به شك المفكر الانجليزي الممتاز برتراندرسل ، فليس شكه من ذلك النوع اليائس من العقل او ذلك الشك الموكل بالمتناقضات والمشوب بالنزعة الصوفية ، وليس هو بالمتشكك على طريق الهواة من امثال رينان واناتول فرانس ورمي دي جورمون ؛ ولأ تركه يعرض علينا رأيه ويوجز لنا مذهبه كما ورد في مقاله القيم عن " قيمة الشك " حيث يقول : أريد أن أعرض على نظر القارئ رأيا ربما يبدو متناقضا هداما ، وهذا الرأي هو من غير المرغوب فيه ان نعتقد رابا من الآراء لم تقم الادلة على صحته ، وإني اقرر انه لو عمم هذا الرأي لغير أحوالنا الاجتماعية ونظامنا السياسي .

وإني أعرف أن هذا الرأي سيقلل من دخل أدعياء معرفة الغيب والقساوسة وغيرهم ممن يعيشون على تغذيه الامال غير المعقولة ، ومما يروي عن بيرون مؤسس مذهب الشكوكية انه كان يقول : إننا ليس عندنا من المعرفه ما يجعلنا نرجح سبيلا على آخر . فلما كان برتاض في عصر يوم من الأيام ابصر استاذه الذي تلقي عليه دروسا الفلسفية وراسه ملصق في خندق متأن بالماء ، وقد عجز عن إخراجه ، فتأمله مليا ثم سار في طريقه ، ذاهبا إلي انه ليس هناك دليل كاف للاعتقاد بأنه سيحسن الصنيع اذا أنقذ الرجل الكهل من هذا المأزق ، وتقدم غيره ممن هم اقل منه شكا وأنقذوا الرجل ، ولاموا بيرون لتحجر قلبه وجمود عواطفه ، ولكن استاذه اثني عليه لإخلاصه لمبادئه

وأنا لا ادعو إلي مثل هذه " البطولة " في الشك ، والشكوكية التي أدعو إليها تتلخص فيما يأتي :

) ١ ( عندما يتفق الخبراء الاخصائيون فان الرأي المناقض لرأيهم لا يمكن أن نثق بصحته .

) ٢ ( عند ما يختلفون وتتعارض اراؤهم لا يمكن غير الأخصائى أن يعتقد بصحة رأي .

) ٣ ( عند ما يجمعون على أنه ليس هناك دليل ثابت على صحة رأي فانه يحسن بالرجل العادي أن يرجي حكمه

وهى فروض معتدله في ظاهرها ولكنها لو قبلت  وعمل بمقتضاها لأحدثت ثورة في الحياة الإنسانية وهذا هو الشك الذي يدعو برتراندرسل إلي ترويج  سوقه ، ونشر اعلامه ، ولست اري بأسا في اصطناعه عند تناول ما يتقلب علينا من الأحوال ، وما يعرض لنا من الحوادث ، وهو يوحي الاعتدال والآناة في إصدار الأحكام ، ويجنبنا مزالق الآراء الميتسرة والأحكام المرتجلة .

اشترك في نشرتنا البريدية