الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الثقافة"

الشمس مصدر الحياة ، في طريق الاضمحلال والانقراض

Share

مزايا الشمس :

الشمس هي أم السيارات ، والجدة الكبرى للتوابع والأقمار . ولولاها لما وجدت الحياة على الأرض ، ولما وجدت الحركة والقوة ، وبوساطتها - نورها وحرارتها تنمو المزروعات ، والأشجار ، والغابات ، ويتكون الفحم الحجري ، وتتبخر المياه ، وتنشأ الرياح والعواصف حاملة البخار المالي الذي يتكاتف ويتحول إلى أمطار وثلوح . ولا يخفي أن الانسان استطاع - بفضل ما وهبه الله من قوي عقلية في الابتكار والاختراع - أن يستخدم قوة انحدار الماء المتكون من ذوبان الثلوج إلي منافعه الخاصة ، وقد تمكن بالآلات المختلفة أن يحولها إلى كهربائية وغيرها من أنواع الطاقة المتعددة.

قد يستغرب القارئ إذا علم ان الشمس . وهذه بعض مزاياها - نجم مثل سائر النجوم التي تراها ليلا ، وقد يزيد استغرابه إذا علم ايضا انها من النجوم المتوسطة الجرم ، وأن بين الأجرام السماوية ما هو أكبر منها بمئات وألوف المرات ؛ ومع ذلك فحجمها كبير يقدر بمليون وثلمائة ألف مرة مثل حجم الأرض ، وهي تبدو كبيرة بالنسبة لغيرها من الأجرام السماوية ، لأنها قريبة منا ، ولو كانت على بعد بعض النجوم لضؤل نورها ، ولما استطعنا أن نراها بالعين المجردة.

قرب الشمس :

الشمس أقرب نجم إلينا ، وتقدر المسافة بثلاثة وتسعين مليونا من الأميال ، فلو سار قطار سكة حديدية إليها بسرعة خمسين ميلا في الساعة ، لوصلها في ٢١٠ من السنين . فأين لنا بالسائق بعيش هذه المدة ، والسكة والقطار ؟؟ ولو أطلقنا قنبلة مدفع بسرعة نصف ميل في الثانية ، وكان بالامكان جعل الانطلاق متواصلا وبهذه السرعة ، لوصلت إلي الشمس في سبع سنين . فأن لنا بالطاقة التي نستطيع ترويد القنبلة بها ليكون سيرها متواصلا وبسرعة نصف ميل في الثانية ؟ والأمواج اللاسلكية التي تدور حول الأرض سبع مرات في ثانية واحدة ! والتي سرعها تساوي سرعة النور المربعة (١٨٦٠٠٠ ) ميل في الثانية ؛ هذه الأمواج إذا أرسلت إلي الشمس تصلها في ثماني دقائق وربع دقيقة !

ولكي يدرك القارئ قرب الشمس إلي الأرض ، بالنسبة لغيرها من النجوم ، نقول لو أرسلت هذه الأمواج من الأرض إلي أقرب مجم إلينا بعد الشمس لوصله بعد أربع سنين ونصف سنة ؛ فالعجب!!

الشمس تضمحل :

يصدر من الشمس مقدار عظيم جدا من الحرارة

والنور ، يشع في كل الجهات ، وما يصيب كرتنا من هذا لا يزيد على جزء واحد من ألفي مليون جزء .

ودرجة الحرارة على سطحها تقدر ب ٦٠٠٠ درجة سنتيغراد ، وترتفع هذه كلما تدرجنا من الخارج إلي الداخل ، إلي أن تبلغ ملايين الدرجات

ولكي يتصور القارئ عظم هذه الحرارة نقول : إنه إذا وجد بين الأرض والشمس أسطوانة من الثلح قطر فاعدتها ميلان وطولها ٩٣ مليونا من الأميال ، واستطمنا أن نسلط على الأسطوانة الجليدية كل ما في الشمس من حرارة ، في ثانية واحدة تذوب كلها ، وفي ثمان ثوان تتحول إلي بخار : فتأمل . ..

ويقول ( جينز )  إننا إذا استطمنا أن نأخذ من جيبنا قطعة من ذات خمسة القروش ونسختها إلي درجة حرارة مركز الشمس ، فإن حرارتها تكون كافية لان تجعل كل كائن حي على بعد آلاف من الأميال منها يضمر ويذبل ...

أما الضغط على الشمس فحدث عن غرابته ولا تهب ... وقد وجد العلماء ّأن الضغط في مركز الشمس يعادل ملايين الأرطال على السنتييمتر المربع . ولسنا بحاجة إلي القول أن العناصر الموجودة في الشمس تتفتت وتنحل إلي جواهرها الفردة إزاء حرارتها العظيمة المخيفة . بل إن الجواهر الفردة (لبعض العناصر ) تنحل إلي الكهارب والبروتونات التي تتألف منها تلك العناصر .

وهذا يعطينا فكرة عن الشمس ، وأمها ليست إلا كتلة تاريخة ، فيها من القوة ما يصهر العناصر ويحولها إلي غازات تتناثر في الشمس محدثة الأنواء والعواصف والزوابع ، تخرج منها نافورات عظيمة من اللهب والسنة أرجوانية إلي الفضاء ، ترتفع إلي آلاف الأميال في أشكال تثير الروعة والدهشة والاستغراب ...

لقد حسب الفلكيون مقدار ما يخرج من الشمس من الطاقة عن طريق الإشعاع ، فوجدوا أن الكمية عظيمة جدا وفوق التصور ، وأن كل متر مربع من الأرض يتلقي من أشعة الشمس قوة تعادل قوة حصانين أو ( ١٦٠,٠٠٠ ) حصان لكل كائن من البشر . وإذا كانت هذه هي القوة التي تخرج من الشمس إلي الأرض تعادل جزءا من ألقى مليون جزء مما تشعه إلي الفضاء ، فما قولك بقوتهما كلها ؟ ...

إن الحسابات الدقيقة تبين على أن الشمس تفقد من مادتها عن طريق الإشعاع ( ٠٠٠, ٣٦٠) مليون طن في كل يوم ! . . فهل لنا بعقل يتصور هذي القوة المخيفة . وإذا كانت الشمس تفقد يوميا هذا المقدار الا يوجب هذا قلق الانسان فيما لو بقيت على هذه الحال ؟ ففي مدة معينة ينفد ما عندها من طاقة وسيكون مصيرها الاضمحلال والإنطفاء ، وتصبح الأرض حينئذ غير صالحة للحياة على أنواعها ، ويختل النظام الشمس وتسوده فوضي لا يعلم نتائجها إلا الله.

ولقد أخذ هذا البحث كثيرا من عناية من العلماء وتوصلوا إلي نتائج مرضية مطمئنة ، وقالوا : لاموجب للقلق وإن هناك قوة وزخيرة ثاني الشمس بعوامل مختلفة ، وإنه على الرغم من أن هذه القوي والذخيرة أقل بكثير مما يصدر منها ( من الشمس ) إلي الفضاء ، ففيها قوة تمد في عمرها إلي آلاف الملايين من السنين . ويتساءل كثيرون كيف تتولد في الشمس هذه القادر العظيمة من الحرارة ؟ وكيف تنشأ هذه القوي في جوفها وعلى سطحها ؟

هذا التساؤل في محله ، حلول بعض العلماء الإجابة عليه . فقالوا بأن تفكك الحواهر الفردة (لبعض العناصر ) وانطلاق القوي الهائلة المخزونة في تلك الجواهر هو السبب في حرارة الشمس وفي القوي الموجودة فيها .

الأزمة والشمس :

يري علي الشمس بقع سوداء ( كلف ) تظهر وتختفي ، بعضها بسرعة وبعضها ببط . ويختلف العدد الذي يظهر ، ويكون على أكثره كل إحدي عشرة سنة ، ومن هذه البقع ما هو كبير جدا يسع الأرض ومن عليها ، وهي تتألف عادة من منطقة قائمة اللون في وسطها بقعة سوداء كأنها تجاويف عظيمة . واختلف الفلكيون في سبب ظهورها ، ويرجح الكثيرون أيها تتكون بسبب التغيرات الكثيرة الناتجة من تأثيرات الحرارة في جوف الشمس ، وأن هناك مواد تخرج من هذا الحوف إلي السطح ، وعند خروجها تبرد وتظهر مظلمة بالنسبة لوجه الشمس ذي النور الباهر ، وزيادة على ذلك فقد يكون فيها كهربائية شديدة تقوي معها مغناطيسية الشمس والأرض . وثبت لدي العلماء ان ظهور البقع واختفاءها من الحوادث النظامية في تاريخ الشمس ونتيجة لعوامل ثابتة .

لم يستطع أحد أن يجد علاقة بين الكلف وحلة الطقس ، ولم يتوصلوا إلي نتائج مرضية ، ولكن الثابت أن حرارة الشمس تكون اشد من المعتاد عند ظهور الكلف وعند ما تكون على اكثرها . أما فيما يتعلق بالنبات والطر واحوال اخري جوية فليس للكلف بها علاقة أو تأثير ، وإذا كان هناك شئ من هذا القبيل فهو بسيط جدا لم يستطع العلم إدراك مداء بعد . أما ما نسبه بعض الفلكين إلي الكلف من حدوث زلازل وفيضانات وخصب وامحال واصراض وازمات تجارية ، فهذا ما لم يثبت علميا وما لا يزال في دور البحث .

الآلة الفاضحة :

ولقد تمكن العلم الحديث من معرفة أشياء كثيرة عن

تركيب الشمس الكيمياوي واستطاع الفلكي بفضل آله الطيف " السكنرسكوب " أو كما يسميها الأستاذ الكرداني " مبين الأطياف " وغيرها من الآلات ، ان يدرس طبائع النجوم والشمس وان يتحقق من وجود العناصر التي يتركب منها جو الشمس ، الأمر الذي كان قبل ستين سنة خيالا وتحقيقه من المستحيلات.

ولسنا الآن في مجال ذكر تركيب هذه الآلة الفاضحة التي أذاعت الشئ الكثير عن محتويات الشمس والنحو وحركاتها وغرائبها وما يتعلق بنورها وحرارتها ، فقد تخرج بذلك عن موضوعنا ، ونترك الكلام عن عملها إلي الكتب العالية في الفيزياء ، ولكن لا بد لنا من سرد المبدأ الذي تقوم عليه دراسة طبائع الشمس والنجوم وهو يتلخص فيما يلي :

إذا مر شعاع نور أبيض (كنور الشمس ) على منشور ثلاثي من الزجاج ، فالأشعة تنفذ منه وتتحلل بحيث إنها إذا وقمت على حاجز ابيض ظهرت الأشعة النافدة عليه كشريط ملون طرفه الأسفل أحمر وطرفه الأعلي بنفسجي ، وما بين هذين اللونين يقع البرتقالي فالإصفر فالآخضر فالآزرق فالنيلي . ويسمى هذا الشريط الملون بالطيف . وثبت حديثا أن للعناصر المختلفة - إذا كانت غازية أو سائلة أو مواد صلبة محماة إلي درجة الإنارة - أضواء إذا حظت تبين الأطباف تكونت لها أطياف تتميز بها العناصر بعضها عن بعض . ويمكن للعالم أن يعرف فيما إذا كانت الأشعة التي مزرها من (الآلة الذكورة ) خارجة من عنصر الحديد أو الهيدروجين أو الصوديوم .

ولدي اختبار الطيف الشمسي وجد أن أضواء الطيف تتخللها خطوط مظلمة رأسية كثيرة العدد موزينة في الطيف في مواضع معينة منه ، وتعرف هذه الخطوط بخطوط " فرنهوفر"

وقد يعجب القارئ إذا علم أنه استدل من هذه الخطوط على وجود مواد في الشمس لم تكن معروفة على سطح الأرض كغاز الهيليوم .

ولقد وضع العلم للحصول على أطياف العناصر المختلفة طرقا وقواعد ، يمكن لمن يرغب الاستزادة في هذه البحوث الطريقة أن يرجع إلى الكتاب النفيس القيم الذي وضعه الأستاذ نظيف عن البصريات . ومن هذه الأطياف وتلك الخطوط عرفنا المواد التي يتركب منها جو الشمس ، وعرفنا أن الهيدروجين والهيليوم والكربون والصوديوم والكلسيوم والحديد والنحاس والكبريت والنيكل موجودة بكثرة في جو الشمس ، وان اكثر العناصر المعروفة على أرضنا موجود فيها أيضا . وعرفنا أيضا أن ثلاثة وعشرين عنصرا من عناصر المادة التي كان يظن أنها خاصة بالأرض وجدت حديثا في الشمس ، وأن جميع العناصر موجودة فيها بالنسبة التي توجد بها علي الأرض .

أليس في هذا الدليل القاطع على النظرية القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس انفصلت عنها في الأزمان السحيقة . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل عرفنا بوساطة هذه الآلة الشئ الكثير عن حرارها وقوانين دورانها وحركانها وضغط جوها . واستطاع الفلك فرق ذلك أن يعرف المواد التي تتركب منها النجوم التي يصل نورها إلينا ، وان يقف على كثير من خواصها وسرعتها وحركانها ، وهل هي نحو الأرض أو بعيدا عنها .

بعد هذا .. . ألا يوافقني القارئ علي تسمية آلة " مبين الأطياف " بالآلة الفاضحة العجيبة ؟ ! ...

جاذبية الشمس :

كل ما في الكون يسير على نظام الجاذبية ، فمن الشمس العظيمة إلى ما هو أعظم مها إلى أدق ذرة من

التراب - كل هذه تتحرك ضمن هذا النظام . ولولاء لما سار القمر حول الأرض على الصورة التي نعرفها ، ولما كانت حركات السيارات في أفلا كما ، ولما كان المد والحزر علي الأرض او علي غيرها . وما يراء في الشعمس وسياراتها ونوابعها من السير على هذا الناموس نراء في النجوم ، فهذه ايضا بسياراتها وملحقاتها لا نشذ عنه ولا تخرج عليه ؛ بل هي دائما وأبدا مطيعة له سائرة في دائرة حدوده وأنظمته . وفوق ذلك استطاع العلماء بوساطته واستغلال المعادلات الرياضية ، ان يحسبوا كتلة القمر والأرض وبقية الكواكب ونوابعها وغيرها من النجوم والأجرام السماوية . وتختلف قوة الجاذبية بين جسمين بحسب كتلنيهما والمسافة بينهما ، فهي تزداد تبعا لأزدباد الكتلتين أو نقص في المسافة ، كما تنقص هذه القوة تبعا لنقص الكتلتين أو زيادة في المسافة

وما ثقل الأجسام على الأرض إلا تعبير آخر عن قوة التجاذب بينها وبين الأرض ، فإذا قيل إن تقل جسيم ما هو ٥٠ كيلوجراما ، فهم من ذلك ان قوة جذب الأرض إلي ذلك الجسم تساوي ٥٠ كيلوجراما . ولما كانت كتلة الشمس كبيرة جدا ، إذ تعدل ( ٣٣١٩٥ ) مرة قدر كتلة الأرض ، فالجاذبية عليها عظيمة كذلك ، وهي اكثر من جاذبية الأرض بسبع وعشرين مرة ، فما يزن على أرضنا رطلا يزن على الشمس ٢٧ رطلا . والحسم الذي وزن ( ٦٥)كيلوجراما هنا يكون هناك أكثر من ١٧٠٠ كيلوجرام !

ولا بد لنا من القول إن هذا الناموس أتي بالعجب العجاب ، وبالسحر الحلال ، إذ استطاع الفلكيون والرياضيون بوساطته التنبؤ عن حركات السيارات ، كما كان في الامكان أن يكشفوا بعض السيارات

ولا تدري ، فقد يأتي هذا الناموس ما هو أعجب ! !

والشمس تجري :

اختلف الناس منذ القدم في حركة الشمس ، هل تجري ؛ هل لها حركة كما للأرض والكواكب ؟

قال أناس إنها ثابتة . وقال آخرون إمها متحركة ! والحقيقة أنه للشمس حركة حول محورها ، ولكن ليس لها حركة في الفضاء تشابه حركة الأرض ، فهي لا تدور حول نجم من النجوم مثلا ، بل إنها تتحرك كما تتحرك بقية النجوم ، وتسير في القضاء بسرعة (٧٥٠) ميلا في الدقيقة ، أو ما يزيد على مليون ميل في اليوم ، ولا نعنى أن الشمس وحدها تسير فهذه السرعة ؛ فهناك سياراتها وتوابعها والتحيمات ، وكل ما في النظام الشمس يسير معها بهذه السرعة نحو كوكبة الشنياق التي فيها الفسر الواقع

وعلي هذا فالأسرة الشمسية ، بما فيها الأرض لا تزال (كما كانت) سائرة في الفضاء ، وهي في كل يوم في موضع من الكون يختلف عن الموضع الذي كانت فيه في اليوم السابق .

وهكذا ، فكل ما في الوجود في حركة دائمة لا يعلم منتهاها ومصيرها إلا مبدع الكائنات العليم القدير .

نابلس

ملاحظة : في العدد الماضي حدث خطأ في احاديث العلوم في ترجمة لفظة Jupiter بالمريخ ، وكان حديث الأقمار الذي فيه عن Jupiter وهو المشتري لا المريخ .

اشترك في نشرتنا البريدية