خيل إلي وأنا أقرأ هذا الكتاب الطريف الممتع أنني أقرأ لشيخ من شيوخ اللغة والأدب لا لرجل عل من الثقافة الأوربية ونهل، وغاص في بحار المحفوظات والأضابير والوثائق التاريخية يسترخ منها تاريخاً لإمبراطورية محمد علي الكبير، أو يكتب بالفرنسية كتاباً عنوانه:La Genese de l'Esprit National Egyptien أو يؤرخ بالعربية للثورة الفرنسية ونابليون
ولكن الدكتور محمد صبري يستوي عنده التاريخ والأدب ما دام في ذلك رضي لحاسته الفنية الرفيعة، أو ترضى لقوميته المصرية العريقة، أو رضى لحاسته للغته العربية وأدبها الغني السمين.
وعجيب أن هذا الرجل الذي يقرأ في الفرنسية، ويكتب قادراً بالفرنسية، ويؤرخ لأحداث العصر الحديث يطوي القرون القهقري حتى يأتي (امرأ القيس) في أموره وخمور؛ ويأتي (طرفة) في رحلته وناقته، ويأتي (زهير بن أبى سلمى) في حكمته ومدائحه وفي المهاة التي شبه بها ناقته. ثم لا يكتفي بذلك فحسب، بل تراه ضارباً مع الجاهليين في الخيام، هائماً معهم في كل دوِّية، يلاحظهم وهم يشدون الاكوار على الرحال، أو يلعبون المقايلة في الرمال، أو يطاردون بالكلاب المضرَّاة الثيران: أو حين تخرج الأرامل الشُّعثُ يحملن المناقع إلى رجل كريم فتح بابه للسؤال، وتهلل وهو يبث النوال. . .
والحق أن في الشعر الجاهلي كثيراً من غريب الألفاظ باعد الزمن بيننا وبينها، فتغيرت على أذواقنا وتوعرت على أسماعنا. ولكن الدكتور محمد صبري - جزاه الله أحسن الجزاء - قد ألف بيننا وبين هذه الثروة المذخورة
من الألفاظ؛ فقد عرض الشعر الجاهلي عرضاً متبوعاً بشرح غريبه؛ فلا تلبث حتى ترى نفسك أمام شعرٍ خَلعَ التفسير عليه جمال الوضوح، فبدا رائعاً في شرحه، رائعاً في متنه. وإذا بك ترى هذه الألفاظ المهجورة الموحشة مأنوسة مألوفة؛ وإذا بك تجد الحسَّ بينك وبين العربي مشتركاً، وتجد التجارب بينكما متبادلاً. فتقف أمام البيت من الأبيات وأنت تكاد تحس فيه قلب الشاعر أو همس الخاطر. . .
والمؤلف نفسه متأثرة بالأسلوب العربي الرصين؛ ويخيل إلى أنه عنده حاسة يتخير بها اللفظة الملائمة مهما كانت غريبة؛ ولعله واثق إن إعادة استعمالها قد يضفي عليها الحياة من جديد. ولعله ناجح فيما هو بسبيله من ذلك. فقد وصف في صفحة ٥٨ مناظر الصيد والطرد بأنها (مرعبلة) ثم عاد في ص٦٣ فشرحها في بضعة أسطر شرحاً يجذبك إلى استعمالها ويحملك على الأخذ بها.
الدكتور صبري محب للشعر الجاهلي، ولا نغالي إذا قلنا إن حبه إياه قد جرى مجرى الدم في مفاصله. وفي كل صفحة من الكتاب برهان ذلك ومصداقه. ولكنه أعلن ذلك الحب وجاهر به مصرحاً في ص٧١ حيث يقول (وإني أحب الشعر الجاهلي وأحب أسلوب الجاهليين) . ولو أنا وجدنا بيننا من يحب الأسلوب الجاهلي كما أحبه صبري ماشكونا الآن من (ميوعة) بعض الكتاب والشعراء المعاصرين الذين لا يبالون بلفظ ولا يحفلون بأسلوب. ولكن همهم من القول أن يرصوا الكلام رصاً. من غير أن تكون لتلك الألفاظ التي يستعملونها دلالة خاصة - تلك الدلالة التي تجعل الأديب المعرق يؤثر لفظاً على لفظ أو أسلوباً على أسلوب.
وفي الشعر الجاهلي لوحات فنية كثيرة لم يغفلها المؤلف، ولكنه أبرزها في خير أُطرها غير مغفل جمال اللوحة نفسها وهو معنا ناقد غني بصير. ولا تقوية من حين إلى حين الموازنة
بين صورة ناطقة لشاعر وصورة صامتة لمصور. فصورة (طرفة) التي يقول فيها:
وجالت عذارى الحي شتى كأنها ... توالى صوار والأسنة ترعف تذكِّره بصورة لرافائيل الإيطالي كانت موضع نقد من النقادة الفرنسي Muntz ص١١٠
وقولة حميد الراجز في صفة القلب عند وشك الفراق تذكره ببيت للشاعر (فرلين) ص١١١. ولوحات الشعر الجاهلي الحيوانية تذكره بالمثَّال المصور الحيواني (باري) ص٥٧.
وإذا كان أبو نواس لم يفطن إلى نعت الإبل وناعتها فأن المؤلف يلومه على هذا الإغفال لحقيقة فطن إليها الجاهلي في شعره - ص٧٠.
وهكذا ترى المؤلف فطنا إلى ما في دقائق الشعر الجاهلي من تمثيل وتصوير، حتى كاد كتابه يكون قائماً كله على هذه الناحية، وهو على ذلك متن عليه أطيب ثناء. إلا أنه - في بعض مواطن من الكتاب - قد يعدل عن الرسم الصحيح للشعر. وكان خيرا لو راعى الوزن في الرسم كما راعى التقصي في البحث. ففي صفحة ٧٢ البيتان السادس والثامن من شعر البحتري لم يرسما على نهج صحيح.
وفي صفحة ٤٨ ذكر البيت المشهور: تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم ... وجارتكم غرثى يبتن خماصا
والصواب (يبتن خمائصا) على وزن فعائل كما ورد في الأمالي ج٢ ص١٥٨ طبع دار الكتب. وفي صفحة ٤٧ نسب البيت المشهور: -
أبا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
إلى الشاعرة ليلى الأخيلية. وقد نسبه ابن خلكان في وفيات الأعيان إلى الفارعة أخت الوليد بن طريف وقيل فاطمة وقيل ليلى. ولكنها على كل حال غير ليلى الأخيلية - راجع وفيات الأعيان ج٢ ص٢٣١ الطبعة الأميرية البولاقية
وفي صفحة ٨٧ (قال أبو الهندي. . . . . يصف أباريقا) . ولعلها أباريق ممنوعة من الصرف. وفي صفحة ٦٩ (ترى المصور أو الشاعر مولع) وهي من أخطاء الطبع. وفي صفحة ٥٤ (إذ نظرت إلى الجمل. . . . لتبينت) . واللام لا تقع جوابا
ً لاذا الشرطية وإنما تقع جوابا (للو) في حالة الإثبات غالباً وفي صفحة ٦٥ (فيمكن للمصور تجريدها) واللام هنا لا محل لها.
وفي صفحة ٧٢ (حاول الأدباء. . . . تحديد مراتب وطبقات الشعراء) والأولى أن يقال (تحديد مراتب الشعراء وطبقاتهم) . فقد أولوا قول الفرزدق (بين ذراعي وجبهة الأسد) على تقدير مضاف إليه محذوف أي بين ذراعي الأسد وجبهته - المفصل للزمخشري مطبعة الكوكب الشرقي ص٥٠ وفي صفحة ١٢٣ وردت الآية الكريمة هكذا (فما بكت عليهم الأرض والسماء) . وصحة الآية (فما بكت عليهم السماء والأرض) .
تلك مآخذ شكلية لا تمس لباب هذا الكتاب القيم الذي نتوقع له من الرواج ما يتفق وإخلاص المؤلف في نيته وتحمسه لفكرته وافتخاره بعربيته - حفظ الله به الأدب.

