ارتبط في الزمن ، وفي الموضوع كتابا : الأستاذ " أبو حديد " والدكتور صبري عن امرئ القيس ، وإن اختلفا في الأسلوب والمنهاج
وقد تحدثت من قبل في هذه الصحيفة عن الكتاب الأول حديث المقدر الكاشف عن نواحي الإبداع التأليفى وهذه عندي مهمة الناقد الأولى ، ومقصد النقد الجدير بالحياة ؟ فالناقد الذي يخلق بنقده قراء من الناقد الذي يباعد بين الكتاب والقراء .
ثم أجدني اليوم أنهج في النقد نهجا آخر ، على كره مني ، لكن هناك من الاعتبارات العلمية ما يغلب كل اعتبار ، وما يؤدي إلي إيثار الصعب على السلامة !
وأول ما يطالعنا في هذا الكتاب عنوانه : الشوامخ ، فيبعث في الذهن معاني الجبال والأطواد وما إليها من كل سامق شامخ يبهر النفس بعظمته ، ويهيؤها لتلقي البيان الممتنع والدرس المعجز ، ثم يدفعها بعد ذلك إذا لم تجد حاجتها مما قدرت إلي وصف هذه التسمية بالتكلف والتزيد ،
. ويرسم لنفسه بعد هذا منهجا يتركز في القصد إلي بيان الصلة بين الشاعر والبيئة ، وبينه وبين شعراء الغرب ، فهل حقق ما رسم لنفسه أو بعض ما رسم ؟ !
في أقل من صفحة ، في تمهيد من أربع صفحات ، وصف البيئة العربية وصفا سريعا ، لا يمت للدرس ولا للتحليل بنسب ، ثم اورد أقوالا للبارودي ، وإسماعيل صبري ، وقس بن ساعدة والنابغة وغيرهم ، وختمه مقررا أن شعر البداوة أصفى الشعر ماء ؛ ومثل لهذا فذكر أن امرأ القيس صنو هوميروس وشكسبير . وإذا فقد كان
شكسبير في دور البداوة الإنجليزية ، كما كان هوميروس في دور البداوة اليونانية ، وكما كان امرؤ القيس في دور البداوة العربية ؛ وكانت الأقدار التاريخية مقدرة في دقة عند مؤرخنا الاديب ، في مقام الحديث عن الشعراء المتبدين ؛ لكنه في مطلع هذا التمهيد نفسه يذكر حضارة امرئ القبس ورقته ، وملك ابيه في مقام الحديث عن امتيازه ، كما يقول في الفصل الرابع : " ومما ساعد علي انتشار شعر امرىء القيس ، ان معظمه يجري فيه ماء الحضر " ، وإذا فالحضارة لا البداوة من عوامل الرواج الأدبي بين البدويين
وفي الفصل الثاني : " حياة الشاعر وشخصيته " تحدث في إحدي عشرة صفحة عن تاريخ امرئ القيس ، والمنحول من شعره ، وفنه التصويري ، وحكمته ؛ بل إن هذه الصفحات قد اتسعت كذلك لستة أبيات من شعر زهير وتعليق عليها ، واثني عشر بيتا من شعر عدي بن زيد وتعليق عليها ، ولاقوال ياقوت والهمداني ولويس شيخو والسندوبي وخليل مطران ، معتمدا في بعضها على نقل الناقلين دون رجوع إلي المصادر الأصلية .
وأتى فيه كذلك حديث عن الفن العربي في الوصف ، يصور طريقة المؤلف ؛ فهو يقرر أن نظرة الأديب العربي إلى الموصوفات كانت في مجموعها نظرة عامة ، ويستشهد بالرثاء والمدح العامين ، وبحديث البكري في صهاريجه عن نابليون .
ثم يخرج امرأ القيس من هذه الطريقة العامة . وهكذا يضع احكاما واسعة تنتظم الأدب العربي من بدايته إلى نهايته . وليس أخطر من التعميم في مقام الدرس الادبي .
ويقتضي الإنصاف التفريق بين الشعر العربي في دور الإصالة والصدور عن النفس ، وبينه في دور التقليد والتغني بأصوات الغير ؛ فالشعراء الجاهليون امتازوا بالدقة في
الوصف والتتبع للموصوف لأنهم كانوا يصورون إحساسهم ومشاهداتهم ، أما من بعدهم فقد قصروا في هذا الباب ، لأنهم صدروا عن الاتباع الفني ، لا عن الإحساس الذاتي .
والعجيب أنه يعود بعد هذا فيقول : إنه يرسم خطا أو خطين ، فتبدو الصورة حية كما لو كانت كاملة بجميع جزئياتها " . وإذا فامرؤ القيس ليس ممن يصورون الجزئيات ، كما قرر من قبل وإنما يكتفى برسم الخطوط الكبيرة للصورة ! ولعل منشأ هذا اعتماد المؤلف على الأمثلة المتفرقة في غير استقصاء لأوصاف الشاعر كلها ، واستخراج قاعدة من عمومها ، وتعليل ما قد يكون عنده من شدوذ .
وهكذا لا تخرج من هذا الفصل بفهم لحياة امرئ القيس وشخصيته ، وإنما تخرج بطائفة من الاستطرادات والأحكام العامة التي تتناقض أحيانا ، ولا تثبت للبحث دائما
وفي الفصل الثاني : " امرؤ القيس كما يراه المتقدمون " لا يصور امرأ القيس كما تصوروه ، وإنما يورد أقوالا مقتضبة لابن رشيق ، وصادق الرافعي ، وصالح سمك ، وأفرام البستاني ناقلا عن المحدثين آراء القدماء ، ثم يقول إن هذه جملة اقوال السابقين في امرىء القيس ، مع ان حديث امرئ القبس هو حديث الشعر العربي في ادواره المختلفة
ويذهب في هذا الفصل إلي أن السابقين قد قصروا في حق امرئ القبس حين اعتمدوا في تقدير فنه على التشبيه والاستعارة والعبارة ، لكنه حين تحدث عن التصوير في شعره ، عقب هذا الفصل ، اتبع طريقهم ، واستشهد بأقوالهم ، واختار الابيات التي اختاروها ، ثم لم يبلغ مبلغهم في الإحاطة والاستقصاء .
ولم يبرأ هذا الفصل من الاستطراد ، كما لم يبرأ ما قبله ، وكما زادت علة ما بعده ؛ فقد اطنب في حديث ذي الرمة
أثناء الحديث عن الحب والتشبيب عند امرئ القيس " كما اورد شعرا لعمر بن ابى ربيعة ، وإسماعيل صبري ، وغيرهما . وأحال حين اعتبر من المعاني الروحانية في الحب قول امرئ القيس عن الحبيبة إنها تنثر فتيت المسك على الفراش ، وإنها ناصعة البياض تضيء بوجهها الظلام لضجيعها ؛ فليس من الروحانية في شئ حديث الفراش والضجيع . أما الروحانية الحقة عند امرئ القبس فلا ينبغي أن تلتمس في هذه النزوات التي كان يلهو بها ويتسلى عن هموم الايام ونكرات الزمان ، وإنما يجب ان نلتمسها في قصة حبه لفاطمة ، كما تمثلها الاخبار لا المعلقة ، وفي وقفاته الرائعة بالأطلال ، وفي بكائه الحار للدمن
وفي آخر الفصول : " الصناعة والبيان " يقدم للحديث بمقدمة ينقل فيها نصوصا عن نجد واليمن ، كان الاولي بها حديث البيئة في المقدمة . ويذكر في حديث صناعته وبيانه بعض الامثلة التي اوردها القدماء كذلك ، ولا يصور هذه الصناعة كما صوروها ، لانه لا يحيط بما احاطوا به .
ومن هذا وغيره يتبين ان هذه الصفحات المائة تتحدث عن الادب العربي من امرئ القيس إلى مطران ؟ وان المؤلف كان حريصا على إيراد كل علمه فيها ، ولهذا ران الاضطراب والاستطراد عليها ؛ وأنها لا تعدو الإيراد المقتضب والنظرات العجلي
لكنها في الحق من قبيل التعبير القريب الهين عن إعجاب قارئ بشاعر اطلع على بعض شعره ، وطائفة من أقوال الناس فيه .
ومن هنا ، فهي حقيقة بالحمد من مؤلف يعتبر نفسه مؤرخا سياسيا . ومن ذا الذي لا يحمد الأجتهاد وحب التحصيل الأدبى ! ولعل الدكتور المؤلف يرضي القراء حين يطالعهم بمؤلف تاريخي ، يتبينون فيه صدق جولاته في هذا الباب ، بعد ان تبينوا جولاته في باب البيان العربي
