لا أعرف لفظة كتب لها نصيب من طول الحياة فى أدبنا مثل لفظة الشيطان ، فقد لازم الشيطان لغتنا وأدبنا على تعاقب السنين مثل ملازمته لكثير من أعمالنا فى جيئتنا وذهوبنا ، أو مثل ملازمتنا له إذا نحن أحببنا الإنصاف . امتلأ كتاب الله عز وجل بذكره فى معظم سوره الباهرات : سجد الملائكة لآدم إلا إبليس أبى واستكبر ، والشيطان هو الذى أزل آدم وزوجه عن الجنة وأخرجهما مما كانا فيه ، وهو الذى يعد المؤمنين الفقر ويأمرهم بالفحشاء ، والشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر ، وإذا وعد الشيطان كان وعده غرورا ، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمله ، والشيطان هو الذى يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ، والشيطان للإنسان عدو مبين ، وهو الذى يدخل النسيان على الإنسان ، وهو الذى نزع بين يوسف وإخوته ، وهو الذى ينزع بين عباد الله ، والمبذرون إخوان الشياطين ، والشيطان هو الذى زين لعاد وثمود أعمالهم فصدهم عن السبيل ، فحزب الشيطان هم الخاسرون ، وكفى بالشيطان قبحا أن شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين
والخلاصة : الشيطان هو الذى دل آدم على شجرة الخلد وملك لا يبلى حتى أكل وزوجه من هذه الشجرة ؛ فالشيطان فى كتاب الله مصدر كل شر فى هذه الدنيا !
ولم ينفرد كتاب الله تبارك وتعالى بذكر الشيطان ، فقد جاء ذكره فى كتب أدبنا : استعان به رجال الفن . فجعلوا للشعراء شياطين يوحون إليهم شعرهم ؛ ولجأ إليه رجال الأخلاق ، فإذا أرادوا أن يشبهوا هوى من أهواء النفس بشىء شبهوه بالشيطان ، فمن قول بعضهم : إن الغضب شيطان فاستعذ بالله منه . فالشيطان له نصيب وافر
فى باب الأخلاق ، فإذا سلك حاسد مهاوى الضلالة وورد مقاحم التهلكة ، وصار لنعم الله تعالى بالمرصاد ، فالشيطان هو الذى أسلكه هذه المهاوى وأورده هذه المقاحم ! واستظهر به أصحاب السياسة ؛ فإذا خرج قوم عن طاعة فالشيطان هو الذى أخرجهم عنها ، فكم كان الحجاج يجد فى الشيطان مادة تعينه على تصور أعمال الناس وأخلافهم ، فمن خطبته بعد دير الجماجم : إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشقاف ، ثم أفضى إلى الأفخاخ والأصماخ ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض وفرح ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافا ، أخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤمرا تستشيرونه ...
وإذا سئل أحدهم عن مسئلة فيها أغلوطة قالوا له : أمسكها حتى تسأل عنها أخاك إبليس ، فإبليس أخو أصحاب الأغلوطات ، أى صحاب المسائل .
وكان الشيطان فى بعض الأحوال صورة الرجل القومى ، الفهم ، فقد كان قوم من العرب رؤوس الناس وشياطينهم .
وإذا عجز الشيطان عن شئ فإنه قد عجز عن فتح الغلق وعن حل الوكئ وعن كشف الإناء ، قال صلى الله عليه وسلم : أوكئوا السقاء وأكفئوا الإناء وأغلقوا الأبواب وأطفئوا المصباح ، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكيئا ولا يكشف الإناء !
وإذا فر من شىء فإنه يفر من الأذان .
وقد كان الشيطان فى بعض الأحيان مادة للأسماء فقد سموا : شيطان الطاق
هذا نبذ من ذكر الشيطان فى أدبنا ، فقد أوحى إلى رجال أدبنا فى القديم كثيرا من الأفكار فخلدوه فى كتبهم ، وجعلوا ذكره بعد ذكره فى كتاب الله مترددا بين الخاطر والفكر على ترادف السنين .
وعلى الرغم من هذا كله لم نتقخ فى الشياطين شيئا من الروح فى أدبنا ، كما فعلوه فى أدب الإفرنجة ؛ فلا نعرف شيئا من لباس الشيطان أو من سحنته ، ولا نذكر شيئا من أحاديثه وآرائه ؛ فقد كان أدب الإفرنجة أفتن من أدبنا فى هذا المعنى ، استحكمت الصداقة بين طائفة من أدبائهم وبين الشياطين ، فكانوا يتصاحبون ويتساقطون الأحاديث ؛ وقد وصف هؤلاء الأدباء لنا سحنات الشياطين ووصفوا ملابسهم ، ودونوا جملة من أحاديثهم التى كانوا يفيضون فيها .
أقتصر فى هذا المقال على ذكر كاتب من كتاب الإفرنجة الذين خالطوا الشياطين وعاشروهم ، وهو : جيوفانى بايينى ، صاحب كتاب : الشيطان قال لى .
تحدث (( بايينى )) والشيطان خمس مرات فى حياته ، وقد طرحت الكلفة بينهما ، فقد كان الشيطان يعامل (( بايينى )) معاملة لا يعامل الناس مثلها ، فإذا خلا (( بايينى )) إليه فتح أذنيه ليسمع أحاديثه .
الشيطان فى أدب (( بايينى )) مديد القامة ، أصفر اللون ، شاب فى عنفوان شبابه ، ولكن شبابه من نوع الشباب الذى عاش كثيرا ، فهو أكأب من الشيخوحة ، ليس فى سحنته الصفراء المستطيلة ما يفيد النظر من الملامح إلا شفتان رقيقتان ، تطبقت الواحدة على الثانية تطبقا محكما ، وإلا تجميدة واحدة ولكنها عميقة ، تذهب من أشفار العين على شكل عمودى ، وتضيع فى جذر الشعر .
لم يستطع (( بايينى )) أن يعرف لون عينى صديقه الشيطان لأنه لم يقدر على النظر إليه إلا بقدر طرفة عين ، وهو لا يعرف لون شعره ، لأنه يغطى رأسه بغطاء من حرير لا ينزعه عن رأسه أبدا ، ولباسه أسود اللون ، ويداه فى قفازين لا تخرجان منهما .
لا يهبط شيطان (( بايينى )) فى أيامنا هذه إلى الأرض
إلا فى الندرة . وقد قال له هذا الشيطان مرة : إنى لا أجد فى نفسى بعد اليوم اهتماما بالرجال ، فقد يمكن شراؤهم بشىء قليل ، وقيمتهم تنقص كل يوم ، فليس فيهم روح ولا حياة .
ومع هذا كله فقد يغلب على هذا الشيطان الضجر فى بعض الأوقات فى بلده الذى يزدحم الناس فيه ، فيهبط إلى الأرض ، ولكن لا يشعر به أحد لأن الناس أصبحوا لا يعرفونه ، وهم يمرون به فيظنونه واحدا منهم ، فيبتسمون فى وجهه ، ويسلمون عليه ؛ أما (( بايينى )) فإنه يحس بالأثر الذى يتركه الشيطان وراءه ، ويجهد فى نفسه وألفته ، بسبب ما يجده فى هذه الآلفة من السرور ، وهو لا يعرف حديثا ألذ وأنفع من حديثه ، إنه من طراز هذه الأحاديث التى تجعلنا نفهم العالم وندركه وخاصة العالم الذى تشتمل عليه ، وليس فى كتب المكتبات ما يبلغ بنا هذا الفهم وهذا الإدراك !
لم يصادف (( بايينى )) مخلوقا أشد مسامحة من الشيطان ، فالشيطان يعرف ظلم الناس وشرهم وفحشاءهم وحيوانيتهم ، ولكنه لا يعجب من أعمالهم ولا يستفزه شئ من الغضب عليهم ؛ إنه هادئ الطبع ، مبتسم ، وإذا جرى ذكر الله عز وجل على لسانه فإنه يقر بأن الله عادل كل العادل فى دحرجته من رأس السماء ، لأن الملك لا يستطيع أن يرى حوله مخلوقات أصحاب عنجهية ، خارجين من طاعته ، فقد قال لبايينى : لو كنت بدلا من الله تعالى لأذقت المتمرد العاصى أشد العذاب ، فقد كنت أمنعه عن كل عمل وعن كل حركة ، أما الله تبارك وتعالى فقد رأف بى وعطف على ، فمهد لى سبيل الصناعة التى خلقت لها .
يعطف شيطان (( بايينى )) على الناس عطفا فيه تهكم واحتقار ، خلق هذا الشيطان ليكون جزارا للبشر ، ولكن العادة جعلته على طول الأيام أقل قساوة وفظاعة ؛ فهو
( البقية على الصفحة التالية )
اليوم ليس بالشيطان الذى كان يجر ذنبه وراءه ويحمل قرونه كما صوروه من أحقاب بعيدة ؛ ليس بالشيطان الذى كان يدخل الأديرة ليداعب العذارى ، أو يذهب إلى الصحراء ليضل النساك . لقد فهم هذا الشيطان وأدرك أن النزغ بين الناس أصبح عملا لا فائدة فيه ، لأن الناس يضلون بطبائعهم وغرائزهم ، فهم لا يحتاجون إلى نزغ الشياطين ، إنه يتركهم وهدوءهم ، فيتبعونه كما يتبع الماء منحدره ؛ وهو لا ينظر إليهم نظرته إلى عدو ينبغى قهره ، وإنما ينظر إليهم نظرته إلى رعية طائعة تدفع ما عليها من الحراج دون شئ من البريرة ؛ لقد نشأت فى قلبه فى هذه الأيام الأخيرة شفقة على معاشر الرجال ، لا تهدم الاحتقار الذى يحتقرهم إباء ولكنها تخفف من هذا الاحتقار وتحجبه !
فمتى نجد فى أدبنا حياة مثل هذه الحياة !
( دمشق )

