اشتغل بالحضور في الأزهر على مشايخ وقته حتى تأهل للتدريس فدرس الكتب المتداولة، وقرأ عليه كثيرون من كبار علمائه الآن كالشيخ محمد عبده والشيخ محمد بخيت والشيخ أبى الفضل الجيزاوى والشيخ محمد حسنين العدوي والشيخ محمد النجدى الشرقاوى وغيرم، وقد أصبح في أواخر أيامه وليس في الأزهر إلا من هم تلاميذه أو في طبقتهم إلا الشيخ الشربيني والشيخ البشري
وكان من عادته ألا يقطع الأقراء طول السنة ولا يسامح في اوقات المسامحات ولا يقعده عن الاشتغال إلا المرض، فقرأ الكتب المتداولة مراراً ومهر فيها بسبب كثرة اشتغاله حتى صار المستعصي منها عنده بمنزلة السهل عند غيره. وأتقن فن التجويد فجعل شيخاً على المقارئ مد ة طويلة. ولما أقيم الشيخ حسونه النواوي شيخا علىالأزهر في المرة الأولى ولم يجد إقبالا من علمائها صاحبه المترجم وتحبب إليه ولازمه في غدواته وروحاته. ثم لما انحرف الخديو عباس باشا الثاني عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس أدارة الأزهر وأراد كف يده عنه ساعده المترجم على ذلك واخذ في معاكسة الشيخ وتدبير المكايد له، وتنفير الأزهريين منه، وتقرب من الخديو واكثر من الترداد على قصر القبة ومداخلة الحاشية حتى حظى عنده واقبل عليه إقبالا عظيما، فلما عزل الشيخ سليماً البشري عن الأزهر في ٢ ذي الحجة سنة ١٣٢٠ وأراد إرجاع الشيخ حسونه النواوى أو تنصيب الشيخ محمد بخيت ولم يرض النظار، رشح المترجم واستدعاه وأعلمه بانتخابه له فعاد إلى داره جذلا وأشاع الأمر وهيأ السكر لشرب المهنئين والرمل الأصفر لفرشه بصحن الدار، وكاد الأمر يتم له لولا أن بعض مبغضيه من المقربين للخديو صرفه عن توليته وذكر عنه هنات الله أعلم بها، فعدل الخديو عن تنصيبه الا أنه التمس لنفسه مخرجا من وعده الذي وعده به فأعمل بعض المقربين
الحيلة واستدعوه بحضرة الخديو وسألوه عن قبوله للتولية فقال لهم نعم ولاني مولاي وقبلت، فاخذوا يذكرون صعوبة مراس أهل الأزهر والمشاق التي يعانيها شيخهم لاخضاعهم ولمحوا له بأنهم لا يظنونه يقوى عليهم فقال ومن اهل الأزهر، انا أدوسهم بقدميّ فقالوا إنك ستكون مع الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان العضوين بمجلس الادارة فهل ترضى بأن يشاركاك في الادارة؟ وكيف يكون شأنك معهما؟ فقال كلا لا أرضى بأن يشاركاني بل أشترط لقبول التولية عزلهما وهما عندي كافران لايوثق بهما، فاستغرق الخديو في الضحك وقال شرطك لايمكن تنفيذه، ونحن نريحك من رياسة الأزهر ونعوضك عنها بشئ نجريه عليك من الأوقاف فأسقط في يده ورضى مرغما ثم صرفوه
ثم وقعت منه في أواخر أيامه زلة، قيل إنه تصرف في وقف بغير وجه شرعي ولكن الله لطف به فلم يقع له بسبب ذلك غير فصله من المقارئ، وكثرت غمومه وهمومه لما لاكته الألسنة في هذه المسئلة، فانقطع عن التدريس لمرض أصابه إلى أن توفي بعد ظهر يوم الاثنين ١٨ صفر سنة ١٣٢٥ ودفن يوم الثلاثاء وآذنوا له على المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، وقد بلغ من السن نحو خمس وسبعين سنة، وكان قصيراً دحداحا خفيف الحركة رحمه الله تعالى وتجاوز عنه.
وله من الؤلفات حاشيته على شرح بحرق على لامية الافعال لابن مالك طبعت بمصر.

