الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

الشيخ الخراسانى

Share

كانت دمشق تضطرب بما فيها من مؤامرات سياسية منذ عشرات السنين . كان بيت الملك نفسه مهدا للدسيسة ، يطمح كل فرد فيه ان يصبح يوما خليفة . وأرسل إبراهيم ابن محمد العباسي إلي دعاته في خراسان أن يوافوه في موسم الحج بمكة ليدبروا معا كيدهم للدولة الفانية .

وأرسل أبو مسلم إلي أصحابه المنبئين في أنحاء الدولة الفسيحة أن يجتمعوا على موعد ليحملوا ما اجتمع عندهم من المال للإمام إبراهيم بن محمد ، لعله يستعين ( على محاربة الدولة التي شردت الأحرار ثم عاد أصحابها بعضهم علي بعض يتفانون .

وسار أبو مسلم إلي موعده ، وكانت السحب تجر أذيالها على رؤوس الجبال - جبال خراسان الشاهقة

تتدافع في عنف مع الرياح الثائرة من الجنوب ، تثب قدما في حنق كأنها زاحفة إلي قتال عماليق تصعد لها في أطباق السماء وكان الثلج الأشهب يغطي القمم والسفوح والوديان ، لا تظهر من تحته صخور إلا ان تكون قطعا مدببة مثل اسنان الشياطين

وسارت القافلة تنقلع ثقيلة ، والبغال تغوص بحوافرها في الثلج المتراكم ، وتتحسس مواطئها في حذر . وكان الركب يختلج فوقها متجمعا في ثياب من الفرو ، وقد انعقدت من أنفاسه خيوط بيضاء فوق الشوارب واللحي فاذا أخرج أحدهم يده ليمسحها دسها مسرعا في ثنايا ثوبه ، محاذرا ان يقرسها البرد فتيبس ويجمد الدم في عروقها

ثم ظهرت الشمس من خلال السحب المطأطئة ، فنفذت منها اشعة صفراء مترددة ، تهبط على بياض الأرض ثم ترتد عنها إلى عيون الركب تكاد تعشيها ، ولكنها ادخلت إلى القلوب شيئا من الدفء ، مع ذلك ، فالتفت الشاب

الذي في صدر القافلة إلي من يليه وقال له : - إنها البشري يا أبا شبيب . فنظر إليه الرجل كالمستفهم . فقال أبو مسلم : لقد جبت خراسان بعيدها وقريبها يا قحطبة . اعرف فجاجها وشعابها ، لا يغيب عني شيء من ارضها . لقد بلغنا طرف الغور

فقال قحطبة مسرورا : - لعلنا نجد هناك مراحا . فقال أبو مسلم : وستري هناك أبا الليث ياقحطبة . فقال قحطبة : لقد سمعتك تصفه حتى حسبته وليا من الأولياء

فقال أبو مسلم : ستراه وتسمع منه يا أبا شبيب . لا أقول فيه وصفا فهو فوق حد الوصف . هو أمة وحده .

وهبطت القافلة من أعلي الجبل ، وأخذ البرد يتضاءل شيئا بعد شئ ؟ وكان الغور ينداح تحت اعين الركب ويتسع  كلما قطعوا جانبا من السفح المضرس ، حتى بدت خطوط ضئيلة لامعة تتلوي في سواد ؛ ثم كان ساحرا خيل إلي الركب منظر بستان اشعث في ثنية واد طلع فجأة امام اعينهم . وكان في البستان قبة بيضاء تلمع في نور الشمس ، فصاح قحطبة :

- أرأيت يا أبا مسلم ؟ فقال أبو مسلم هادئا :

- عرج بنا إلي مسجد أبي الليث . وسار منعطفا في الوادي الذي كانا عند أوله ؟ ورفع راية فوق رمحه ، ولوح بها مشيرا إلى اصحابه ان يتبعوه . ولما بلغا المسجد دخلا فيه ، وكان عند القبلة شيخ تحيط بوجهه المجعد هالة من لجين ، بيضاء ناصعة ، وهو يلبس ثوبا من الصوف الخشن ، وعلى رأسه قلنسوة من الفرو ؛ وكان من حوله جمع من اهل الغور وهو يتحدث إليهم في صوت خافت . ولم يرفع الشيخ رأسه ، ولم يلتفت أحد من الجلوس إلي ورائه

وجلس أبو مسلم بعد أن صلى مع صاحبه ، ثم تتابع القوم فصلوا وجلسوا والشيخ لا ينظر إليهم . وكان بين حين وحين يهز رأسه هزة كأنه يصحو من غشية ، ثم يهلل فيردد من حوله التهليل ، ويعود فيتحدث هادئا كما كان في صوت غير مسموع . ولم يستطع قحطبة ان يفهم قوله ، فالتفت إلى ابى مسلم كالمستفهم ، فأومأ إليه الا يرفع صوته في الكون . ثم اهتز الشيخ هزة اخري ، وهلل وردد من حوله التهليل ،

ورفع رأسه ونظر إلي ضيوفه القادمين . فقام إليه أبو مسلم فقبل يده ؛ فلما عرفه هش له ، وفسح له في مجلسه . واتي اصحاب أبي مسلم فسلموا وجلسوا قريبا منه ؛ وأقبل الشيخ يحدث ضيوفه فكان لسانه يضطرب ، في غنة اعجمية دلت القوم على أنه من نبت خراسان . فاقتحمته الأذان . وعجب قحطبة من امر هذا الشيخ الذي يزعم أبو مسلم انه امة وحده . وبعد حين قام القوم فتفرقوا في اركان المسجد يلتمسون مضاجع لهم بعد السير الطويل ؟ فلم يبق مع الشيخ إلا أبو مسلم فجلسا يتحدثان في همس

وأقبل المساء فأسرجت القناديل ، وعاد أصحاب أبي مسلم فجلسوا حول الشيخ ، وكان أبو مسلم متههللا نشطا رآه اصحابه يبتسم على غير عادة ، بل لقد كان احيانا يخف إلى المزاح ويرفع صوته في الحديث ، وبدا وجهه في تلك الليلة جديدا لأصحابه حتى كأنهم لم يروه من قبل - كان الشباب يترقرق فيه ،

وكانت لحيته السوداء تبرز حلاوة عينيه وجمال انفه وامتلاء شفتيه ؛ فرأوه فتى كأنهم لم يروه من قبل ؛ كانوا لا يبصرون منه إلا رجلا صارما لا يعرف إلا الجد ولا ينبسط إلا لأحاديث الحروب وكانت هذه أول مرة خطر لقحطبة فيها أنه حديث عهد بعرسه . واحس قحطبة نحوه عند ذلك رقة ، إذ انكشف له ظاهره المتجهم عن رجل مثل الناس له قلب ينبض بالحياة . وانبسط الشيخ تلك الليلة في الحديث ، وأقبل عليهم يستعيد معهم اخبار السنين التي كان فيها مع الناس قبل أن يبعد إلى تلك الشعاب ؛ فجعل يحدثهم

عن نفسه حديثا طويلا قال : كنت من موالي الكوفة الذين طردهم  الحجاج إلي القري ، ولكني دسست إليه بعض اصحابه فأدخلني في خدمته حرسيا ؛ وكان ذلك منذ خمسة وثلاثين عاما ، و كنت عند ذلك رجلا لم ابلغ الأربعين ، قوي الساعد قاسيا طماحا . كنت أعرف أني مولي لا امت إلي العروبة ؛ و كنت احس في قلبي حقدا يكاد يأكله كلما رأيت السادة العرب الدين اتوا من الصحراء ينظرون إلى وإلى أمثالي من الموالي من أطراف الأنوف . ولذلك كنت أجد في صحبة الحجاج ما يرضي حقدي على هؤلاء ، كان الحجاج يثور بهم كأن في قلبه شيطانا لا يستقر حتى يحطم

كان يلقي بكبار القوم في السجن ويوكل بهم من يستصفي أموالهم بالعذاب ، وكان لا يبالي ان يسفك دمهم في كل ساعة من ليل او من نهار . كان إذا جلس على الخوان يأكل مع ضيوفه يقتل ، وإذا ذهب للركوب يقتل ، وإذا مشي في الطريق يقتل . كان يقتل في كل ساعة من الليل وفي كل ساعة من النهار !

وكنت اراه ينظر إلى الدم وإلى الرؤوس المتدحرجة عن اجسادها وألمح اللمعة التي تبرق في عينيه . وكنت أسمعه عند ذلك يغمغم ويزمجر ، وأري وجهه يربد وتنتفخ أوداجه كأنه وحش من الوحوش . وكنت أري من حوله يطأطئون رؤوسهم فزعا ، ويخالسونه النظر في خشية كأنهم يريدون ان يجدوا منه غفلة فيتسللون يطلبون النجاء ، فأشعر بالبرد يدب إلي قلبي ، واتنفس الصعداء في راحة ،

وأحس السلام يملأ صدري لأني كنت أجد راحة كلما رأيت هؤلاء السادة يتألمون ويذلون ويقتلون . كان يخيل إلى كلما رأيت الحجاج ان في جوفه نارا تعذبه ولا يجد مايطفهأ سوى منظر الدم المسفوك ؛ او ان افعي تكمن في صدره فتنهشه ، وكلما سري سمها فيه طلب ما ينفث فيه المه من الضحايا ، أو كأن شيطانا مريدا كان يعيث في جوفه فلا يدع له سلاما ، ولا يقصر عن تعذيبه حتى يفتك بهذا الخلق

الذي انحدر من صلب آدم عدوه

وكنت مع كل هذا اندفع مع حقدي علي هؤلاء ، السادة المتكبرين ، فلا كاد احس وخزة من الالم لما يقاسون . ورفع الشيخ يده إلى جبينه فمسحه من قطرات من العرق بللته ، وأطرق قليلا . ثم قال بعد حين :

" ثم ذهبت يوما إلي مكة حاجا ، وكان معي صاحب من أهل قريتي ، أحد هؤلاء الذين اخرجهم الحجاج من البصرة وأعادهم إلى الريف ليجني منهم الأموال كما كانت الأموال تجبي منهم قبل ان يسلموا

وهمس لي صاحبي اتريد ان تري سعيد بن جبير ؟ سعيد ابن جبير الذي تعرفونه فقيه العراق ؛ وكان عند ذلك مستخفيا في مكة من خوف الحجاج والناس يذهبون إليه سرا فذهبت إليه وسمعته يتكلم ؛ سمعت كلامه فذكرت الإسلام ذلك الدين القيم الذي هدانا الله إليه ، وكأنني لم أعرف  الإيمان إلا عند ذلك سمعت الرجل يصف الناس ويصف الحياة ويصف العدل والإحسان ؛ وسمعت منه معني الأخوة بين البشر ، وعرفت معني الروح الذي لا يقهر . سموت منه فوق الأحقاد وفوق الأجناس وفوق الألوان .

فإذا بي أعود من مجلسه بقلب جديد ، وتبين لي مبلغ ما كنت فيه من الشقاء . نعم لقد كان شقاء ذلك الذي كنت أمتع نفسي به كنت مثل الحجاج أندفع مع الداء الكامن في جوفي ، وأطيع الشيطان الذي يعيث في خفايا صدري " .

وأطرق الشيخ مليا وانحدرت الدموع من عينيه . ثم اهتز هزة عنيفة وهلل بصوت مجلجل فلم يملك القوم جميعا أن هللوا بعده . ثم عاد إلي الحديث وعاد صوته هامسا فقال :

" وعدت إلي الكوفة منكرا ما كنت أعرف . أنظر إلى المتكبر والضعيف جميعا أنهم اخوة ، وان الظلم يحطمهم جميعا : يعين المتكبر علي الكبرياء ، ويدفع بالضعيف إلي

قرار الهوان ! فقطعت ما بيني وبين الحجاج واقمت في ظاهر المصر عند الجسر ، وخلوت إلي نفسي اجتر كلمات ابن جبير . وعند ذلك امتلأ قلبي بالعطف على المساكين الذين يتكبرون ويأخذهم سيف الطاغية واحدا بعد واحد ، وعلى الضعفاء الذين يطمئنون في الذل حتي ذهبت كرامتهم الإنسانية وماتت قلوبهم .

وكنت أسمع ما يزعمه الحجاج فاسخر وأرثي له . إن المسكين كان لا يستطيع إلا ان يكذب نفسه ليطيع شيطانه . كان يزعم انه يحارب الفتنة ويشد دعائم الدولة ، وما كنت أراه إلا يحارب الكرامة ويهدم اساس الحياة وكانت كلمات ابن جبير تتردد في أذني كأنها البلسم إذا وضع على الجرح . إن الإسلام لا يعرف دولة ولا يعرف جنسا ولا يعرف لونا ، إنه يعرف الإنسان ويسوي بين الأقوياء والضعفاء . كان ابن جبير يقول : " انتظروا قليلا فسوف يعلمون " .

فكنت أترقب اليوم الذي يخر فيه بناء الظلم فتنهار الدولة التي زعم الحجاج انه يشد دعائمها ، وتنتشر الفتنة التي يحسب انه يقضي عليها . وفي يوم من الأيام رايت عند الجسر جمعا يتدافع ، فسرت إليه انظر ما يكون فرايت هناك سعيد بن جبيرا رايته مقيدا والحراس من حوله يسوقونه إلى الحجاج ، فساءت ظنوني واستغفر الله مما ثار بنفسي " وسكت الشيخ لحظة وأطرق ثم اهتز وهلل ثم عاد إلى الحديث فقال :

وسرت وراء الجمع فزعا حزينا حتى بلغنا دار الحجاج وكان خارجا بهم بالركوب . فوقفت بعيدا خوف ان يراني ، ولكنى سمعت صوته بعد قليل وهو يصيح بالحرسي اضرب عنقه " فتهالكت على الأرض ولم اقو علي أن ارفع بصري نحوه . وسمعت الطاغية يبربر كمن به مس ، ويصيح قيودنا ! قيودنا ؟

منذ ذلك اليوم خرجت من الكوفة لا ألوي على شيء حتى بلغت هذا المكان ، فأقمت فيه لعل الله يغفر لي وعاهدت ربي على ان ازلزل الطغيان وإن كان اساسه

رأسيا . عزمت على أن أزلزله حجرا بعد حجر فقال قحطبة : - وإنك أيها الشيخ لجدير بأن يغفر الله لك . فقال الشيخ كأنه يحدث نفسه ؛ - إن حبل الأمل موصول يا ولدي . ولي في الله الرجاء العظم مازلت في هذه الاعوام الثلاثين انقض اساس الظلم حجرا بعد حجر ، وأنا اسأل الله - إن قبلني - ان أعيش حتى أدرك صدعه وانهياره .

وأقبلت في تلك الساعة جماعة - فرفع الشيخ رأسه حتى رأي أقربهم منه ، وصاح في غنته الاعجمية : - مرحبا بك أبا مالك ! وقاموا جميعا فسلموا ثم جلسوا حول الشيخ ، واخرج و مالك من جيبه طومارا ومد به يده إلى أبي مسلم . فلما قرأه صاح قائلا : - إنها البشري - لقد أذن لنا الإمام ، أذن لنا الإمام أن نثور فقال قحطبة يخاطب الشيخ : - لقد قبلك الله وغفر لك يا أبا الليث ! سنصدع الظلم وستري انهياره .

فمد الشيخ يديه المرتعشتين نحو السماء وجعل يقرأ ثم قال بصوت متهدج ؛ - ليست الثورة على الظلم خيرا إذا لم يقم بعدها العدل . أتحسبون أنكم الذين زلزلتم دعائم الطغيان ؟ كلا ! بل هو الطغيان نفسه الذي زلزل دعائمه . احس ان ايامي تقترب .

ولعلي لا أري كيف ينتهي الأمر بوتبتكم هذه - ولكن لى نصيحة فاسمعوها . حاذروا الطغيان فهو عدو نفسه . اقرأوا معى الفاتحة أن تعدلوا . . ورفع يديه يقرأ ، ورفع الجمع أيديهم يقرأون في خشوع

اشترك في نشرتنا البريدية