الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231الرجوع إلى "الثقافة"

الشيخ رفاعة الطهطاوى، مؤسس النهضة العلمية الحديثة

Share

- ٢ - ركب ) الشيخ ( البحر من الإسكندرية ، وقد خاف من البحر خوفين : خوفا من ركوبه وقد سمع كثيرا عن البحر وأهواله ، وحفظ في الأزهر :

لا أركب البحر أخشى   على منه المعاطب

طين أنا ، وهو ماء   والطين في الماء ذائب

وقرأ في بعض الكتب قول الشاعر :

فيشتت الأفكار ما قاسى الورى   من هول هذا البحر عند ركوبه

وسمع قول العامة في البحر : " داخله مفقود وخارجه مولود ولكنه استبشر خيرا بأن بدء الرحلة كان عصر يوم الجمعة ، وهو يوم مبارك ، وظل يقرأ " وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها ، وقرأ بعد ذلك حزب البحر واعتمد على الله واطمأن ، وذكر

قول الشاعر :

لما ركبنا ببحر     وكاد من خاف يتلف

على الكريم اعتمدنا    حاشاه  أن يتخلف

والخوف الثاني من دوار البحر ، وقد سمع عنه كثيرا ، ولكن شيخه  العطار - وقد ركب البحر مرارا - كان قد أوصاه بفائدة مجربة ، وهي أن يتجرع عند نزوله البحر جرعات كبيرة من مائه الملح ، ففعل

أول ما لفت نظر " الشيخ " هذا المركب الفرنساوي ، وطار خياله ، فقارن بين السفينة التي ركبها من القاهرة

إلي الإسكندرية وهذه السفينة الفرنساوية ، أما الأولى فمركب قذر ولكنه لم يدرك قذارتها إلا لما ركب الثانية ، كان يجلس فيها هي الالواح ، وكان يأكل حيث يجلس ، وينام حيث يأكل ، ومن حين لأخر يشعل " النوتى حطبا فيملأ الجو دخانا ، ويوقد ناره بطبخ فيها عدسه في ماعون قد اسود خارجه وازرق داخله ، وإذا تم تحلق هو وصحبه حوله وغاصوا بأيديهم فيه ، ثم لعقوا أصابعهم بألسنتهم وحمدوا الله وكانت موسيقي المركب لا ينقطع ، فصياح لجمع شراع ، وصياح لنشر شراع ، وصياح لتحويل الدفة ، وصياح للمرور من " هويس " وأوامر  ونواه لا تنتهي ، وشتائم وسباب كذلك لا ينتهي ؛ والمركب غني غني مفرطا بالحشرات والزواحف  من كل لون وشكل ، تعين العابد على امعانه في سهره ، وطول تهجده ، وكثرة استغاثته بالله .

هذا مركب النيل في مصر ، وأما مركب البحر في الإسكندرية فأمره عجب ، يقول ) الشيخ إن أهل المركب - من  الفرنساوية - كانوا يحافظون على تنظيفها وإذهاب الوسخ ما أمكن ، حتي أنهم يغسلون مقعدها كل يوم من الأيام ، ويكنسونها في صف النوم كل نحو يومين ، وينفضون الفراش وغيره ، ويشممونها رائحة الهواء ، ويزيلون أوخامها . و " الشيخ " يعجب من هذا كل العجب ، ويثير مشكلة من اصعب المشاكل ، وهي " ان النظافة من الإيمان والفرنساوية نصاري ، ليس عندهم من الإيمان مثقال ذرة ، وإخوانهم النصاري من قبطة مصر أهل وخم ووسخ ، فما بال هؤلاء ، الفرنساوية النصاري نظفاء ، وما بال المؤمنين المسلمين غير نظفاء ؟ هذه أولى المشاكل .

وقد ظل الشيخ متأثرا بهذه النظرة طول رحلته ، يعحب من نظافة الفرنساوية في مراكبهم وفى  بيوتهم

وفي ملابسهم وفي شوارعهم ، ويزداد عجبا إذا بلغه أن أهل فرنسا - مع هذا - ليسوا أنظف أهل أوربا ، وان " أهل الفلمنك ) هولنده ( انظف من الفرنساوية ، إذ تجد غالب  حاراتهم مبلطة بالحجر الأبيض المتعهد بالتنظيف ، ويبوتهم مجملة من خارجها ايضا ، وشبابيكهم القزاز تغسل دائما ، بل وحيطانهم الخارجية .

ويحز في نفسه أن المصريين ليسوا بذاك في النظافة . ويزعم " أن أهل مصر في قديم الزمان كانوا أعظم أهل الدنيا نظافة ، ولكن لم يقلدهم ذراريهم .

وما أظن ذلك ، فالوساخة في مصر داء قديم ، وهم - مع الأسف - من أقل الأمم عناية بالنظافة ، في مآكلهم وملابسهم ومساكنهم وشوارعهم ، ولم تبذل الحكومات المتعاقبة أي مجهود جدي في حملهم علي النظافة حتى تصبح عادة ، ومحل المقارنة لا يزال الآن كما كان منذ مائة عام في عهد " الشيخ رفاعة ، ولا يغرنا كم مائة بيت من الطبقة الأرستقراطية في المدن يعيشون في جو نظيف ، فالحكم إنما يجب أن ينظر فيه لسائر الشعب ، وحتي هؤلاء الأرستقراطيون لا يستطيعون أن يعيشوا نظفاء إذا كان من حولهم غير نظيف ، فهم مضطرون لمعاملة خدم يخدمونهم ، وباعة يبيعون لهم ، وركوب ترام أو قطارات يسافرون فيها وهكذا . وكما لا يستطيع بيت أن يعيش نظيفا في حارة قذرة ، كذلك لا تستطيع طبقة مهما احتاطت أن تعيش عيشة نظيفة نظافة تامة في جو قذر - إن الفقر المنتشر والبؤس الشائع يدفعان الأمة إلي إهمال النظافة ، ولكن أهم من ذلك عدم تدخل أولى الأمر في نظافة الشعب ، وتعويده ان يقوم النظافة قيمتها الحقة ؛ فمن نعم الله ان تكاليف النظافة رخيصة إذا وجدت نفوسا تأنف القذر

مما يعجب حقا حساسية " الشيخ رفاعة بالنظافة ،

وتقويمه  قيمتها الحقة ، والتفاته الشديد الدائم  إلي هذه الناحية ولو خصصت الأمة نصف ميزانيتها أو أكثر لتأسيس الحياة الاجتماعية في مصر علي أساس النظافة لعقلت

هذا " الشيخ رفاعة في السفينة الفرنسية " بعمته وجبته وقفطانه ، يتوضأ ويصلي إماما ببعض الطلبة المصريين ، ويستظرف الشبان الفرنسيون هذا المنظر ، فيجتمعون لمشاهدته ؛ ويرون في " الشيخ رفاعة قسيسا يصلي بالمسلمين ويؤمهم ، فيحترمونه احترام قسيسهم ، ويمنحونه قدرا من إجلالهم ، ويخصونه بمزيد عنايتهم

ويزيدهم استظرافا له أنهم يرونه عاكفا على دراسة اللغة الفرنسية ، بيده اجرومية فرنسية يقرؤها كما يقرأ كتاب الأجرومية في النحو العربي ، ويحفظ ويمعن في الحفظ ، وينطق ببعض كلمات تستخرج ضحك الفرنسيين من اعماق صدورهم ، واصعب شئ على " الشيخ " حرف u الفرنسية ، فهي ثقيلة النطق على لسانه ، فلا هي بالواو التى يعرفها ، ولا هي بالياء التي يألفها ، ولكنها وسط عجيب بين الواو والياء ، يستصعبها فيتجمع لها قبل النطق  بها ، وإذا وقع نظره عليها من بعيد وهو يقرأ ادرك علامة الخطر . ولقد اذكرني ذلك بحكاية ظريفة ، فقد كنت أتبادل مع سيدة إنجليزية جميلة تعلم الإنجليزية والعربية ، وكان لها عينان تشعان الثقة والإخلاص والأمانة ، وكان يصعب عليها النطق  بالعين ، فكانت تقول : " إن عينكم هذه تقتلني فأقول في نفسي : " وعينكم ايضا تقتلني " .

سارت السفينة بالشيخ أربعة ايام ، والبحر هاديء والجو جميل ، وطمع الشيخ ان تكون رحلته كلها من

هذا القبيل ، ولكن ما هو إلا أن عصفت الرياح ، واضطربت السفينة ، وأخذتها أمواج كالجبال تعلو إلي اعلى القمة وتهبط في لمحة إلي اسفل القاع ، ولعبت نفوس الراكبين لعب الأمواج ، فثارت ثورتها وهاجت هياجها . قال الشيخ : " فلازم أكثرنا الأرض ، وتوسل جميعنا بالشفيع يوم العرض

بعد مرور خمسة عشر يوما ، والبحر يهدأ   ويهيج ، والسفينة تسير وتلعب ، والشيخ يصلي ويقرأ الأجرومية الفرنسية ، وقفت السفينة على جزيرة صقلية ) سيسليا ( ، ففرحوا بمنظر الأرض الباسم بعد منظر البحر العابس ، وتذكر الشيخ قول الشاعر :

أنل قدمي ظهر الأرض إني   رأيت الأرض أثبت منك ظهرا

ولكن أهل صقلية لم ينيلوه ظهر الأرض ، ولم يمكنوه من النزول ، إذ كانوا لا يسمحون بدخول البلد إلا بعد الحجر الصحي خوف الوباء ، ولكن كانوا يسمحون بالتعامل بالبيع والشراء ، على شرط ان النقود التي يأخذها البائعون تغمس في إناء مملوء بالخل . حتى لا تنتقل العدوي .

وظلت السفينة خمسة أيام تتزود حاجتها من ماء وفاكهة وخضر

لقد كان " الشيخ رفاعة طريفا حقا ، أتدري ماذا أعجبه من كل ما حوله ؟ صوت النواقيس ورناتها الموسيقية ، وكانت الإيام أيام عيد ، والنواقيس تدق فيدق لها قلب الشيخ ، لو غيره سمعها من رجال الدين المتزمتين لاستعاذ بالله من صوتها وحوقل ، وسمع منها صوتا من أصوات الكفر يقبض صدر ، ويغم نفسه ، ولكن شيخنا رحب الصدر ، يتعشق الجمال حيث كان في عفة ودين

في إحدي هذه الليالي الخمس دعا صديقا من أصدقائه من أعضاء البعثة ، ممن يعرف فيه الظرف والأدب ، واقترح عليه أن يشتركا في إنشاء مقامة كمقامة البديع والحريري ، ولكن ليس موضوعها التكدي ونصب الحيلة لاقتناص مال ، وإنما موضوعها ثلاثة أشياء ، الأول حوار حول أن " الطبيعة السليمة تميل إلي استحسان الذات الجميلة مع العفاف والثاني " سكر المحب من عيني محبوبه " والثالث " تأثر النفوس بضرب الناقوس " إذا كان من يضربه ظريفا . هكذا ضبا الشيخ وظرف ، وأخذ ينشيء الشعر في مقامته في هذه المعاني ، فقال في المعنى الأول :

أصبو إلي كل ذي جمال   ولست من صبوتي أخاف

وليس في الهوي ارتياب    وانما شيمتي العفاف

وقال في المعني الثاني :

قد قلت لما بدا والكاس في يده    وجوهر الخمر فيها شبه خديه

حسبى نزاهة طرفي في محاسنه   ونشوتي من معاني سحر عينيه

وفي المعنى الثالث يقول :

من جاء يضرب بالناقوس قلت له :   من علم الظبي ضربا بالنواقيس

وقلت للنفس أي الضرب يؤلمكي ضرب النواقيس أم ضرب النوي - قيسي

ثلاثة وثلاثون يوما قضاها " الشيخ رفاعة في البحر بين الإسكندرية ومرسيليا ، منها خمسة أيام وقوفا في صقلية ، ويوم في نابلي ، فكم نجح الإنسان أثناء قرن واحد في السرعة ولما يقنع

) يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية