حقا إن الله أعلم حيث يجعل رسالته هذه ألوف الطلبة في المدارس ، وهذه الوف المجاورين في الأزهر ، من منهم سيكون النابغة العظيم ، والزعيم الكبير ، والمصلح الخطير ؟ لا تدري ، كلهم يتعلمون وأكثرهم يجدون ، ولكن الحكم بالنبوغ والقيادة والزعامة عسير على المتنبئين ، نفيس بمقايس الامتحان ثم يظهر خلل حكمك ، فقد يكون أول ناجح في الامتحان أول فاشل في الحياة ، ونقيس مقاييس الذكاء فتحكم بأن هذا اذكي من امتحنت ثم يخبو هذا الذكاء ، شيئا فشيئا ، حتى ينعدم أو يكاد ، أو يظل الذكاء حارا ومع ذلك فلا نبوغ في الحياة ، وتحكم بالخمول علي طالب ، ثم يتطور فيكون قائدا أو زعيما ، إنما عملنا أن نؤرخ النابغ بعد أن ينبغ ، ونعلل
نبوغه بأسرته أو أساتذته أو بيئته أو نحو ذلك من أسباب ، ولكن كم من اسرة خير من اسرته لم تنجب ؛ وكم من اساتذة خير من اساتذته لم يلدوا مثله ؛ وكم بيئة اصلح من بيئته لم تنجح في إعداد شبيه له ، وكم كلها مجموعة لم تعد للحياة نابغة ، في بيتي شجرا ما نجو ، أما إحداهما فقالوا احفر لها فحفرت ، وأت لها بتربة صالحة فأتيت ، وطعمها فطعمت ، واخترلها الجهة المناسبة فاخترت واخرى رميت بذرتها رميا ، وتركتها للمصادفة تركا ، ولم أعن بها أي عناية ، ثم فشلت الأولى حيث نجحت الثانية - إنما تنجح القواعد العامة في التربية والاقتصاد والزراعة ونحو ذلك في جمهرة الأشياء وعادتها ، أما النوابغ فشواذ خرجوا عن القواعد وندوا عن التعليل .
هذا " رفاعة " من اسرة مثلها كثير ، وهو مجاور في الأزهر مثله كثير ، وتهيأت له من الظروف ما تهيأ لكثير ولكن لم يجر على يد احد من الخير لامتة في ناحيته ما جري على يده، ما السر في ذلك ؟ علمه عند الله
من أسرة في طهطا تعتز بشرف نسبها للرسول ، ويعزها الناس لذلك ، عرف كثير من أفرادها بالعلم وتولي انقضاء والإفتاء ، وديارهم منازل الحكام ومورد القصاد والحكومة على نظام ذلك العهد تمدهم بالاراضي يستغلونها ولا يملكونها وبالأرادب الكثيرة من القمح كل عام في نظير فتحهم بيوتهم للضيوف وذوي الحاجة ، ولكن هذا العطاء لم يكن - كما نقول اليوم - حقا مكتسبا ، ولكن منحة عارضة تتبع رغبة الوالي وشهوته ، فهو إذا شاء أطلقها .
وإذا شاء منعها - وكان من سوء حظة " أو من حسن حظه ، لا أدري - أن قبض الوالي يده عما كان يعطي أهله ، فوقعوا في الفقر واضطر أبوه ان يبرح من البلد ، ومعه رفاعة صبي صغير ولكن ما لبث والده ان مات فقيرا ، فعاد الصبي إلي طهطا ، ونزل في أخواله ، وشاء الله
أن يكون في هؤلاء الأخوال من يعلمه ويعده للازهر ، فحفظ بعض المتون بعد أن حفظ القرآن ودرس شيئا من الفقه والنحو ، ثم أرسل إلي الأزهر
درس في الأزهر كما يدرس كل مجاور ، وعاش فيه كما يعيش المجاور الفقير ، بقنع بالجرابة ويأندم أكثر الأوقات بالقول ومشتقاته ( مدمس ونابت وطعمية وبيصار ) ولكنه مع هذا يعتز ببيته ونسبه .
شئ واحد ميزه عن كثير من المجاورين هو اتصاله اتصالا وثيقا بالشيخ حسن العطار ، وكان هذا رجلا ممتازا واسع النظر ، خبيرا بالدنيا على قلة الخبيرين بها من علماء الآزهر في ذلك العصر ، ولم يعجبه طريقة الأزهر بين الاقتصار علي كتب النحو والفقه والتفسير والحديث ،
فضم إلي ذلك نظرته في كتب التاريخ والأدب ، وعني عناية كبرى بالأدب الأندلسي يدرسه ويحاكيه ، ويأسف على اخطاط الأدب في عصره ، ويصف شعراء زمنه بأنها " اتخذوا الشعر حرفة محترف ، وسلكوا فيه طريق معتسف ، فصرفوا أكثر اشعارهم في المدح لاستجلاب المنح ، حتى مدحوا ارباب الحرف لجمع الدراهم في الإسفاط ،
وكان سهم من يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص ثم يغيرها في آخر ، وهكذا حتي يمتدح بها كثيرا من الناس ، وهو لا يزيد على ان يغير الاسم والقافية ، وما اشبه في ذلك إلا بمن بغرق اوراق الكدية بين يدي صفوف المصلين يوم الجمعة في المساجد ، وهكذا كان حال الرجل ، فلا يكاد أحد يتخذ وليمة ، أو خنانا ، أو عرسا ، أو يبني بناء أو يرزا بموت محب إلا وبادره بشيء من الشعر ، قانعا بالشئ النزر " .
اما الشيخ العطار فجريا علي عقيدته لم يحتفظ بشعره في المديح والهجاء مما قاله اضطرارا ، ورجا ألا يحفظ عنه إلا " ما لطف من النسيب وعذب من التشبيب مما قد ولعت
به أيام الشباب ، حيث غصن الشيبة فض والزمن من الشوائب محض ، ولأعين الملاح سهام بالفؤاد راشقة ، وتثني فدود تظل لها اعين الآحبة رامقة
ذاك وقت قضيت فيه غرامي
من شبابي في ستره ، بالظلام
ثم لما بدا الصباح لعيني
من مشيبي ودعته بسلام "
وكان الشيخ حسن العطار قد أداه ظرفه ومعرفته بالدنيا ان اتصل بالفرنسيين حين دخولهم مصر ، ودرس لبعضهم اللغة العربية ، وأداه اختلاطه بهم أن يقف على كثير من معارفهم الواسعة فبهره ذلك منهم ، ويتعجب مما " وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة ، ويقارن بين ذلك وحالة العلم في الأزهر ويرثي لحال مصر ويتوقع حصول ثورة علمية فيقول " لابد ان تتغير حال بلادنا ويتجدد لها من المعارف ما ليس فيها " ويزيد العطار سعة في عقله رحلته إلي الشام وإلي الاستانة وقد اقام بهما مدة طويلة وسكن في اسكودره وتزوج بها ثم عاد إلي مصر .
هذا هو الشيخ العطار الذي صار فيما بعد شيخ الأزهر ، وهذا هو استاذ الشيخ رفاعة الذي أثر فيه أثرا غير شائع عند الأزهر بين إذ ذاك ، من ميل إلى الأدب والإطلاع على الكتب غير المتداولة ، وكان التلميذ المحبوب عند شيخة العطار في بيته وفي قراءته الخاصة وفي دروسه العامة
وفي الحق أن الأزهر كان فيه نبع صغير متسلسل يعني بالتاريخ والأدب ، بجانب ذلك النبع الكبير الذي يعني بعلوم اللغة والدين فقط ، وكان من هذا النبع الصغير الشيخ الجبرني المؤرخ الكبير وتلميذه العطار وتلميذه رفاعة
ظل رفاعة يتلقي دروسه في الأزهر حتى أتمها وتصدي للتدريس فيه ، ثم عين في منصب صغير هو واعظ للعسكر ثم حدثت الحادثة الكبرى التي غيرت مجري حياته ورسمت
طريق نبوغه ، ومكنته من أن يتولي زعامة النهضة وهي بعثته إلي باريس
تولي مصر محمد علي باشا وأراد أن ينهض بمصر في جيشها حتى يساوي حيش تركيا ويفوقه ، ونهوض الجيش يحتاج إلى تعلم الفنون الحربية وإلى الهندسة وإلى الطب وإلى الصناعة ، واراد ان ينهض بالإدارة في تنظيم مالية الدولة وإدارتها وضبط دخلها وخرجها ، ونهوض الإدارة يحتاج إلي رؤوس تضع النظام وأيد متعلمة تنفذه ، ونظر فرأي أن كل ناحية من نواحي الإصلاح تصطدم بالحاجة إلي العلم والعلماء والمتعلمين
ونظر فرأى أن ليس في البلاد من ذلك إلا الأزهر وملحقاته ، فلم يكن إلا الكتاتيب في القري والبلدان تحفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة علي نمط عتيق .
وهذه الكتاتيب تسلم إلي الأزهر ، وقد يكون في بعض المدن كالإسكندرية وطنطا معاهد هي صورة مصغرة من الأزهر ، والآزهر لا يعلم إلا الدين واللغة العربية على نمط القرون الوسطى ، وليس في البلاد كلها مدرسة تعلم الجغرافيا والتاريخ والرياضة والطب والهندسة والزراعة والطبيعة والكيميا . المهندس هو المعمار الذي يتخرج من ممارسته للبناء ، والطيب هو الذي قرأ شيئا من تذكرة داوء ، ومنهاج الدكان ، ومارس الصناعة مع المجربين .
والرياضي هو من حفظ ( سورة الفدان) وتعلم على الصراف أو نحو ذلك ، وكل هذه أدوات لا تكفي لبناء نهضة فما الحل ؟
هناك حلول ثلاثة ( ١ ) اصلاح الآزهر وهو مركز التعليم والتعلم في البلاد ، وتوسيع اختصاصه ، فتجعل الدراسة الدينية شعبة ، وبجانبها شعبة للرياضيات والطبيعيات ، وشعبة للطب ، وشعبة للهندسة الخ ، وقد يبدو أن هذا الحل هو الحل الطبيعي ، وفيه بقاء علي مركز
التعليم وإصلاحه وتوسيعه ، ولكن دون ذلك أهوال ، فالرأي العام الأزهري لا يرضي عن هذا التغيير ، وبعده إفسادا للأزهر ، وإفسادا للدين ، والرأي العام الشعبي يتبعة ويؤيده ، فيحدث ذلك ثورة في البلاد لاحاجة إليها ،
ثم إن هذا الطريق طويل ، فإذا أعدت العدة لهذا التغيير ، وانتظرت النتيجة ، كان لا بد من مرور سنين ، والإصلاح يتطلب السرعة - آه - ما كان أنفع هذا الوجه لو اتسع صدر الأزهر ؛ وعقل الناس .
( ٢ ) والطريقة الثانية أن نترك الأزهر وشأنه ، وننشيء مدارس مدنية من كتاتيب نظامية ومدارس ابتدائية وتجهيزية وخصوصية كالطب والهندسة ؟ ونقلد فيها المدارس الأوربية ولا يكون لهذه المدارس آية صلة بالأزهر إلا بالدرسين الذين يؤخذون منه لتعليم الدين واللغة العربية ،
ونستعين بالأوربيين من فرنسين وإيطاليين وانجليز نأتي بهم ونضع في يدهم قيادة الحركة العلمية والصناعية ، ونجعلهم يمرنون المصريين حتى ينهضوا بالعبء . ولكن عيب هذه الطريقة أن كثيرا ممن تستوردهم من هؤلاء الأوربيين قد لا يخلصون في عملهم ، وقد ينظرون إلي مصلحة أممهم لا مصلحة من يعلمونهم ؛ وقد يضيفون إلي تعليمهم قيامهم بوظيفة التجسس لأممهم ، ثم المصريون المتعلمون علي يدهم محال أن يبلغوا مبلغهم ، فكلما طالت السلسلة بعدت عن الأصل
( ٣ ) وثالث الوجوه أن ننشئ المدارس التي ذكرنا ونأتي بأوربيين يعلمون ، ولكن نجعل هذا ضرورة نتخلص منها في أقرب وقت ، فنبعث البعوث لأوربا في مختلف العلوم والفنون ؛ فيتلقونها من مصادرها ؛ فإذا عادوا حلوا بالتدريج محل الأوربيين ؛ وبذلك نكسب السرعة ونكسب الإصلاح وننفي خطر تغلغل الأجانب .
وعلى هذا الرأي الأخير استقر الرأي ، فأرسلت أول
بعثة هامة سنة ١٨٢٦ إلي فرنسا ، وهم أربعون طالبا ، بعضهم لدراسة الإدارة المدنية ، وبعضهم لدراسة الإدارة الحربية ، ومنهم لدراسة العلوم السياسية ، ومنهم لقوة المياه ، والعلوم الميكانيكية ، والهندسة والمدفعية ، وصب المعادن ، وصنع الأسلحة والكيميا والطب والتاريخ الطبيعي والمعادن .
واختير معهم عضو محافظ ، يذكرهم دائما بالتقاليد القديمة ويصدهم عن الاندفاع في تيار المدنية ، فيكون إماما لهم في الصلاة ، وقد رشحه لهذا استاذه العطار
وهل فكروا حين عينوه ان يكون عضوا بعد الشئ ، أو مجرد إمام تابع للرحلة يسد خانة من خانتها ! الظاهر انهم أرادوه أولا إماما للبعثة ، وهذا عمله الأساسي ، فإن تعلم وجاء بشئ فلا بأس وليكن الترجمة ، ولكن
آراد الله إلى أن يكون الإمام في الصلاة للبعثة إماما للحركة العلمية في مصر .
في عصر يوم الجمعة ٨ من شعبان سنة ١٢٤١ - ١٨ من مارس سنة ١٨٢٦ ، كان شاب ملتح معمم سنه خمس وعشرون ، ويقدره من راه بأربعين ، لأن حياته وحياة امثاله لم تعرف الشباب ، يظهر عليه الخشوع الديني ، والتواضع وطيبة القلب وخفة الروح ، يسافر مع اعضاء البعثة من مصر إلي الإسكندرية ، ولا تظن أنهم اخذوا قطار اكسبريس ، فوصلوها بعد ثلاث ساعات ، ولكنهم اخذو زوارق صغيرة كل جماعة منهم في زورق ، وسارت بهم في النيل أربعة أيام بلياليها حتى وصلوا إلي الإسكندرية ، إذ لم تكن مصر عرفت " الوابور " بعد .
( يتبع )

