الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

الشيخ عبد الرشيد إبرهيم

Share

قرأت في " مجلة الثقافة المقال الذي خطه صديقي الأستاذ حمزة طاهر عن السياح المسلم الكبير الشيخ عبد الرشيد ) إبراهيم ، الذي توفي في اليابان منذ ثلاثة اشهر ، فثارت في نفسي ذكريات هذا الشيخ المجاهد ، الذي ولد في سيبريا قبل ثمان وتسعين سنة وجاهد لإصلاح المسلمين ،

ولا سيما مسلمو الروسيا ، وتهذيبهم والدفاع عنهم . وطوف في الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية عشرات السنين ، ثم انتهى به الجهاد الدائب والعزم الماضي إلي الموت في اليابان . مات في اليابان وهو يدعو إلي الإسلام

لا أدري متي سمعت عن الشيخ عبد الرشيد لأول مرة ، ولا متى رأيته أول رؤية ؟ ولكن اعرف اني رأيت في صباي جزءا من رحلات الشيخ عبد الرشيد وسمعت من أخباره ، ثم قرأت رسالة له إلى صاحب المقام الرفيع عبد العزير عزت باشا وهو وزير مصر في لندره ، ثم رأيت في مصر الرجل الذي سمعت به ، وقرأت له فأكبرته وتمنيت لقاءه . رأيت هذه البنية القوية ، وهذا المحيا الكريم

وأصغيت إلي حديث الشيخ الرحالة الجواب يبين عن اماله في المسلمين وآلامه ، وتحدث عن مشاهده ، وتجاربه في السنين الطويلة والأقطار الكثيرة . ورايته حين قدم إلي مصر قدمته الاخيرة وهو في طريقه إلى اليابان ؛ شرفني بزيارتي في حلوان مرات ، وقابلته مرة في دار عزت باشا .

وكان مجلسه يجمع المختلفين في المآرب والمذاهب على الإعجاب به والعجيب منه ؛ من مصغ إلي شيخ مسلم رحالة يتحدث عن جماعات المسلمين ويصف أدواءهم وادويتهم ؛ ومن منصت إلي عجائب الاسفار وغرائب الأوطان ومن مكبر لهذا الشيخ الوقور لا تقعد به السن

عن الأسفار البعيدة . بل رأيت الصبيان يتطلعون إلي مجلسه ليروا الرحالة التركى الهرم الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها ، ورايتهم يسرعون إليه متعجبين حين طلب مرة ماء ليشرب ، وكانوا علموا انه لا يشرب الماء مجتزئا عنه بالشاي .

وحمل الشيخ المشارف للتسعين عزيمة ماضية ، بل حملته العزيمة الماضية إلي اليابان ليدعو إلي الإسلام ؛ وكانت إحدي أمانيه كما قال الأستاذ حمزة أن يري مسجدا في طوكيو فاستجاب الله له فأراه في اليابان مسجدين .

كان من مكانة هذا الرحالة في نفوس من يعرفه من المسلمين ، ومن مواصلة الاسفار للاطلاع على أمورهم ،

وإكثار الكتابة والحديث عنهم ، ان اتخذه محمد عا كف رحمه الله ، وهو الملقب في تركيا " شاعر الإسلام ، اتخذه " بطل قصة " وجعله واعظا في جامع السلطان سليمان حينما نظم منظومته التى سماها " في كرسي السليمانية " - سليمانيه كرسيسنده - لم يجد عا كف بك أولى من الشيخ عبد الرشيد بأن يعظ في جامع سليمان القانوني ويبين ادواء المسلمين ويطب لهم ، ويدعوهم إلى ما فيه رشدهم .

وسأترجم في السطور الأتية ما نظمه الشاعر  الكبير عا كف في وصف الرحالة الكبير عبد الرشيد . فنذكر الصديقين معا ، ونذكر بماثرهما ، ونسأل لهما المغفرة قال عاكف : " وأسرعت الجماعة نحو الكرسي .

فيا عجيا من على الكرسي ؛ شيخ إلهي السيما ، كأنما يفيض قلبه في جبينه ، تحيط لحيته الطاهرة الناصعة وعمامته البيضاء الشاهقة بجهته الواسعة ووجهه الذي يرف عليه ضوء الصباح ، كما تحيط الهالة بالبدر  رب ما هذه الصباحة وما هذه الهداية ، وماهاتان العينان ، بل الشهابان السماويان اللذان يحرقان الإدراك بشعاع واحد منهما ؟ ! واها لهذه الحزمة

النورانية الجائشة من عينيك ، ولهذا الارواح المسكينة التي تهفو إليك

لا تحسبوا أبي ارتقيت هذا الكرسي لاعظ . لست عالما فلا يخدعنكم هذا الزي ، حسبكم علماؤكم يفقهونكم في دينكم ، ويفتونكم فيما يشكل من أموركم . ولكن سلوني ما شئتم عن العالم الإسلامي فما تركت به بقعة إلا زرتها وطوقت في ارجائها جبت ما بين اقصى المشرق والمغرب الأقصى ، ولم ادع موطنا للمسلمين في اسيا واوربا وإفريقية إلا يممته وتعرفت ماضيه وحاضره .

وقد حطمتني الاسفار المتمادية ، وقتلتني الرحلات المتوالية ، ولم اصبر على المضي في طريق لولا نداء لا ينقطع ينبجس من اعماق نفسي الا تقف ، تقدم ، امض في سبيلك ، نداء غيرتي على ديني ، الغيرة التي تضطرم كالبركان بين جوانحي ، فلا اطيق وقوفا ، ولا اثبت في مكان ، ولا يقيدني حب النفس ، والوطن والأهل والولد

لا ! إنها لا تثنيني عن عزمي ، ولا تعدل بي عن مقصدي ، لا أبغي غير هذا . ذلكم كل أملي لا أبغي سواه . الخ "

صور عا كف في هذه الاسطر ، وفي صفحات عدة من منظومته ، بعض ما أعربت عنه سيما عبد الرشيد وسيرته ولقد صدقت تصوير الشاعر الكبير اعمال الرحالة المجاهد ،

فلم يقر قراره قبل موت عاكف ولابعد موته ، ولم يثنه حب الولد والوطن عن التسيار وراء اماله ، حتى طوت ارض اليابان ثمانية وتسعين عاما من حياة خلقت للسير والعمل .

رحم الله عبد الرشيد في مثواه من بلاد اليابان ورحم عا كفا في مستقره من مقبرة الشهداء عند

أسوار إستانبول ) ٦ (

اشترك في نشرتنا البريدية