الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 749الرجوع إلى "الرسالة"

الشيخ محمد عبدة والطير الأبابيل:

Share

أقول (تعليقاً على المقال القيم " القرآن النظريات العلمية"   للأستاذ الكبير العقاد): إن الأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبدة  لم يقل بأن الطير الأبابيل هي جراثيم الأمراض التي اكتشفت على  يد  "باستور"   وما هذا إلا رأي شاعت نسبته إلى الشيخ محمد عبدة  منذ أن هاجمه جماعة من العلماء وعدوا له زلات من جملتها هذا  الرأي الذي نسبوه إليه في تفسير سورة الفيل وأخذوا عليه فيه  أنه قد ابتدع في التفسير آراء خرج بها على معاني العربية وأساليبها  التي نزل بها القرآن ويفهمه بها العرب الخ. ثم عزا الكثيرون  هذا الرأي في تفسير الطير الأبابيل إلى الشيخ محمد عبدة دون  رجوع إلى كلام الشيخ نفسه رحمه الله في تفسيره لجزء عم الذي  هو مرجع القضية.

والواقع أنه رحمه الله بعد أن نقل بعض الروايات التفسيرية  غير الثابتة في بيان طريقة انهزام أصحاب الفيل بالطير الأبابيل،  وقول بعضهم إن الطير كانت تلقي الحجارة الصغيرة كالعدس  فتقع الواحدة على رأس الرجل من جيش أبرهة فتخرج من دبره  قال الشيخ محمد عبدة رحمه الله ما خلاصته أن الشيء المروي في  التاريخ هو أن جيش أبرهة تفشى فيه مرض الجدري وقضى على  معظمه وبدده وتلك الروايات المغربة غير ثابتة، والقرآن في غنى  عن تفسيره بها، فالمنهج السديد أن يجمع بين القدر الذي حكاه  القرآن من الخوارق وبين الروايات التاريخية، بعد أن تبين أن  مرض الجدري وغيره من الأمراض السارية ينشأ عن عوامل  حية هي الجراثيم المسماة بالميكروبات .

وإذا علمنا أيضاً أن الطير في اللغة كل ما يطير بجناحيه كبيراً  كان أو صغيراً كالذباب والزنابير فإن المناسب في تفسير السورة  أن يقال: إن الله تعالى أرسل على جيش أبرهة نوعاً من الطيور  تحمل حجارة صغيرة ملوثة بجراثيم حمى الجدري من مكان موبوء  بها هدى الله هذه الطير إليه فكانت تلقيها على الجيش فتفشى  فيه الجدري من هذه الحجارة الموبوءة بجراثيم المرض

وبذلك يجمع بين ما حكاه القرآن العظيم وبين الواقع  التاريخي، ويكفي لبيان قدرة الله تعالى ونقمته مع التعليل  بسبب طبيعي معقول.

فالشيخ رحمه الله لم يفسر الطير الأبابيل بالجراثيم،  وإنما أفاد أن الحجارة التي حملتها الطير كانت ملوثة بالجراثيم،  أما الطير فطير بالمعنى اللغوي غير أنها لا يعرف نوعها.

وبهذه المناسبة أذكر أن من جملة ما يشاع الآن من آراء عن  الشيخ محمد عبدة رحمه الله أنه ينكر وجود الجن الذين جاء القرآن  معلناً وجودهم، أو أنه يؤولهم بالجراثيم وغير ذلك، وكثير من  الطاعنين يأخذون هذا من الألسنة ثم يناقشون به مع حملهم إياه  على الشيخ رحمه الله على أنه رأي صريح له في تفسير سورة الناس  كما ينسب إليه اليوم لغرض ما أنه يرى ويقول بأن قصص الأمم  الغابرة التي حكاها القرآن إنما هي تمثيل فني مخترع للعظة ولا تدل  على واقع تاريخي!!

وقد اشتملتني وبعض هؤلاء قديماً مناقشة حول الشيخ  رحمه الله ولما قلت لهم إنه لا يفسر الطير الأبابيل بالجراثيم المرضية  ولا ينكر وجود الجن عدوا هذا الزعم مني مخالفاً للحس الظاهر  أو دفاعاً غير مشروع حتى أتيتهم بتفسير جزء عم الذي يستندون  إليه فقرؤوا بأنفسهم تفسير الشيخ رحمه الله لسورتي الفيل والناس  فهتوا وقد كانوا زعموا أنهم إنما يتكلمون عن اطلاع على كلامه،  فلم يسعهم بعد ذلك إلا أن يقولوا أنهم لم يفهموا كلامه، وإنما  وهموا من نظرة فيه سريعة غير منعمة.

على أنه لا ينبغي أن يتوهم من كلامي إنني أعد الأستاذ  الكبير العقاد من هذه الفئة، فهو في نظري - كما هو في  الواقع - ذلك المحقق المجلي الذي لا يشق له غبار ولا نزال ننتفع  وستنتفع الأجيال من قلمه، ولكن لعله اعتمد في قضية الطير  الأبابيل على رواية أحد نسب ذلك إلى الشيخ محمد عبدة  أخذاً مما أشيع عنه واشتهر.

اشترك في نشرتنا البريدية