الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

الشيخ محمد عياد الطنطاوى، أحد علماء الأزهر في القرن الماضي، ( ١٨١٠-١٨٦١ )

Share

هذه شخصية تكاد تكون شبه مجهولة من شخصيات علماء مصر الافذاذ الذين عملوا على نشر الأدب العربي وثقافة الازهر خارج حدود وطنهم ، وتعني به الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي أهمل ذكره مؤرخو الأدب العربي الحديث . وقد كانت جهوده العلمية واثاره الادبية مطموسة ، إلى ان ازاح الستار عنها العلامة الروسي اغناطيوس كرانشويفسكي في كتاب ظهر له حديثا يحمل عنوان " من خلال المخطوطات العربية " وقامت بنشره أكاديمية العلوم بليننجراد .

ولعل الكتاب الذي نحن بصدده هو أول كتاب من نوعه يصدره عالم من علماء المشرقيات ، فهو عبارة عن ذكريات مشوقة اقتطفها المؤلف من حياته العلمية الطويلة ، وساقها إلى القارئ في اسلوب قصصي مشوق ، وحاول ان يحيي فيه نفرا من المؤرخين والكتاب والشعراء والرحالة العرب ، المعاصرين  منهم والقدامي ، وهو يحوي تفصيلات علمية عن سياحات المؤلف إلى المعاهد والبيئات العلمية في الشرق العربي ، وسجل فيه أحاديثه مع مختلف رجال الفكر والأدب والدين ، ونفض فيه غبار الأجيال عن جانب من المخطوطات العربية النادرة والكنوز الفكرية التى كانت مطمورة تحت أطباق الثري وفي بطون المكتبات ودهاليز الجامعات

ولترجع إلى الشيخ محمد عباد الطنطاوي الذي خصه المؤلف بفصل واف فنقول : إنه ولد في مدينة طنطا في عام ١٨١٠ ثم التحق بالجامع الأزهر عند ما اتم عامه السابع عشر ، فدرس علي شيوخة كالعطار والبيجوري وخليل الرجبي ، ثم تصدر التدريس حينا . ويقول فولر في دائرة المعارف الإسلامية : إنه كان يدرس مقامات الحريري والمعلقات

السبع مع شرح الزوزني ، وإنه لا يعرف أحدا من رجال الازهر سبقه إلى ما قرأه واستوعبه من العلوم العصرية . وكانت روسيا في ذلك الحين على أهبة نهضة في الاستشراق لا سيما ما يتصل منها بعلوم العرب ، وكان قد خلا في ذلك الحين منصب استاذ اللغة العربية بمعهد الدراسات الشرقية التابع لوزارة الخارجية ، فتطلعت روسيا إلى شل هذا المنبر من بين علماء العرب أنفسهم . وعن طريق السفارة الروسية باستامبول دعي الشيخ محمد عياد الطنطاوي ليشغل هذا النصب ، فشخص إلي سانت بطرسبرج ، وظل محافظا على زيه الآزهري فلم يخلعه وهو في هذه البلاد النائية بين البرد القارس والثلوج ، وقد وصفه أحد كتاب عصره من الروسيين بقوله : " إنه رجل وسيم ، ويرتدي حلة شرقية ، وعمامة بيضاء ، وله لحية فاحمة سوداء ، وعينان براقتان ، ووجه متوقد الذكاء ، تدل سمرته على أنها ليست من أثر شمسنا الشمالية غير المحرقة ، وهو يسير الهوينا شامخ الرأس يتهادي على الجانب المشمس من شارع نيفسكي - بروسكت " .

والطريف أنه عند ما وصل الشيخ عياد إلى مقر منصبه وسمع بهمته احد وزراء القيصر خاطب المستشر في برتولد بقوله : إن الحكومة لا تكترث لهذه المعارف الواردة من الخارج . بيد أن هذا العالم الفاضل أوقفه عند حده بقوله : - بالعكس ، ففي وسعنا الآن أن ندرس اللغة العربية في عقر دارنا دون حاجة ما إلى مغادرة سانت بطرسبرج .

وقد ظل الشيخ عياد يشغل منصبه العلمي زهاء أربعة عشر عاما أي من ستة ١٨٤٧ ، تخرج في خلالها على يديه عشرات الطلاب الذين أكبوا على دراسة العربية وما يتصل بها من علوم اللغة وفقهها وآدابها ، وتعرف في فترة إقامته بروسيا بنخبة من العظماء ورجال الحكم ، وعمل احيانا بالشعبة الشرقية بدار وزارة الخارجية ، وقام بعدة رحلات إلى الجنوب ، فزار القوقاس والتتار وكان على صلات طيبة بالطوائف الإسلامية هناك . وتقديرا لجهوده العلمية أنعم عليه بوسام ( حنة ) ، وكان الأستاذ عند ما يمزح بنظر إلي

قلادة الوسام المتدلية من عنقه فوق ملابسه العربية وبقول لجلسائه ومحاره : " في سانت بطرسيرج رأيت امرا عجبا ، شيخا مسلما يضم " حنة " إلي أحضانه في الشارع .

وقد تأثر بآراء الشيخ عياد نفر من المستعربين الروسيين ، وخلف وراءه ثروة علمية وذخيرة ادبية طبع منها كتاب واحد اثناء حياته ، وهو ( احسن النخب في معرفة لسان العرب) ، وقامت بنشره إحدي دور الطباعة بليبزج عام ١٨٤٨ . أما ما لم ينشر من مؤلفاته فكثير ، وفي مقدمها كتاب اكتشفه الأستاذ كرانشويفسكي في السنوات الأخيرة بعنوان : " هدية العاقل " وهي رسالة مخطوطة تحتوي علي معلومات خاصة اهداها المؤلف للسلطان عبد المجيد ، وتتضمن وصف رحلته من القاهرة إلى سانت بطرسبرج وشرح الأثر الذي خلفه في نفسه احتكاكه بالشعب الروسي في بلاده وما شاهده في مقاطعات البلطيق وفي فنلندة اثناء زيارته إياها في فترة العطلات المدرسية . ثم كتاب الحكايات العامية المصرية ، وتاريخ  العرب ، وترجمة الباب الأول من كتاب كلستان للسعدي . وهناك

عدة حواش لم تطبع بعد ، منها حاشية على شرح العلامة برهان الدين ابى المعالي السناء ، وحاشية على رسالة الشيخ البيجوري في العقائد ، وشرح الشيخ خالد الأزهري .

وظل الشيخ عياد بنشر ظلال أفكاره في كل بيئة علمية بروسيا ، فقد كان إلى جانب عمله بمعهد الدراسات الشرقية يلقي دروسا اخرى في مدرسة اكابريكية كانت معروفة باسم " معهد لأزاروف " يساعده في مهمته المستعرب نفرونسكي ، والقي محاضرات اخرى في الهجات العربية الدارجة ، إلى أن مرض " بشلل الأطراف وظل ملازما الفراش عدة أشهر ، ووافاه الأجل المحتوم وهو في ديار الغربة في السابع والعشرين من أكتوبر عام ١٨٦١ ، فدفن في قرية فولكافا ، ونصب على القبر لوح من المرمر نقشت عليه هذه العبارة بالعربية والروسية

" الشيخ محمد طنطاوي مستشار الدولة واستاذ معين مجامعة سانت بطرسبرج ، ولهذا المقبرة صورة شمسية يراها الزائر بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية .

اشترك في نشرتنا البريدية