كان مستحكم الخلقة ، ضليعا ، وتبق التركيب ، فتيا ملتف الأعضاء ، سبط القوام . وضاح المحيا ، حسن العينين والضحك ، وكان قد سرح من الخدمة العسكرية ، بعد أن لبي داعي الحمي الذي اكتنفه فناؤه ، على أكمل وجه ممكن في الحرب العالمية الثانية ، واستأنف سيرته الأولى حال عودته ، وشرع يهييء معدات زفافه إلى الفتاة التي خطبها لنفسه ، قبل مضيه إلى الميدان .
وذهب ذات يوم إلى بيتها ليحدد موعد حفلة العرس ، وفيما كانا يتشاوران في أمرها ، أقبلت صديقة عوان فتوجها إليها برجائهما لكي تنضب لحياتهما الزوجية الآزفة رأيا مكينا ، وبحث ثلاثتهم ممالأة طائفة من الشئون الهامة ، ثم أفضي بهم الحديث إلي بعض المسائل العامة ، وأصاخت الصديقة الناصحة إليهما وردت على الأسئلة التي وجهها إليها الشاب في عناية بالغة ؛ ثم ابتدرته قائلة : " خبرني كيف قضيت في الجيش هذا الزمن المديد وظعنت إلى ما وراء البحار عن الأوطان ، ولم تتعلم التدخين ، ولم تتعود معاقرة الكأس ؟ إني لا أشك أبدا في أن مقاومة هذه العادة قد كافتك عسرا " . وكان جوابه بليغا جمع فيه حلال السحر إلى جلال الحكمة - فتدفق يحره كالجواهر ، كلاما ينبغي أن نتحفظه في خزائن واعيتنا ، ونحبؤه في أوعية قلوبنا ، ومستودع ذخائرنا المعنوية ، لكى نتحلى بها علي الدوام - فقد قال : " سأفضي إليك يا سيدتي بالحقيقة الناصعة التي تجاهر بأن الأمر إذا كان سويا صائبا فلا بد أن يسلس لنا مطلبه وبدني مناله ويلين أعطافه ويستسلم إلينا بأعنته في غير إعنات !!.
حقا لقد كان صدوقا صحيح النبأ .
سمعت شابين يتحدثان عن الخدمة الاجتماعية ، فقال أحدهما : لست استطيع أن أخبرك عما يدره لي السعي في سبيل التقويم والإنارة والإصلاح الاجتماعي ، وعند ما أتمني لو أنك جعلت ذلك غاية حياتك ومنتجع خواطرك ، ومهوى
فؤادك ، وإني لأعرف أنك ستجد حينئذ فرحا لا يقدر وغنما لا يوصف .
فقال رفيقه : إني أروي في هذا كله ، ولكن الاستجابة له تعنى الحرمان من مناعم كثيرة ومباهج عدة . وأنا في الواقع أحصى التكاليف التي توجهها هذه الخدمة الاجتماعية ! فسأله صديقه قائلا : أما جلست مرة لتحصى التكاليف التى تفرضها عليك الأثرة والرغبة في أن تعيش لذاتك ! هيا يا أخي وكن كمن قال فيه شاعرنا المبدع :
فتى عاهد الرحمن في بذل جهده
فليس تراه الدهر إلا على العهد
فتي قصرت آماله عن فعاله
وليس على الحر الكريم سوي الجهد
أو لم يأتك حديث الشاعر الغربي الذي قال : "لا تحص التكاليف إن أردت أن تفوز بالهدف ، إن كنوز العالم لا تساوي شيئا بالقياس إلى مواهب النفس البذول . فإن أردت أن تكتسب المعركة ، جالد في شجاعة ولا تضع نصب عينيك التاج الذي سيزين مفرقك ؛ بل ارقع بصرك إلى ربك الذي تساهم الآن في البروز إلى ميدانه مع أنصاره وحماة شريعته . إن أكاليل الغار تنتظر الكماة المجاهدين ، حتى يذهب الزمان بآخر فرد في السلالة البشرية ، فاصبر إلي يوم الوقت المعلوم ، وإياك أن تهرب من الكفاح ، بل كن خطل اليدين بالمعروف ، سبط الكفين بالغوث في سبيل التسامي بالمجتمع عن محاقر الوجود ؛ فهلم منطق حقوبك ، وبادر إلى اصطناع الرجال . الرجال ، وأودع قلوب الناس محبة أبدة للخالق والمخلوق ، وكن حديثا حسنا يبقى به حميد ذكرك وكريم منالك وشرف اثارك ، واجه عدو سيدك وربك ، وليزودك الله التقوي ، وليستخلف فيك الخير حيث ما كنت " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " .
روي أن الهيئة الإدارية لجماعة من أنصار الفضيلة . انعقدت ذات مساء في عاصمة مملكة صغيرة من ممالك أوربا الوسطى ، وانبري شاب جريء أثناء انعقاد الجلسة ، ليستأذن في الذهاب إلى قرية مجاورة ، فأنذروه بالمشاق والاضطهادات التي سيلقاها هناك . إلا إنه قال : " لابد لي من الذهاب بآية حال ، ومن فتح له باب الخير أفلا ينتهزه ، فإنه لا يدري متى يغلق عنه . .
ليس في كل ساعة وأوان تتهيا صنائع الإحسان
فإذا أمكنتك تقدمت فيها حذرا من تعذر الإمكان
ومضي ونجح في بيع عشرين نبذة ، وتوزيع كثير من النشرات الصغيرة ، التي تذيع رسالة الفضيلة ، ولما تأهب للرجوع إلى بيته في المساء ، ترصد له جمع الأجلاف الأغبياء ، خارج القرية وضربوه وركلوه . وعذبوه وهشموا أسنانه . وكسروا ساقه ورضوا ذراعه وفلقوا رأسه وتركوه غائبا عن صوابه . . وحسبوا أنه قد فارق الحياة . ثم أقبل رجل محسن لينقله من مكان الحادث ، ولما وجد بقية من الحرارة في جسمه ، سارع إلي انخاذ الإجراءات اللازمة ونقله إلي أقرب مستشفى . ولما سمع أعضاء الجماعة بما أصابه ، بادر نفر منهم إلى زيارته .
وقال أحدهم : إن ذلك المسكين المقدام لم يكن يقوي على تحريك شفتيه ، بل الظاهر أن اقل اختلافه من جفنيه ، كانت تسومه جهدا بالغا . ولكننا وقفنا قرب سريره ، لا تحير صنيعا أو كلاما . فأشار إلى رئيس الجماعة ، لكى يدنو منه قليلا ، وحين انحني عليه ، همس الجريح المدنف قائلا : أخبر الرفاق أني جد سعيد . وحاول أن يبتسم . .
ولكن يرى مشرقا وجهه ليرغم في بذله من رغم ويذكر الذين شاهدوا تلك الابتسامة أنهم لم يروا طيلة حياتهم ما يضارعها في إشراقها وعذوبتها . ويسترسل محدثنا فيقول : " نري كم من الناس يستطيع في مثل هذا الموقف الموجع أن يقول : إني جد سعيد "!!.
إن معضلات الحياة ومشكلاتها ، تباغتنا وتطبق علينا وتلاحقنا . ولا بد لكل منا أن يجد فيها الكرامة والهوان . لم ينج من خيرها أو شرها أحد
فاذكر شوائبها إن كنت من أحد
خاضت بك الخلة الحمقاء غمرتها فتلك أمواجها ترميك بالزبد
بيد أن هذا المبدأ القويم بعينه ، يهيب بنا في تلك الغمرات الثائرة قائلا : إذا أبرم أمر بالسداد والصواب ، صار عناؤه راحة ، ووعره ذلولا ، وصعبه سهلا غير ممتنع .
كان أحد الصبيان يجد برحا بارحا ، في حل مسألة حسابية ، وبعد محاولات كثيرة من جانبه ، طلبت منه المعلمة أن يتسل من مكانه . وخفت إليه وجلست عند النافذة قربه لتعاونه . وأخذا ينتقلان خطوة بخطوة في طريق حل تلك المسألة المعقدة . وسطعت ابتسامة متألقة على وجه الصبي ، حين وصل إلي الجواب الصحيح في تلك المسألة وهتف قائلا : " إنها جد سهلة يا أستاذة ، حين ترتادين لها وجوه الحل الصائب " . ولما قفلت المعلمة راجعة إلى منصتها ، راحت تفكر هي الأخرى في مسألة تكافها خطة شديدة ، إذ تطالبها بأمر لا تريد أداءه ، وإن كانت توقن أنه حق واجب قويم . وكأنها قد عادت تلميذة من جديد ، وكأن المعلم الأعظم جل جلاله يسير إلى جانبها ويسألها في حنان : " هل أحصيت المواعيد الإلهية ؟ وهل جمعت آحادها ؟ هل نسيت أنها كريمة العهد تتبع عدتها بالإنجاز ، حيث القول : " يعطيك الرب نعمة وقوتي في الضعف تكمل " . فأجابت قائلة في تهيب : " لا يا سيدي . إنني لم أحصها " . وسألها ثانية ؛ " هل طرحت من حياتك الأنانية والأثرة والكبرياء والغيرة والحسد والسعاية ؟ "
وجاء اعترافها ثانية يقول في تلعثم : " لا ، فقد نسبت ! " فسألها مرة ثالثة : " وهل قسمت قلبك وحياتك ومواهبك ومقتنياتك لتقدميها لله ، ولتجودى بها علي إخوانك وأخواتك في الإنسانية " !.
فصرخت قائلة " إني لم أفعل شيئا من ذلك مع الأسف . فقد احتفظت بكل شئ لذاتي ، كي أنفذ الخطة التى أوثرها ولا أريد سواها ، مع أن هذه الخطة يجب ألا تؤلف جزءا من الحياة الموفورة التي أسبغتها علي يا خالقى " .
وترقرق ماء البشر في وجهها ، لأنها وجدت الحل الصحيح لرموز مشكلتها ، فجلت غامضها وأماطت حجابها ، وفكت معضلها وأوضحت منهاجها ، وهتفت بملء صوتها : " أجل إن مشكلتى سهلة حين يقتدح لحلها زناد الصواب الحق والسداد الاكيد.

