لعل اكثر الشخصيات جاذبية في تاريخ الاسلام . وأبعدها اثرا في تمكينه ونشره بعد الرسول ) ص ( - شخصيتا " أبي بكر " و عمر فقد أزروا الدعوة في شبابها ، وتعهداها بعد انتقال مؤسسها إلي الرفيق الاعلي : رفع هذا رايتها بعد ان كادت تعصف بها ازمة الردة ، وبني ذاك على أساسها إمبراطورية فتية ، وطيدة الدعائم مترامية الأطراف
كلاهما مجتمع مع الرسول في النسب - هذا في مرة وذاك في كعب ، وكلاهما يمت إلي الرسول ، صرة قوية محببة هذا بعائشة ، وذلك بحفصة ولكن كلاهما متواضعا خشن اللبس شديدا في ذات الله في وقف الاثنان أحدهما من الآخر موقف الأدب الجم والنصح الخالص ، لم تشب ردهما شائبة من الغيرة . ولم يكدر صفو الأخاء بينهما تحاسد أو تناظر ؛ ولو أن شيئا من هذا جري بين الرجلين ما كان في ذلك خروج على سنن البشرية ونوازع النفوس . وقد رزق كلاهما حظا موفورا من مضاء العزيمة ، ورجاحة الرأي ، وصفاء النفس ، والاخلاص للدعوة والتضحية في سبيلها ، حتى
استحق أولهما شرف الرففة في الغار ، والذكر في حكم التنزيل ، وحتي كان ثانيهما ليشير بالخطة على الرسول أحيانا فكأنما ينزل علي وفقها القرآن .
ولكن نواحي الخلاف بين هذين الزعيمين العظيمين لا تقل طرافة عن نواحي الوفاق : " فالعتيق كان اكبر من " الفاروق " سنا عند ما جهر " ابن عبد الله " بالدعوة وكان أسبق منه إلي اعتناقها (1) ويظهر أنه كان أكثر منه ثراء وأقوى نفوذا ، وهو في ناحية العامة يتمثل لك غالبا في صورة السياسي المرن المجرب ، العالم بأحوال قومه وانسابهم ، وحسناتهم ومعابهم ، المزن في كل خطوة يخطوها أو أمر يبرمه ؛ وفي ناحية الخاصة يبدو لك إنسانا رقيق القلب ينهمر دمعه إذا تلا القرآن او سمعه وبكي طربا إذا بشر بأنه سيرافق الرسول في هجرته . و عمر ، يتمثل لك في مستهل الاسلام شابا مفتول الساعد ، ذا وجدان هاج وعنف وشدة ، وإسراع إلي استنشاق الحسام ، وقناة لا تلين لغامز ، ويتمثل لك في أيام الخلافة أميرا ذا عزيمة لا يفلها الحديد ، وذا إدارة
وسياسة وسلطان ، ولكنك لا تزال تري فيه طابعه الذي يميزه بين الرجال : شخصية لا تعرف التوسط ولا المساومة ، موقفها إما في هذا الطرف وإما في ذاك
ومن الطريف ان " أبا بكر " على رقته ودقة حسه -يصلب احيانا حتي ليكاد ينسيك الجانب اللين منه بلغه مرة عن أبي سفيان صخر بن حرب " امر فأحضره وأقبل يصيح عليه ، وأبو سفيان يتملقه ويتذلل له ، وأقبل " أبو قحافة " (1) فسمع صياح أبي بكر فقال لقائده . على من يصيح ابي ؟ فقال له : على أبي سفيان . فدنا من أبي بكر وقال له : أعلى أبي سفيان ترفع صوتك يا عتيق ! لقد تعديت طورك وجزت مقدارك فتبسم أبو بكر ومن حضره من المهاجرين والانصار وقال له : يا ابت إن الله قد رفع بالأسلام قوما وأذل به آخرين . ويظهر أن رقة أبي بكر كان معها ما يحفظا توازنها من شدة وصلابة ، واجتماع ذينك العنصرين معا هو الذي ثبت أبا بكر في ازمة الردة ، وحفظ عليه تفكيره ، وسلامة تدبيره ، وجمع له مقاليد الأمور في أطراف الجزيرة
ومن الطريف كذلك ان " عمر - على ثورة نفسه التي بين جنبية ، وعلى ان كثيرا من المسلمين كانوا يهابونه أكثر مما يحبوبه ، وكانوا في كثير من الاحيان يمتنعون عن الأمر خشية من عمر أن يفسد عليهم إهابهم على الرغم من ذلك كله كانت له ناحيته المنزلة التي ظهرت في تدبير امر الامبراطورية الاسلامية ، وتدوين دواوينها ، ووضع الأنظمة العمرانية لها ؛ وظهرت كذلك في سياسته التي اختطها مع قواده وعماله ، تلك السياسة التي جمعت إلي القوة والمضاء بقدارا وفيرا من الروية وبعد النظر وحسن معالجة الرجال . وعلى أساس هذه السياسة ، يمكنك ان تفسر عزله " لخالد بن الوليد " بعد فتوحه الخالدة ، وإطلاقه يد " عمرو بن العاص " في فتح مصر ،
واحتفاظه " بالزبير " إلي جانبه في مقر الخلافة .
ويظهر أن الدعوات العظيمة وما يتصل بها أو يشابها من الهيئات والاحزاب لا بد لها من الرجلين معا : رجل يداوي جراحات السنان ، ويسوس باللين ، ويهادن الخصم ويصالحه ،ويتألف النافر ، ويضع الخطط في أناة وروية ؛ ورجل يقسو ليزدجر الأتباع والخصوم ، ويصرح حين يفعل التصريح ما لا يغني التلميح ، ويجرد السيف من غمده حين تدعو الحال إلي عنف وتهديد واجتماع هذين الرجلين مما هو الذي حسم الموقف يوم السقيفة ، وحفظ كلمة الإسلام من التبدد والضياع .
ومن الانصاف لعمر وحزمه ووفائه أن يذكر له أنه كان يعرف أين موقفه من أبي بكر ، وكان يحرص على ألا يتجاوز طوره من رفيقه الأكبر ، وعلى ألا يبرز في تنظيم أمور المسلمين إلا بقدر ، وكان لا يترك فرصة تمر دون أن يصرف الناس إلي أبي بكر ونواحي زعامته الموفقة . وكما كان عمر بقدر موقفه من أبي بكر ، ويفهم حدود وظيفته إلي جواره ، كان أبو بكر يفهم حواريه على حقيقته ، وينفذ إلي ما في خبايا نفسه من نواح رقيقة قد يغفل عنها بعض الصحابة ؛ قال " عبد الرحمن بن عوف " حين سأله أبو بكر رأيه في عمر : " إنه فيه غلظة ، وقال فيه " طلحة بن أبي عبيد الله " إذ دخل على أبي بكر في مرضه : " استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقي الناس منه وأنت معه ، وكيف به إذا خلا بهم . ولكن أبا بكر وعثمان ينفذان إلي دخيلة عمر فيريان فيه ما يراه علماء النفس الآن في أمثاله من الشخصيات التي يكمل باطنها ظاهرها ويصححه ، فيعلل أبو بكر غلظة عمر بقوله : " ذلك لأنه يراني رفيقا ، ولو أفضي إليه الأمر لترك كثيرا مما هو عليه ، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه ، وإذا لنت له أراني الشدة عليه ؟ ويقول فيه عثمان : " إن سريرته خير
من علانيته ، وليس فينا مثله
على أن شخصيتين كهاتين - إحداهما مطمئنة يغلب عليها عنصر التفكير ، والأخري متوثبة يغلب عليها عنصر الوجدان - لا مفر لهما من ان يظهر ما بينهما من البون النفساني الشاسع حين تصدمهما مدلهمة من صدمات القضاء ، او حادثة من حوادثة الجسام وهل هناك من حادثة تهز كيان الصاحبين وتكشف النقاب عن العنصر الأصيل في ذاتهما اشد هولا من حادثة انتقال صديقهما وزعيمهما المحبوب إلي الرفيق الأعلى ؟
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام " عمر بن الخطاب فقال : " إن رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله ) ص ( قد توفي ، وإن رسول الله (ص) ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسي بن عمران فقد غاب عن قومه اربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد ان قيل قد مات . والله ليرجعن رسول الله (ص) كما رجع موسي فليقطع من ايدي رجال وارجلهم زعموا ان رسول الله (ص) مات "
وأقبل " أبو بكر " حتى نزل علي باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس ، فلم يلتفت إلي شئ حتى دخل على رسول الله ) ص ( في بيت عائشة ، ورسول الله مسجي في ناحية البيت عليه برد حيرة فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ثم اقبل عليه فقبله ثم قال : " بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا " ثم رد البرد على وجه رسول الله . ثم خرج - و عمر " يكلم الناس - فقال : " على رسلك يا عمر ، أنصت فأبي إلا أن يتكلم . فلما رآه " أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا " عمر " . حمد الله وأثني عليه ثم قال : " أيها الناس ، إن من كان يعبد
" محمدا " فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت ( - ثم تلا هذه الآية " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين "
قال الراوي : " فوالله لكأن الناس لم يعلموا ان هذه الاية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في افواههم قال عمر : " فو الله ما هو إلا ان سمعت أبا بكر تلاها فمقرت حتى وقعت على الأرض ما يحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات " .
أرأيت إلي الفرق بين الشخصيتين ) أرأيت كيف صدم المصاب " عمر فأفقده اتزانه لحظة ، فرفض أن يصدق أن محمدا قد مات ! لا بل تهدد القائلين بذلك ، والمرجفين به تهددهم بأن محمدا سينهض من رقدته في قطع ايديهم وأرجلهم ! ثم أرأيت إلي أبي بكر كيف جاء فأدى حقوق الصداقة اولا ، ثم لم يقف طويلا علي جثمان النبي يندبه ويبكية ، ولكنه خف إلى المسلمين يذكرهم أن الأمر ليس أمر شخص يموت فتموت رسالته ، وإنما هو رسول قد خلت من قبله الرسل ، وقد مات كما ماتوا ، وعلي اتباعه أن يتعهدوا غرسه ، وينفذوا خططه ، ويتمموا الأمر الذي بدأه
هذه الصدمة التي أصابت عمر فهدت ركن عزائه ، كان لها أثرها عنده إلى حين ، ويظهر أنها بقيت تحز في نفسه أياما ، وان المسلمين تكلموا فيها وتساءلوا عن سر عباراته فيها ، حتى اضطر هو ان يعتذر عنها بعد وأن يحاول تفسيرها ؛ فإنه لما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد ، جلس أبو بكر " على المنبر ، فقام " عمر فتكلم قبل ابى بكر ، فحمد الله واثني عليه بما هو أهله ، ثم قال : " أيها الناس ، إني قد كنت قلت لكم بالأمس
مقالة ما كانت إلا عن رأيي ، وما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله ) ص ( ، ولكني قد كنت أري أن رسول الله سيد بر امرنا حتى يكون آخرنا ؛ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله ، فان اعتصمتم به، هداكم الله لما كان هداء له ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا فبايعوا .
ويتحدث ابن عباس فيقول : " والله إني لأمشي مع عمر في خلافته ، وهو عامد إلى حاجة له ، وفي يده الدرة وما معه غيري . فقال ) يا ابن عباس ، هل ندري ما حمل على مقالتي هذه التى قلت حين توفي رسول الله ؟ : قال : " قلت لا أدري ) أمير المؤمنين ، أنت أعلم " قال : " والله ان حملنى على ذلك إلا اني كنت اقرا هذه الآية : ) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ، فوالله إني كنت لأظن أن رسول الله سيبقي في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ، فانه للذي حملني علي ما قلت
والواقع أن موقف عمر أمام هذه الصدمة ، والتعليل الذي ساقه بعد يتركان النفس وفيها حاجة إلي المزيد ، ولولا أن عمر رضوان الله عليه تطوع بالتعليل لرجح الباحث أن المسألة لم تكن وليدة تفكير ، ولا نتيجة منطق رؤى فيه عمر وكون على أساسه رأيا راه ، ولكنها كانت أثر الصدمة العنيفة تنقض على أمثال عمر من أصحاب الشخصيات الوجدانية فتفقدهم لحظة ما ثباتهم وتفكيرها السليم ، ثم لا يلبثون أن يفيقوا من أثر الصدمة أقوياء النفس والعزيمة والجنان . وربما كان لهذا الترجيح سند فيما ترويه كتب السير من أن الرسول نفسه تحدث إلي المسلمين في شأن موته قبيل أن يموت ، فإنه لما رأي الأنصار اشتداد المرض على الرسول أحاطوا بالمسجد فأخبره الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب بذلك ، فخرج متوكئا على علي والعباس ، والفضل أمامهما ، وكان
الرسول معصوب الرأس يخط برجليه ، فجلس في أسفل مرفاة من المنبر ، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : " ايها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم ، وهل خلد نبي قبلي ممن بعث الله فأخلد فيكم الا إني لاحق بربي ، وإنكم لاحقون بي ، فأوصيكم بالمهاجرين الاولين خيرا . وأوصيكم بالأنصار خيرا " .
ومن الطبيعي ان يكون أبو بكر وعمر قد سمعا بأمر هذه الخطبة وفحواها ، إن لم يكونا قد حضراها ، وإذا تكون الفكرة التى ضمنها أبو بكر خطبته بعد وفاة الرسول قد أوحتها إليه خطبة الرسول ، وإذا يكون عمر قد علم من قبل أن محمدا لا محالة ميت ، وتكون صدمة الوفاة قد أنسته هذا العلم حتى أذكره أياه أبو بكر في خطابه في جموع المسلمين أمام منزل الرسول . والرواية التاريخية المعلولة تذهب إلي أن أبا بكر لما بلغه خبر الوفاة أقبل حتى دخل على الرسول ) ص ( وهو مغطي بثوب فكشف عنه وقال : " بأبي أنت وأمي ، طبت حيا ، وطبت ميتا ، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مصلاة ، وعممت حتى صرنا فيك سواء ، ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنقدنا عليك ماء الشئون ، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتخالفان ولا يبرحان ؛ اللهم فأبلغه عنا السلام ، أذكرنا يا محمد عند ربك ، ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلقت من الوحشة . اللهم أبلغ نبيك عنا ، واحفظه فينا ثم خرج إلي الناس وخطب خطبته المشهورة
رحم الله الصاحبين قدر ولائهما للاسلام ، ووفائهما لرسوله ، وبلائهما في سبيله ، وهدانا إلى اقتفاء اثارهما ، وتخليد ذكراهما

