قرأت في الرسالة النيرة (عدد ٩٩٨) كلمة قصيرة للزميل الأستاذ عبد القادر الناصري عن (الصحافة الأدبية في العراق) وكنت، وأنا أطالع تلك السطور أتوقع أن أجد تحليلا دقيقا لصحافتنا الأدبية وأسباب تأخرها والعمد التي يمكن أن تقوم عليها نهضة أدبية شاملة. . . ولكني لم أجد إلا أمورا شخصية: اتصل به بعض شعراء البحرين والكويت والقطيف وعدن. . . واستفسروا منه، وقابل بعضهم وتجادل معهم (وذكر أسماء من قابلهم) . . . الخ. . . ثم تطرق إلى موضوع امتياز مجلة أدبية طلب إصدارها ففشل وثمة توضيحات أريد أن أذكرها:
(١) ليس السيد الناصري هو أول من قدم طلبا لإصدار مجلة ثم فشل، هناك كثيرون غيره قدموا طلباتهم ومازالوا ينتظرون، وهؤلاء لا يقلون كفاءة عنه، وإخلاصا لما أقدموا عليه.
(٢) وجه الكاتب لوما وتقريعا إلى السلطات التي لم تمنحه الامتياز، وكان يجب عليه ألا يشغل نفسه وتعبها بذلك. إنني لا أريد الدفاع عن مديرية الدعاية العامة عندنا، عفواً، فهي دائرة لا تعمل إلا بإيحاء من رجال الحكم؛ وهي لا تعطي امتيازات لشخص إلا بعد أن يثبت تلعقه وإخلاصه لرجل من رجال الحكم، أو الولاء لأية وزارة تأتي إلى الحكم، ولكني كنت أود ألا يهتم الزميل بمثل لهذه الأمور التي أصبحت بديهية ومعروفة.
(٣) قال (بعدم جود مجلة أدبية راقية تمثل الأدب العراقي المعاصر خير تمثيل تستحق أن تكون سفيرا بيننا وبين البلدان العربية الأخرى) وهذا صحيح، وكان الأحرى به أن يذكر أن هناك مجلات تمثل الأدب العراقي المعاصر، صدرت، ولكنها لم تر النور كثيراً، وأن يذكر العوامل التي أدت إلى ذلك.
(٤) أفهم من كلمته أن ليس في العراق مجلة أدبية، بينما كان الواجب أن يوضح ذلك مع ذكر الصحف الأدبية التي تصدر في (النجف) هذه الصحف التي تغالب الصعوبات وتقاوم (الاحتجاب) ! فمجلة (الغري) مثلا مجلة أدبية راقية ينشر
فيها كتاب العراق ومؤرخوه، وهي لا تقل نجاحا وقوة عن المجلات الأدبية الصادرة في لبنان ومصر؛ كما تعتبر (البيان) منبرا حر لآراء الشباب وأفكارهم
وكان بودي أن أذكر تأريخ الحركة الصحفية في العراق اعتباراً من عهد الاحتلال البريطاني حتى اليوم، لولا أن ذلك يحتاج إلى شرح مسهب ووقت ليس قصيرا مما قد أفرد له مقالا خاصا في وقت آخر. غير أن من الضروري أن أبين العوامل التي يمكن أن تقوم عليها صحافة ونهضة أدبية مباركة:
(١) أرى أن العامل الأول هو توفير مطابع راقية تقوم بطبع الصحف الأدبية بأجور بخسة، على أن تقوم بهذه المهمة دور للنشر والطباعة يعتمد عليها. وهذا عامل له أهمية في صحافتنا الأدبية التي تعاني غلاء الورق وأجور الطباعة الباهظة.
(٢) رأس مال ضخم أو مناسب لإصدار صحيفة راقية يمكن أن تصمد طويلا أمام العقبات، مع مساعدة (جمعية الصحفيين) لها في حالة (الركود!) إذ الصحف الأدبية عندنا ليست كالسياسية اليومية التي تعتمد أكثرها على مساعدات و (مخصصات سرية) تعينها على (البقاء) !
(٣) تأليف الجمعيات للأدباء والشعراء وإنشاء النوادي لهم وجمع التبرعات والقيام بإصدار مجلة خاصة لهم.
(٤) إفساح المجال لأقلام الأدباء والشعراء وإنتاجهم، وإعطاؤهم الحرية الكاملة للتعبير عن أفكارهم، وتشجيع الأكفاء منهم باستمرار، ومساعدتهم بشتى الوسائل
(٥) نتاج متين قوي؛ وأحسب أن هذا موجود في العراق في أي وقت. . فهناك مواهب وقابليات كامنة، لا تزال (بالقوة) ولم تخرج إلى الفعل بعد! مع أهمية انصراف الأدباء والشعراء لأدبهم وفنهم، والخروج من وظائفهم الحكومية التي تحد من نشاطهم وحريتهم.
إن هذا لا يمنعنا من القول أن قيام نهضة أدبية ناجحة في العراق ليس أمر بعيدا، بل على النقيض نجد الجهود اليوم تتضافر للعمل لخلق تلك النهضة. وفي رأيي أننا يجب أن نتفاءل فأمامنا طريق يجب أن نعبده بأيدينا وجهودنا.
بغداد

