الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 233الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب فى أسبوع :، (( ... هذا رأيى ، وعلى تبعته وحدى ... ... ))

Share

المعاهد الدينية أيضا - يقظة الضمير ...

المعاهد الدينية أيضا :

كتب إلى (( أزهرى )) بقول من رسالة طويلة :      (( ... لقد كنت فينا مرجوا قبل هذا ؛ فكيف بالله تغيرت عما عهدناه فيك وعما رجوناك له فكتبت ما كتبت عن المعاهد الدينية (١) ؟ ... ...

(( ... على أنى لم أفهم قصدك ؛ أتريد أن تقول إن هذه المعاهد الدينية لا نفع فيها وليس لها مكان فى هذه الأمة التى انخلعت من ماضيها وبرئت منه ومضت على وجهها فى طريق لا تعرف آخره ولم تفكر فيه ؟ ... إننى أربأ بك أن يكون هذا قصدك ... ، ولابد أن يبقى هذا الأزهر وروافده (( مثابة للناس وأمنا )) تثوب إليه هذه الأمة حين يضنيها السير فى هذه المتاهة التى تضرب فيها على غير هدى وإلى غير غاية ... ...

(( ... وتقول فى كلمتك : (( إن الأزهر قد أنشئ على منهج علمى خاص يوائم حاجات الناس فى شئون الدين وفى شئون الحياة طبقا لمقتضيات عصره ... فإما أن تعود الأمة إلى مثل ما كانت فى ماضيها ويبقى الأزهر حيث كان ، وإما أن يتجدد الأزهر ؛ أما بقاؤه حيث هو اليوم والأمة حيث هى فشذوذ وخطل وغفلة )) . هكذا قلت فيما كتبت ؛ وهو أسلوب له منطوق ومفهوم ، وظاهر وباطن ؛ ولولا أن لى فيك رأيا لا يسهل على أن أغيره لظننت بك الظن ؛ ولكنى مع ذلك لم استطع أن أبرئك ، لأنى لم أستطع أن أفهم قصدك واضحا على طول ما حاولت ... ،

(( ... ومضيت فى قولك بعد هذا تبدئ وتعيد وتدور حول نفسك من غير أن تنتهى إلى رأى واضح أو اقتراح عملى ، ولكل جملة فى كلامك مفهوم ومنطوق ، وظاهر وباطن ؛ أفلم يكن أجدر بك أن تقترح الرأى حين عرضت المشكلة ؛ أم تراك قد خشيت سوء العاقبة ؟ ... ))

هذه مقتطفات من رسالة (( الأزهرى )) الأديب ، لم أحذف منها إلا ما رأيته خاصا بى من إطراء أو من تعريض أو من توريط ... ...

ويبدو أن (( الأزهرى )) الكاتب لم يعجبه ما كتبت عن المعاهد الدينية فى جملته دون تفصيله ، لسبب لم أتبينه ، أو لا أريد أن أتبينه ؛ فلعله سبب يتصل بشخصه ، أو بعيشه ؛ فهو لم يجد شيئا فيما كتبت جديرا بالنقض أو بالاعتراض إلا أن يسألنى أن أوضح له القصد أو أقترح الرأى ؛ أما المشكلة كما عرضتها فلم يناقشها سببا ولا نتيجة ...

لقد قلت إن الأسلام فى حقيقته لا يعترف بشئ مما يسمى عند غيرنا (( رجال الدين )) فما ينبغى أن يكون الأزهر معهدا لذلك وحده ؛ وقلت إن المعاهد المدنية التى تعد خريجها لاكتساب العيش والتأهل للحياة يجب أن يخضع لقانون (( الإحصاء والحاجة )) ، حتى لا تنشئ نوعا من البطالة يفرض على الشعب والدولة والحياة الاجتماعية فروضا لا قبل للوفاء بها ...

ذلك ما قلته ، وهو قول صريح الدلالة ، صادق المنطوق والمفهوم ، متلاءم ظاهره وباطنه ؛ فإذا كانوا يريدون الأزهر معهدا لتخريج (( رجال الدين )) فقد بطل موضعه ، وإن أرادوه معهدا يؤهل للحياة المدنية وجب أن يحدد عدد طلابه بقدر ما تدعو إليه الحاجه ...

ماذا أقصد بعد ذلك وماذا أقترح ؟ ... لست أقترح شيئا ، وإنما عرضت المشكلة ليرى فيها كل ذى رأى

رأيه ؛ وذلك كل ما قصدت إليه بريئا من الهوى والغرض ؛ فإن كان فى هذا العرض نقص أو فى مقدماته خطأ فليكمل هذا النقص من شاء أو يصححه ؛ وليس على علاج كل ما أعرض من مشكلة وحسبى أننى شخصت العلة ...

وما أنكرت رأيى خشية سوء العاقبة كما زعم قائلها ، ولعله لو تتبع كل ما أكتب فى هذا الباب لعرف صريح مذهبى ؛ فقدت التزمت فى كل ما أعالج هنا من موضوعات الكتابة أن (( أتجرد )) ، فإننى لأعرض المسألة بأسبابها ومقدماتها وألقى عليها الضوء الكاشف ثم أمسك ، لأدع لكل قارىء أن يرى رأيه فلا أفرض عليه رأيى ؛ وكذلك فعلت فى هذه المشكلة .

... أم هو يخشى ان تنتهى به هذه المقدمات إلى النتيجة التى لا يرضاها فيهرب من الاعتراض الصريح إلى سؤالى : ماذا تعنى ؟ ماذا تقترح ؟ ... ، لا ليس هذا هو الوجه ، وإنما الوجه أن يزيف ما أسلفت من أسباب ومقدمات ، (( وعلى تبعة الرأى وحدى ! ))

يقظة الضمير :

ويسألنى سائل :       (( أنت بينت رأى الإسلام فيما سماه محرر ((الأهرام)) صندوق يقظة الضمير (١) ، وقلت إن التائب من ذنب يتعلق بحق من حقوق العباد لا تقبل توبته إلا أن يرد إلى كل ذى حق حقه ؛ فان كان صاحب ذلك الحق بحيث لا يمكن أن يرد إليه حقه ، كأن مات أو خفى أثره أو كان غير معروف على التحديد ، وجب أن يودعه فى (( بيت مال المسلمين )) كما نسميه ، أو فى (( صندوق يقظة الضمير )) كما يسمونه فى أوربا ...

(( ذلك حق ، وهو أدب الإسلام الذى تأدب به

أسلافنا فبلغوا ما بلغوا ؛ فكيف غاب عنا معناه اليوم وعقلوه فى أوربا ، فكان فى كل بلد من بلادهم (( صندوق يقظة الضمير )) ولا ضمير لنا ، حتى ليقتلع السيد الغنى حجارة المسجد ليبتنى بها غرفة فى قصره للشراب والغناء واللهو الحرام ؟ ... ... ))

ولست أنكر شيئا مما قال السائل ، وإنه ليجد الجواب فيما أقص عليه :

١ - صديقى فلان موظف فى الحكومة ، رأيته ذات يوم يحمل فى حقيبته رزمة من ورق الحكومة إلى داره ؛ فقلت له : أتراك تعمل فى الدار بعض عمل الحكومة ؟        قال : لا ، ولكنه لولدى يؤدى به بعض عمله المدرسى!        قلت : ولكنك لا تملكه ، فكيف جاز لك ؟

فابتسم وقال : أليس من حق ولدى على الدولة أن يتعلم ؟ ولكنها لا تعلمه إلا بما أدفع للمدرسة من مصروفات أقتطعها من قوتى ! ... أو ليس من حقى على الدولة أن تعيننى على تربية بنى وإنى لعائل كثير الولد ؟ ولكنى لا أقبض من المرتب إلا مثل ما يقبض زميلى العزب وإنه لخفيف الظنهر ليس عليه إلا نفقة نفسه ! ... أو ليس من حق ولدى على مدرسته أن تعطيه ما يحتاج إليه من (( أدوات )) وقد دفعت إليها ما طلبت من أجرة ؟ ولكنها لا تعطيه ما يفى بالحاجة ولا تزال تسأله كل يوم أن يدفع ثمن أدوات جديدة ! ... وتسألنى بعد ذلك كيف جاز لى وإنه لحقى ! !

٢ - وذلك عامل فى مصنع يعمل بأجر يومى ، يجد إذا حضر صاحب العمل ويلهو إذا غاب ؛ فإنه ليعمل من اليوم نصفه ويقبض أجر اليوم كله . قلت له : ألا تخاف الله ؟ إنك لتخون الأمانه وتستحل أجرة بلا عمل !

فابتسم العامل كصاحبه ذاك وقال : تسألنى كيف أستحل أجرة بلا عمل ؛ وكان حقيقا أن تسأل غيرى :

كيف تستحل عملا بلا أجرة ؟ ماذا يعطينى صاحب العمل وماذا يأخذ منى ؟ إن ما يقدره لى من أجرة على عمل اليوم لا يكاد يكافىء عمل ساعة ؛ ولست أملك أن أطلب زيادة الأجرة حتى لا يستغنى بغيرى عنى ، ولكنى أملك أن أعطيه من العمل على قدر ما يعطينى من الأجرة وأدخر عافيتى ؛ فإنه ليأخذ حقه كله وإن خيل لك غيره ، وما خنت الأمانة ولا استحللت أجرة بلا عمل !

٣ - وذلك فلاح فى حقله ، رأيته يشوى الذرة من حقل جاره فيأكلها وإن فى حقله ذرته ؛ فسألته : كيف طوعت لك نفسك أن تفعل ذلك فتبخل بمالك على نفسك وتسرق جارك ؟

وابتسم ابتسامة صاحبيه وأجاب ؛ لست أسرق ولكنه حقى ؛ لقد مال جارى على الحد الفاصل بين أرضينا فغصبنى بضع قصبات زاد بها مساحة أرضه ، ولم أملك أن أسترد حقى لأنه ذو جاه ومال وعزوة ، فتركت له ما غصب ولكنى لا أترك له ثمره ؛ فهذه الذرة التى أكلت هى حصاد أرضى التى يملكها غصبا ؛ فهل ترانى بذلك أبخل بمالى لأسرق جارى ؟ ...

. . . هؤلاء الثلاثة الذين قصصت قصتهم يعيشون بيننا ، وإن لهم مآلافا من الأشياء فى كل ديوان ، وكل مصنع ، وكل حقل . أترى واحدا من هؤلاء ، وأشباههم يعترف على نفسه بخطيئة وإنه ليعيش فى هذا المجتمع ؟ إن فى قرارة نفس كل واحد منهم (( قاضيا )) يفتيه فيقنعه ، لأن كل ما حوله من أسباب الحكم يقدم له أسباب المعذرة قبل الذنب ؛ وما دامت (( الجماعة )) التى تعيش فيها ليس لها ضمير اجتماعى يعترف لكل فرد فيها بحقه فليس لفرد فيها ضمير يعترف لها بحق عليه ، وإنما يحل الحلال ويحرم الحرام حين يشعر كل فرد فى الجماعة أنه مكفول الحق الشخصى ، والحق الإنسانى ؛ فإذا ما وقر فى نفس فرد واحد من الأمة أن حقه مضيع إن لم يأخذه لنفسه

بنفسه ، فقد سقط عنه التكليف وزالت عنه التبعة ، إلا من تحرج عن الشبهات وآثر على نفسه ؛ وهى مرتبة فوق مرتبة العامة .

ليس فى مصر صندوق من نوع (( صندوق يقظة الضمير )) يتبرع له بما يتبرع كل متحرج عن إثم أو شبهة فى مال تطهيرا لنفسه . نعم ، لأنك لا تجد فى مصر طامعا فى مال حرام إلا وفى يقينه أنه يسترد حقا مسلوبا ، فإنه ليستحل ما يسلب وما يسرق كأنما يسترد ماله المغصوب وقد عجز (( القاضى )) أن يرده إليه بقوة حكمه !

ليت شعرى أين نطلب يقظة الضمير بادىء ذى بدء ، فى القاضى ، أم فى المتهم ؟ أما إن القاضى لو عدل لكان المذنب حريا بأن يستيقظ ضميره !

اشترك في نشرتنا البريدية