معركة السلام ! - أدباؤنا العشرة ) - نحن الأدباء - مخالفات أدبية ! عدو المرأة - تناقض !
معركة السلام !
انتهت معركة السلام .. إلي السلام بين العقاد وتوفيق الحكيم ، ونقضي - سرورا بهذه النتيجة عن شئ من الاسراف في " التأويل " و " الاستنباط " و " الحكم " أوشك في بعض مراحل المعركة ان ينقلها من ميدان إلي ميادين :
على أن شيئا من بعض مظاهر هذه المعركة الطريفة لا ينبغى أن تغفل إثباته ، هو أن شيئا من " العنف " في ناحية كان يقابله في الناحية الأخري لون من " التسامح " بشبه " التسليم " وإن لم يستسلم ؛ ولعل هذا هو الذي عجل بانهاء المعركة , وحسبك بما ينتظر القراء من معركة أحد طرفها العقاد ! . . ولكن في الطرف الثاني كان توفيق الحكيم
أدباؤنا العشرة !
.. وشيء آخر " علي هامش المعركة " يثير طرفا من الحديث ؛ فقد جاء في آخر مقال لتوفيق الحكيم بالعدد ٤٦٦ من الرسالة :
" . . أدباء مصر البارزون الدائبون على الانتاج لا يتجاوز عددهم العشرة مع التسامح الشديد . . " . . وكان الأجدر بنا - نحن العشرة ! - أن توجه صراعنا لا إلى بعضنا البعض ، بل إلى الفن ومصاعبه وأسراره ! " .
عشرة . . نعم ، إنهم توفيق الحكيم وتسعة معه - مع التسامح الشديد ! - هكذا يقول توفيق
الحكيم ؛ ويتنبه القارئ العربي من غفلة ، فيسأل : أكل هذا الدوي الصاخب في المشرق والمغرب يحدثه عشرة نفر ؟ . . باللمجد ! ويرفع القارئ عينيه عن صحيفته ليعد ويحصى ويعرف من هؤلاء العشرة ، فيختلط عليه الرأي وتتزاحم الأسماء ؛ لعلهم اقل من ذلك عددا ، أو لعلهم أكثر ؛ ولكن من هم ؟ . هذا هو السؤال فمن ذا يجيب ؟ وإن فيه لمجالا للاستفتاء ، وإن شيطاني ليغرينى بأن أتوجه به إلى قرائي لأعرف ويعرفوا ؛ ولعلى بهذا الاستفتاء ابذر بذور معركة اخرى ، أو معارك ؛ وإني ليحلولى - كما قدمت في بعض ما سبق من حديث في هذا الباب - أن أشهد معارك الأدباء !
فهيا ، هيا يا قرائى . . من هم ادباؤنا العشرة ؟ . بل التسعة ، فإننا نعرف منهم توفيق الحكيم إنني أنتظر !
نحن الأدباء
ويسأل قارئ : ما بال توفيق الحكيم يتحدث عن نفسه بهذا الأسلوب ، وهو الذي نعي على الأدباء في أول مقال يدعوهم به إلى السلام أن يتألهوا ويغالوا بأنفسهم ؟ ما باله يجعل في بدء مقاله : " نحن العشرة " ، ويجعل في خاتمته :
" . . ثم اتسعت آفاقي باتساع مطالعاتي في أصول هذا الفن في الآداب الأجنبية ، وضاقت بي مصر فرحلت إلي فرنسا
" . . ولكن أي شيطان في أعماقي كان يدفني إلي إضاعة حياتي وراء فن لم يكن له بمصر اي احترام ؟ . .
" . . ولبثت في هذا الجهاد زمنا لا أجد في آدابنا العربية مرجعا لهذا الفن ولا مصدرا محترما يجعلني ابدا منه أو أضيف إليه ؛ ) إنما كان على أنا أن أخلق البداية خلقا .
ماذا يقول ؟ . . لعل كل ذلك حق ؛ ولكن أين موضعه من موضوع ذلك المقال ؟ وكيف نسي أنه بدأ هذه
المعركة يعيب مثل ذلك على الأدباء ؟
إن القارئ ليسأل ولكني لا أملك الجواب ؛ نعم لأسأل معه : ماذا يحمل كثيرا من أدبائنا ، صغارهم وكبارهم ، العشرة ومن وراء العشرة - على الحديث عن أنفسهم بمثل هذا الإطناب ؟
ويخيل إلي أنني أعرف الجواب ؛ فهذه هي النتيجة المحتومة لمثل حالة النقد الأدبي في مصر .
لو كان في مصر نقد أدبي صريح بنوه ويوجه ما وجدنا هذه الظاهرة الفاشية في كثير من أدبائنا المعاصرين . إن الأديب بشر من الناس ، بل لعله أكثر البشر إيمانا بنفسه وإحساسا بوجوده ؛ وإن له لحقاً علي قارئه أن يعرفه ، فان لم يعرفه فلا عليه أن يسعي بنفسه ليتعرف إليه ويقول له : هأنذا ! . . إن فيه من أخلاق المرأة : إن لم تجد من يقول لها " ما أحلاك " أسرعت إلي مرآتها لتقول لها " ما أحلاني " سواء في ذلك المليحة والشوهاء الدميمة ؛
فان كان أحد يعيب على أديب من الأدباء ، أو دعي في الأدباء ، أن يقول : " هأنذا ؛ " فليدلني على الناقد الذي يقول مخلصا من واحد من هؤلاء أو أولئك : " ها هو ذا ! " وإلا فليدعه ومرآته !
محالفات أدبية !
ويدعوني ذكر حديث الأدباء عن انفسهم إلى حديث يمت إليه بسبب ، هو حديث المحالفات او المحاور الأدبية في مصر - قياسا علي محور " برلين - روما " في السياسة - ولا بأس أن نستعير هذا التعبير من أساليب الحرب في الدلالة على مثل معناه في لغة الأدب ؛ فكما تجد أقطاب السياسة في برلين وروما بعضهم لبعض ظهير على الحق والباطل - تجد هنا طوائف من الأدباء . . فثمة محور " الصاوي - توفيق الحكيم " ، ومحور " على طه - الصاوي " ، ومحور " مصطفى أمين -
كامل الشناوي " ، ومحور " محمود غنيم - الأسمر " ، وهلم جرا .
هذه المحاور هي لون آخر من الحديث عن النفس بلسان الغير ، وهي أيضا أثر لفقد الناقد الصريح الذي ينوه ويوجه ؛ فلو وجد هذا الناقد ما كانت هذه الانفاقات " الثنائية " ليظاهر بعضها بعضا على الحق والباطل ، فلا يكاد احد الشريكين في محور من هذه المحاور ينشئ حديثا ، أو يكتب مقالا ، أو يؤلف كتابا ، أو ينظم قصيدة - حتى ينتضي شريكه في المحور قلمه لينوه ويشيد ويطنب ويطرب . . .
لست أعيب على هؤلاء ما رسموا لأنفسهم من نهج ، ولكني ألوم الناقد ؛ لقد أخلى الناقد مكانه ونزل عن حقه في التنويه والتوجيه ، فزعم " المؤلف " لنفسه ان من حقه أن يكون " ناقد نفسه " ولا عليه أن يضل الجمهور أو يهتدي !
عدو المرأة
ماذا ؟ . أليس لدي من حديث في هذا الأسبوع إلا عن توفيق الحكيم ؟ ولكن توفيق الحكيم - وهو العشر من أدباء مصر مع التسامح الشديد - ليس عجيبا أن يشغلني بالحديث عنه طول الأسبوع ! . . وماذا أيضا ؟ . .
توفيق الحكيم يزعم أنه عدو المرأة : هذا حديث قديم ، وإنه ليعني بأن يؤكد هذا المعنى في كل ما يكتب عن المرأة ؛ ولكن ليت من يدري كما أدري
إنه ليخيل إلي أن في المرأة سرا من سر " أولياء الله " فما غالبها أحد إلا غلبته ، ولا تمرد على سلطانها متمرد إلا قهرته وردته إلى الطاعة والاستغفار
لقد قلت منذ أسابيع في بعض ما كتبت عن توفيق الحكيم : إن " عقدة نفسية " تملي عليه الرأي من وراء " الواعية الباطنة " في كل ما يكتب عن المرأة وتقفه
منها ذلك الموقف في حياته وفي أدبه فمن شاء أن يعرف ما هذه " العقدة النفسية " فليقرأ قوله في العدد ٤٦٦ من الرسالة :
" . . إنني لم أنتفع بقدر ما أضعت ، فان الشهرة قد جاءتني حقيقة ببعض المال . . ولكن ، هل كنت محتاجا إلى ذلك المال ؟ . أجاءتني بالمركز الاجتماعي ؟ . . كلا ، فقد كنت قبلها من رجال القضاء المحترمين ، ولو أني بقيت كذلك ، ولا شيء غير ذلك ، لظفرت بالحياة الهانئة الهادئة . . ولتزوجت الزوجة الصالحة وأنجبت الأولاد البررة المفلحين . .
" . . لقد جاوزت الأربعين وما ابصر في الأفق بعد طيف واحة مورقة في صحراء حياتي المحرقة ! ما قيمة الشهرة بغير سعادة ؟ وفيم الأدب والفن بغير هناء ؟ . وأسفا يا صديقى !.. أمن هنا كانت عداوتك للمرأة ؟ . . ولكنها عداوة الفقير لكل ذي مال ؛ لا ، بل إنه " شوق الحرمان ، يتمثل لهفة وحسرة ويبدو في زي عداوة ؛ لا ، بل إنه " برهان الحب " الذي يعطل ملكة الحكم فيري غير ما يري :
ولكن ما كان اقساك يا صديقى في عداوة من تحب أكذلك يمتزج الحب والحرمان والكبرياء فينشئ عداوة ؟ .
معذرة ، لقد أسأت التعبير كما أسأت أنت الحكم ؟ إنها لم تنشئ عداوة ؛ أرأيت الأم تضم وليدها إلى صدرها فتشد ذراعيها حوله حتى لتوشك أن تحطم أضلاعه وما بها عداوته ؟ . . أو رأيت الفتى النشوان بضم راحته على الزهرة العطرة فيهصرها حتى تنتثر أوراقها وما به إلا أن يستوعبها من فرط النشوة عطرا ومادة ؟ .
ما أشبه صورة بصورة يا صديقى وما أشبهك في عداوة المرأة
تناقض
في مصر مجلة اسمها " المجلة الجديدة " ولكنها ليست
جديدة ، لأنها تحاول أن تبعث من تحت التراب تاريخا مات في مصر منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة . .
على أن هذا التناقض بين اسمها ودعوتها ليس هو كل ما هناك من متناقضاتها ، ولكنه عنوان على كل ما فيها
١- فهي تزعم أنها تدعو إلي الاشتراكية والمساواة ومحاربة الفقر والجوع ، ولكنها تقول إن الزكاة نظام بال لا يتفق مع مقتضيات الحياة اليوم . لأن الزكاة لم تكن مشروعة في مصر قبل الف وثلاثمائة سنة . .
٢ - وهي تزعم أنها تدعو إلى العالمية ، أو الأممية ، ولكنها مع ذلك تناهض الدعوة إلى الوحدة العربية . لأن مصر لم تكن من بلاد العربية قبل ألف وثلاثمائة سنة .
٣ - وقد كان العقاد عند كاتبها يوما " أعظم أديب في الشرق ، ولكنه عندها اليوم صنم ينبغي ان يحطم . لأن كتابه " عبقرية محمد " لم يكن في مصر من يدين برأيه فيه قبل ألف وثلاثمائة سنة .
وهي مع كل أولئك تزعم ويزعم كاتبها أنها مجلة " الجيل الجديد " !

