ثورة على التربية - مكتبة الإسكندرية - أحزان الأديب - مسابقة ! . . . .
ثورة على التربية
عاد الطفل إلى أمه في يوم من أيام أكتوبر سنة ١٩٣٥ يضم إلي صدره بكلتا بديه طائفة من الكتب لم يحمل مثلها فيما سبق من اعوامه الثمانية ، وكان يبدو في مشبته وفي تفاطر العرق من جبينه أنه مثقل بما يحمل ، ولكن في عينيه مع ذلك بريق الرضا والسعادة ؛ لأن اليوم أول أيامه بالمدرسه
ووضع الفتي حمله بين يدي أمه وراح يريها ويقصر عليها وهو سعيد جذلان : هذا كتاب المطالعة العربية
وذاك كتاب مبادئ العلوم ، وذلك كتاب الجغرافيا ، وهذه الطالعة التاريخية ، وتلك دروس تدبير الصحة ، إلي كتب وأسماء . .
. وقلت للفتي وقد فرغ من تعداده وما تفعل بهذه الكتب جميعا يا ولدي ؟
ونظر الطفل إلي نظرة المتعجب الساخر ، ثم سكت ؛ وعاد إلى كتبه يتهجى اسماءها ويعد صفحاتها ، وترك السائل بلا جواب ؛ وهل تكون الكتب إلا للدرس والقراءة ؟ . .
. ولكن هذه الكتب بين يدي " صديقي الصغير " لم تكن للدرس والقراءة ، فلم يلبث بعد ايام من تملكه إياها أن ملها فطواها ، ثم لم يعرف ولم يعرف أحد أين موضعها من " مكتبه " بعد !
. ورأيت هذا الطفل نفسه في يوم من أيام
مايو سنة ١٩٤٢ ، وقد شب وأيفع وطال " بنطلونه " ، وإنه لتلميد في المدرسة الثانوية ، وكان جالسا إلى مكتبه ، عن يمينه كتاب ، وعن يساره كتاب ، وبين يديه كتاب ، والعرق يتفاطر من جبينه كشأنه يوم لقيته منذ سبع سنين ، ولكن البريق في عينيه غير البريق ! وتناولت كتابا مما بين يديه ومضيت اقرأ منه ، ثم طويتة لأنظر في غلافه ؛ ذلك كتاب " المطالعة العربية ؛ وتناولت كتابا آخر ، ثم كتابا ثالثا ، ورابعا ؛ وقرات العناوين ؛ هذا كتاب في التاريخ ، وذاك في الجغرافيا ، وذلك في الأدب ، إلى كتب ذات أسماء . .
ماذا . . ؟ ألا يكون العلم علما إلا أن يختص الكتاب وعنوان ؟ وما يمنع ان يكون كتاب المطالعة هو كتاب الجغرافيا ، وكتاب التاريخ ، وكتاب الأدب ، وكتاب " الحياة . . ماذا يمنع أن نعود التلميذ أن يتعلم الجغرافيا ، والتاريخ ، والأدب - من كتاب " المطالعة " ليعرف ان " المطالعة هي السبيل إلي كل أنواع المعرفة وإن اختلفت أسماؤها ومسمياتها ؟ وماذا يقرأ التلميذ في كتاب " المطالعة " إن كان لكل فنئ من فنون المعرفة كتابه وعنوانه ؟ . . هل يقرأ فيه إلا فضول للقول وزخرف اللفظ وبريق العبارة ؟ . . وماذا يقع في نفسه من ذلك وقد أيقن ان كتاب " المطالعة ليس فيه " العلم " ولكنه " رياضة عضلية ، على تجريد النطق وحسن إخراج الحروف ؟ . . أنراه يعرف بعد أن " المطالعة " فائدة تغريه بها وتدعوه إليها ؟ . .
إن كان أحد في شك من الجواب فإن فيما نشكو من قلة إقبال شبابنا على القراءة ما يعرفه الجواب الصريح ويكشف له عن سوء النتيجة !
العلم هو القراءة ، والمدرسة هي الكتاب : هكذا
ينبغي ان يعرف تلامذتنا ومعلمونا والقائمون على شئون التعليم منا ، وان يرسموا نهجهم على هذا الأساس .
يخيل إلي أن شدة ولوعنا بقاعدة " الفصل بين السلطات ، هي التي بعثرت العلم بين هذا العدد الجم من الكتب ، فأنشأت كتاب الجغرافيا للجغرافيا ، وكتاب التاريخ للتاريخ ، وكتاب التهذيب للتهذيب ؟ وتركت فضول القول المطالمة ، فتعود التلميذ الا يأبه بالمطالعة والا يحس لها اثرا في تكوين ثقافته وتكميل علمه ، فاكتفي منها برياضة اللسان في المدرسة على تجويد النطق وحسن الأداء ؛ ثم أهمل شأنها في المدرسة وبعد المدرسة !
ولكن ، اتجهل وزارة المعارف ذلك اليوم وكان يعرفه على مبارك باشا مدير المدارس الملكية ) المصرية ( في سنة ١٨٦٨ ؟
ثارت هذه الخواطر في نفسي حين قرأت الفصل البديع الذي قدمه الأستاذ أحمد أمين بك لقراء الثقافة في العدد ١٨١ يعرض به " كتاب طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية " للمرحوم على مبارك باشا ؟ وسماه " أول ثورة على التربية في مصر " وأسميه " الثورة الأخيرة " ! فلست أري صلاحا لهذه الحال السيئة في مناهج الدراسة العربية إلا أن تعود إلى المذهب الذي أنشأه ورسم مثاله على مبارك منذ خمس وسبعين سنة ؛ فلا كتاب للجغرافيا ، ولا كتاب للتاريخ ، ولا كتاب لتدبير الصحة ؛ ولكنه كتاب واحد للمطالعة ، تضم أجزاؤه وفصوله أشتانا من المعرفة مما ينبغي أن يلم به التلميذ ، متدرجة على أساس لغوي وعقلي يلائم عقل الطفل ولغته وأسلوب تفكيره ؛ فإن ذلك حقيق بأن يجعل العناية في المطالعة " بالموضوع " ، ويعود الطفل أن يقرأ ليستفيد ويتزود من المعرفة ؛ فإذا بلغ التلميذ مرحلة " التخصص " فلا بأس حينئذ من تفريع الفروع وتنويع الأنواع و " فصل السلطات " .
الكتاب الواحد ، والمعلم الواحد : هذه هي الطريقة المثلي في تعليم الناشئة ، وكل ما عدا ذلك " عناوين ليس لها طعم ولا وراءها معني :
مكتبة الاسكندريه
ويتصل بموضوع هذه الثورة على التربية ، ما نشرت قبل في هذا الباب عن " ازمة القراءة " ! فقد كانت قاعدة " فصل السلطات سبيلا لأن تقرر الوزارة على تلاميذها من الكتب الدراسية في بعض موضوعات العلم مالا قبيل لهم بقراءته ولا طاقة لهم على فهمه ومحضر له لأن لغته فوق مستواهم العقلي ، أو لانه من العجمة والضعف في البيان بحيث يحتاج إلي الترجمة من عربية مؤلفية إلى العربية المبينة . .
ولدي اليوم مثل آخر على سوء ما تجنيه قاعدة فصل السلطات ، على حقائق العلم وما تسيء إلي عقول التلاميذ هذا كاتب في العدد ٤٦٧ من الرسالة تنبه إلي عبارة في كتاب المطالعة الأنجليزية المقرر تدريسه لتلاميذ السنة الرابعة الابتدائية ترجمتها
" . . وفي سنة ٦٤١ أرسل الخليفة عمر جيشا إلى الأسكندرية ؛ وقد دمر القائد - واسمه عمرو - كثيرا من المؤسسات ، وأحرق مكتبة الأسكندرية ، واستغرق إحراق الكتب جميعا ١٨٣ يوما . . "
هذه العبارة ما كان ليمكن أن تقع تحت عين التلميذ المصري في كتاب مدرسي لولا قاعدة ) فصل السلطات ؛ فهذا الكتاب المطالعة الانجليزية ، ومادام كذلك فلا شأن لأحد به لا من ناحية لغته وأسلوبه وصلاحهما لتلميذ السنة الرابعة الابتدائية ؛ أما " الموضوع " فلا عناية ، ولا احتفال ؛ إذ لم يكن الموضوع مقصودا لذاته ولو كان فيه ما فيه من التجني على التاريخ الحق ومن الجناية على عقل التلميذ وخلقه القومي !
ويقرأ التلميذ في كتاب التاريخ وفي دروس التهذيب عن عمرو بن العاص غير ما يقرأ في كتاب المطالعة الانجليزية ، فيختلط في رأسه الحق بالباطل ، ويتضارب الرأي والهوي ؛ ولكن ذلك لا يعني وزارة المعارف ؟ إذ كانت القاعدة عندها هي " فصل السلطات ،
ويدرس المدرس ما يدرس بمعاهد التربية عن " وحدة العلم وتجميع المواد ، فإذا خرج إلي المدرسة ليعلم طلب اليه أن يدرس علي منهاج يبعثر العلم ويفرق المواد ، فيضل المعلم بين النظرية والتطبيق ، وينتهي امره إلي ان يكون آلة تدور كما تدار !
احزان الاديب
صديقي الزيات " حتى أنت قد خاب أملي فيك أنا الذي دعا إلي الصفاء بين الادباء كما رأت ، وبذات في ذلك مابذلت ، ورددت الحقوق إلي أصحابها ، واديت الواجبات على تمامها ، وأزلت من النفس اسباب الكدر ، وطهرت القلم من أدران الشر . . .
" . . ليكن اليوم آخر عهدي بك و ) بالرسالة ( والأدباء لن اكتب شيئا لك ، ولن اذكر بعد اليوم أديبا بخير ولا بشر . . سأصمت عن أشخاصهم صمت القبر ، لأنصرف إلي الإنتاج وحده من حيث هو انتاج ماضيا في إصدار كتبي لقرائى الأوفياء . . فلا حلم في صفاء ، ولا أمل في مودة بين أدباء
قرأت هذا من رسالة لتوفيق الحكيم إلي صديقه الزيات في العدد ٤٦٨ من الرسالة ففزعت :
لامر ما غضب توفيق الحكيم وثارت نفسه أمن أجل كلمة في الرسالة يغضب ؟ فيقطع صديقه وينسي وداده ويتجاهل دعوته إلي التسامح والصفاء ؟ وإن توفيتي الحكيم لرحب الصدر كريم المعذرة
ورجعت إلي نفسي الومها : ماذا يقول صديقي توفيق وقد قرأ حديثي عنه في العدد الماضي من " الثقافة " ؟ اتراه يقطعني كذلك وينسى ودادي ؟ . ولكني لم اقصد إلى شيء غير المزاح والدعابة ، وإنه ليعرف ما اعنيه ؟ أم تراه لا يغضب إلا لأنني اقصد إلى المزاح والدعابة في حديث أنشأه جادا لا يقصد إلي الزاح والدعابة ؟ .
وعدت إلي مقاله في العدد ٤6٦ من الرسالة أقرؤه - وقد قرأنه قبل ذلك مرات - فاذا المقال يكشف لي عن معناه . . وأسفني أن أعرف . .
" إنني لم اقتنع بقدر ما أشمت ! " " لقد جاوزت الأربعين وما ابصر في الأفق يعد طيف واحة مورقة في صحراء حياتي المحرقة ! "
" ما قيمة الشهرة بغير سعادة ؟ وقيم الأدب والفن بغير هناء ؟ "
هذا كلام لم يقله توفيق الحكيم قبل ولم يقع مثل موقعه الساعة في نفسي ؟ إن في هذه الكلمات قليا ينطوي على معني من معاني اليأس والالم يتواري وراء مظهر من مظاهر التسليم والرضا .
أحسبها أزمة نفسية أشعرته فجأة وقد جاوز شباب العمر ، ان اسرة الأدب لا تستطيع ان تغنيه عن الأسرة الحقيقية ، وأن إنتاجه في الفن لا يعوضه شيئا عن إنتاج الذرية ؛ ومن يدري ؟ لعل دعوته إلي الصفاء بين الأدباء لم تكن إلا مظهرا لما يحسه في نفسه من الحاجة إلي المودة والحنان اللذين حريهما في حياة الوحدة الباردة التي يحياها مطويا على نفسه منقطعا لفنه ؛ فهل تكون غضبته الأخيرة شعورا بخيبة الأمل في الأدباء الذين قابلوا احزانه بالتهكم ؛ فلما أتته الصدمة لم يجد في نفسه إلا أن يصمت على أصدقائه صمت القبر كما يقول في كتابه إلي صديقه الزيات ؟
إني لأحس الساعة كأن معني من أحزانه يتسرب إلي
نفسي فأعرف ما لم أعرف قبل فأسف ويدركني الندم على أن طاوعت شيطاني فجعلت أحزان الصديق موضوعا للمزاح والدعابة
أنا . . أنا الذي أخفي وراء ابتسامتي أقسي ما تحتمل النفس البشرية من معاني الالم ، واضم جوانحي على الم ما يدمي القلب من عميق الجمواح - لم يكن يجعل بي أن أجمل من أحزان الصديق موضوعا للمزح والدعابة ؟ أم تراني أتوهم ما لا يقع لان صديقي يعرف من نفسي مثل ما يعرف من نفسه ؟
مسابقة
. وسواء أكان من حقي أن أمرح أم لم يكن حقي ، فقد كان حتما علي أن اتحدث إلي قرائي حديثا عن توفيق الحكيم ، وقد تحدثت ؛ فان كنت قد أغفلت جانبا من حديث الجد عنه إلي جانب من الفسكاهة فإنما اخادع نفسي بذلك عن آلامي ؛ وإن في كلا لونسيه من الجد والفسكاهة لمجالا لمن يريد أن يتحدث ؛ افتحملني خشية العتب من صديقي علي التراجع ؟
وقد سيقت بين القراء في العدد الماضي مسابقة ، فطلبت إليهم أن يعرفوا أدباءنا العشرة ، وإني لجاد في انتظار الجواب ، وموعدي وموعدهم بعد اسبوعين ؛ وإن هذا الاستفتاء لحقيق بأن يفتح بابا من القول لمن يشاء الحديث عن رسالة كل اديب من ادبائنا وخصائصه واثره ، وإن في ذلك لفائدة ؛ فليسمح توفيق الحكيم ويسري عن نفسه !
وإذ كان من حق " المرشح " و " الناخب " أن يكون لكل منهما رقابته على " هيئة الحكم " ، فإني أرجو أن يكون توفيق الحكيم عضوا في هيئة الحكم ؛ فمن يا تري سيكون الناخب الأول ؟ . .
