الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 209 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، "... هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي ... ..."

Share

أدباء الرفوف ! - تقاليد أدبية - رجال !...

أدباء الرفوف

دفع إلي صديقي الشاعر الأستاذ ... ... أمس الرسالة الآتية :

" عزيزي ...

" لعلك طالعت في آخر عدد من الرسالة امتداد معركة لفظية شب أوارها بين رهط من الكتاب على أحدث الطرق " الاستراتيجية " في حرب الفناء العالمي التي امتد خرابها وفزعها إلي كل كائن في الأرض في هذه الأيام ... تلك المعركة التي بدأت بين أنستاس الكرملى

ومحمد مندور في ميدان " عثرت به وعثرت عليه " ذلك الميدان الفكري الرائع الذي استفزت حماسة الحرب فيه بطولة محمود شاكر وعبد الرحمن بدوي وتلميذه زكريا إبراهيم ... فخاضوا عمارها كارين فارين ، كأنما خيل لهم

أن اللغة العربية على شفا جرف هار ، فهبوا يتقدمون الصفوف لشرف إنقاذها من الهلاك ... اللهم حوالينا ولا علينا ... أهذا هو أثر الرجة العالمية في الفكر العربي ؟

" أهذا هو التجديد في طرائق البحث لإحياء العربية ودعم كيانها ؟

" أهذا هو البعث الجديد الذي ننشده للشرق علي يد كتابه وأدبائه ؟

" يتصارع القوم ويجأرون بهذا اللجاح الأجوف حول " عثرت به أو عليه " في أحرج ساعات المدنية العقلية وأشدها ظمأ إلي أقلام عانية جديدة جريئة تهدف إلي المثل العليا وخدمة الفكر الإنساني الصحيح !

" يا صديقي .. كن كعهدي بك في هذه المأساة ، وأين للناس ، أين لهذا الشعب المظلوم كيف تتهاتر الرفوف لتساقط عليه كلاما تبرأ منه اللغة العربية ؛ فما آساها ولا شل خطاها بجانب اللغات العالمية وآدابها إلا

هؤلاء الكسالي الذين يتلفتون دائما إلى الوراء ... وأحري بهم أن يظلوا صامتين على رفوفهم الجامدة حتى يتحرك بهم أو ينساهم الزمان "

وأطربني من كتاب صديقي الشاعر عنوانه الذي اختاره في رأس رسالته " أدباء الرفوف " ؛ فإن فيه دلالة منه عليه ، وهو بسبيل مما اشتهر في شعره الذائع من " المضافات " العجيبة مثل قوله " تباريح النهود " ، و " مرتعش الحداد " و ندم الرماد "... إلي مضافات ومضافات يزخر بها شعره !

وإن في كتابه لثورة تؤج ولهيبا يتسعر ، على أنه قد قصر نقده على " الشكل " دون " الموضوع " فهو يعيب على هؤلاء الكاتبين أن يشغلهم الحديث في تصويب كلمة مثل هذه المشغلة وإن حرب الفناء العالمي ليمتد خرابها وفزعها إلي كل كائن في الأرض ...! فلعله لو قرأ موضوع الحديث لأفاد علما ووجد معتذرا ...

أم تراه يعني أن يكون الكتاب جميعا طرازا واحدا في فن واحد ، فلا شعر إلا مثل ما يكتبه ويرضي عنه ولا موضوع لحديث في الأدب إلا الموضوع الواحد الذي يفرضه هو على الأدباء ؟...

أم إن اللغة عنده من الهوان بحيث لا يجمل بأديب أن يجعل الدفاع عنها فنا من فنه إلا أن يكون من " أدباء الرفوف " واللغة هي صلة الماضي بالحاضر وسبيل الخلود لكل إنتاج في الأدب يستحق الخلود ؟...

أم ماذا تراه يعني ؟ ...

بلى نحن في " أحرج ساعات المدنية العقلية وأشدها ظمأ إلي أفلام عاتية جديدة جريئة تهدف إلي المثل العليا وخدمة الفكر الإنساني الصحيحة " فأين منه - وإنه لشاعر - ما كان ينبغي أن يقول ؟ ...

أذلك قوله :

أواء إن ولي هواك وجاء يصرخ لي هواى ! ومددت كفي للسلام فصافحتك على حسناي ! وذهبت ملهوفا إليك فلم أجد إلا خطاي ! وبقية مما وعي طير " الجزيرة " من بكاي ...

... أذلك قوله " في أحرج ساعات المدنية العقلية وأشدها ظمأ إلي أفلام عاتية تهدف إلي المثل العليا" ...

لست أعيب عليه ما قال ، فلعله من أجل ما طربت له من الشعر الحديث ، ولكني أريد أن أحاسبه علي قاعدته و قانونه  فعسى ...

لا ، لست أراه يعني شيئا من ذلك ، وما أراه في علمه وأدبه أهلا لأن يتنكر لفن اللغة أو ينزل به دون منزلته ، وما أحسبها إلا عدوي أعدته فقال ، وكان حقيقا ألا يقول !

تقاليد أدبية :

وقرأت للدكتور زكي مبارك في العدد ٤٩٢ من الرسالة وقد عرض لشئ من الموازنة بين حافظ وشوقي :

" لو أن أحاديث حافظ دونت لكان فيها ثروة فكرية تفوق ما ترك شوقي من الثروة الشعرية ، ولكان من الممكن أن بعد من أقطاب التاريخ الأدبى في هذا الباب ، ولكن هذا الزمن لا تتسع تقاليده الأدبية لمثل ما كانت تحرص عليه عناية القدماء في أمثال هذه الشئون ..."

وفي المقال لمحات فنية تدل على أن الدكتور زكي مبارك قد يصيب في النقد ... ...

ولكن هذه " التقاليد الأدبية " من قلدها ؟ ...

من حرم على الأدباء أن يدونوا أمثال هذه الأحاديث فحرم التاريخ الأدبي في هذا الجيل أصدق عناصره وأدق أحكامه ؟

ماذا يبقى من شعر الشاعر وأدب الكاتب إذا جردته من حادثته ونفيته عن ملابساته ؟ ... لا شئ إلا نظم أو كلام لا يتميز فيه أثر الطبع من أثر الصنعة ، فلا تهتز له نفس ولا تختلج له عاطفة !

دع عنك ما يلهمه الشاعر أو الكاتب من التعبير عن بعض الحقائق الإنسانية الثابتة ؛ فذلك باق أثره بقاء الإنسانية ، لأنه تعبير الإنسانية عن نفسها بلسان الشاعر

أو الكاتب على اختلاف الزمان والناس ؛ ولكن ما شأن الشاعر أو الكاتب في بعض أحاسيسه العابرة إذا اختلف الزمان وأغفل التاريخ ذكر المناسبة والحادثة ؟

إن التاريخ الأدبى لشعراء هذا الجيل وأعيان كتابه ليوشك أن يفلت من أيدينا فلا تبقي منه بقية للدارس في غد إن صح " التقاليد الأدبية " في هذا الزمن لا نتسع لإثبات أخبار أدباء هذا الجيل وحوادثهم وأيامهم ؛ وإننا

لنبالغ في التوفر أحيانا بقدر ما نبالغ في الإسفاف ، ونبالغ في النفاق بقدر ما نبالغ في الأثرة والتزيد في أقدار أنفسنا بالباطل ، وبين التوفر المصنوع والإسفاف الرذل يضيع حق العلم والأدب والتاريخ !

وددت ألا يكون ذلك من تقاليدنا الأدبية ، أو مما نسميه  " تقاليد أدبية " إنه غفلة وتقصير وتواكل ؛ وما أحري أن ننتبه بعد إلي تدارك ما فات قبل أن تطوي صفحة التاريخ !

رجال !

وقرأت في العدد ٧٦٧ من روز اليوسف حديثا لسيدة عن طائفة من رجالنا الذين تجاوزوا سن الشباب ولم يتزوجوا ، فسمت ووصفت وحكمت وقالت . " إنهم لا يصلحون للزواج !" ، وسببت أسبابها ...

... فأما فلان ... وأما فلان ... وأما فلان فمظلوم في هذه الدنيا " فإنه يعشق المرأة الأسبور ، سيدة المجتمعات ، يعشق المرأة التي ترقص وتشرب ، وتحب ؛ ورغم ذلك فأفكاره رجعية إلي حد كبير ، إنه يعيش بأفكار عائلات الصعيد التى اعتاد الرجل فيها ألا يري من المرأة شيئا ... ...

" إنه لا يصلح للزواج لسبب واحد ، هو أنه لن يجد الفتاة التي توافقه ، فلو تزوج من القاهرة لطلقها ثاني يوم ، لأنه سيغار عليها إلي حد الجنون ؛ ولو تزوج من الصعيد لطلقها ثانى يوم أيضا ، لأنه سيملها إلي حد الجنون ...!"

قلت : كم شابا ورجلا في مصر اليوم حاله حال ذلك الفتي الشيخ الذي وصفت السيدة من خيره  ؟... إنه ليس رجلا واحدا ، ولا عشرة ، ولا مائة ؛ إنهم مئات الألوف من الشبان المصريين يحسون في أنفسهم هذا الإحساس

على مقادير متفاوتة في القوة والضعف ؛ إنه داء المصريين جميعا الذين ابتلاهم نظام المجتمع الحديث بهذا البلاء فأيقظ شهواتهم وأطلقهم ككلاب الصيد في الفلاة العاوية ؛ إنهم ليشعرون في أنفسهم أن كل صيد حلال لهم في هذه الفلاة فهيهات أن يقتصروا علي فريسة واحدة !

إن كل فتي في المجتمع الحديث ليطمح إلي مثل أعلى للزوجة لا يتمثل صورته إلا واحدة من هذه الصور الفاتنة التي تتوزع نظراته في كل طريق وكل ناد لقد ذاق وعرف واستطعم ، فليست ترضيه واحدة دون هؤلاء

اللائي يري ؛ ولكنه إلي ذلك يريدها له وحده ومن أين له أن يؤمن بأن واحدة من هؤلاء يرضيها أن تكون له وحده ؟ ... إنه ليسئ الظن من طول ما اختبر ، فلا عليه أن يتوزعه الشك والقلق والغيرة !

إنه ليحسن أن يختار ، وأن يميز الجمال بأسبابه وألوانه وخصائصه ؛ لقد أكسبه المجتمع الحديث هذه الخبرة ؛ ولكن هذا المجتمع لم يجرده من نخوته بعد ، لأن في أعراقه دما من أبيه لم يتلوث ...

إنه مسكين !... مظلوم في هذه الدنيا !... لقد ظلمه نظام هذا المجتمع ، وظلم به أخته !

اشترك في نشرتنا البريدية