الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 215الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، " ... هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي .. ... "

Share

الأمومة الصغيرة ! - بلاء ! ...

الأمومة الصغيرة !

...وأسفر الصبح ، فهممت أن أزايل مجلسي علي حافة السرير ، وألقيت نظرةً علي الصغيرة الراقدة ثم تسحبت لا أكاد أحدث صوتا ولا حركة ؛ وأحسّت الفتاة خلاء موضعى ففتحت عينيها وهتفت : إلي أين يا أبت ؟ ...

وتلبثت هنيهة لا أجيب ، فقد كنت أحسبها نائمة حين اخترت لها ولي أن أتركها ساعة او ساعات لتستريح بعد ليلة طويلة ساهرة ، وأذهب لبعض شأني ؛ ولكن الصغيرة لم تكن نائمة ، وإنما أغمضت عينيها لحظة من إعياء السهر والحمي !

. . وعدت إلي حيث كنت ، أغانيها وأبسم لها وأمسح بكفي علي رأسها ويديها ، وثابت نفسها إلي السكون والرضا فلم تعاود سؤالها !

ودق جرس الساعة دقاته السبع ، ودخلت الخادم تحمل إليها جرعة الدواء ؛ ونهضت ثانيةً ، وتعلقت نظرتها بي لحظة ثم كفت ، فكأنما همت أن تسألني ثانيةً : إلي أين ؟  ولكنها كانت تدري ، فقد سمعت دقات الساعة !

وخرجت عدواً إلي ميعادى ... ثم عدت ، وكانت تنتظرني في فراشها ، ومدت إلي عينيها متشوقة وعلى شفتيها ابتسامة ؛ وسألت : أين كنت ؟ وكانت أيضا تدري !

ومدت يدها إلي جيبي كعادتها في كل معاد ، وخرجت يدها فارغةً إلا من تذكرة الترام ، ولم تغضب ، ولم تعتب ؛ فلعلها كانت تعرف أنه لم يكن لي في مثل هذا اليوم أن أقف على دكا كين الباعة وإن بي شوقا إلي أن أراها فوجدت لي معذرة !

وأسندت رأسها إلي راحتي ونامت ، وترددت أنفاسها هادئة كنسمات الفجر فأغفيت إلي جانبها وإننى لفي ثياب العمل ؛ وصحوت ، فإذا راحتها الصغيرة تسند رأسي وعيناها تنظران إلي في مثل حنان الأم ومحبة الزوج ، وابتسمت لها فابتسمت ، ثم قالت : يا أبت ...! وسكتت لحظة ؛ قلت : ماذا يا ابنتي ؟ قالت : لم تسأل عن أخوي ؛ إن " أحمد " لم يرضع اليوم ، و " نانا " قد خالفت الخادم إلي الحديقة والبرد قارس !

وأذكرتني الطفلة الصغيرة ما نسيت من واجب الأب ، فنهضت إلي الغرفة الثانية لأشهد عراك الرضيع وأخته ، ثم عدت وأنا أحمل على ذراعي وأقود في يدي !

لله أنت أيتها الطفلة الراقدة في فراش الضني إنك الأمومة الصغيرة لهذين الطفلين وقد فقدا الأم ، وإن فيك العزاء لهذا الشاب المكتهل قبل الكهولة ، فعيشي لنا ، عيشي لأخويك وأبيك !

بلاء !

احتجبت مجلة " الرسالة " عن نصف قرائها منذ أسبوعين ، فلم يناد بها الباعة في الميادين ، وكان لهم في النداء بها صباح الاثنين من كل أسبوع جرس ونغم !

وسألت بائع صحفي فلم يجبني ، وافتقدتها في أيدي من أعرف من قرائها فلم أعثر بها ، وأحسست ألم الحرمان من لذة عقلية لم أفقد نشوتـها منذ عشر سنين !

أين الرسالة ؟ وأين الزيات ، والعقاد ، وزكي مبارك ؟ وأين فلان وفلان من قادة الرأي وأصحاب الفكر والبيان ؟ ... أشد ما يؤلمنى أن يغيب اولئك عني في يوم طمعت أن أطالعهم فيه !

وعثرت بالرسالة لفافة في يد صديقى ، ومددت إليها يدي غير مستأذن ، وقرأت :

" هذا العدد لا يقع إلا في أيدي المشتركين ، أما سائر القراء والمتعهدين في مصر وفي غير مصر فعذرنا لحضراتهم أننا لم نجد في وزارة التموين ولا في السوق ورقا للرسالة بأي وسيلة ، وقد وعدتنا الوزارة أن هذا العسر لن يطول ، ... والله وحده المسئول أن يرفع عن الصحافة والأدب هذا البلاء ؟ "

واأسفا ! أمن أجل ذلك ؟ أتحتجب في مصر بعد عشر سنين مجلة كانت مشكاة الفن الرفيع وسجل الأدب الحديث وديوان العرب المشترك - لأنها لا تجد في سوق الشعب ولا في سوق الحكومة كفايتها من الورق ؟

يا للبلاء أن تعيش بيننا عشرات من المجلات الهازلة فلو شاء أصحابها أن يطبعوها على " ورق البنك " لفعلوا وتحتجب الرسالة لأنها لا تجد " ورق الطبع " !

ومصر زعيمة الشرق العربي وراعية آدابه ومدرسة طلابه - كما يزعم من يزعم - فهل ينهض بحجتها في الزعامة ورعاية الأدب وأستاذية العلم أن تحتجب فيها مجلة

هي إحدي اثنتين ليس لهما ثالثة في السفارة الأدبية بين مصر والشرق العربي ؟

لو لم يكن في مصر مجلات غير الرسالة وأختها لقلنا بلاء مقدور ، ولكن البلية التي ليس فيها عزاء أن المطبعة المصرية ما تزال تقذفنا كل يوم بالرذل والساقط والداعر من المجلات السوقية ، لم ينقص لها عدد ولم يحتجب منها ما كانت فضيلته أن يحتجب !

مم ذاك ؟ أمن أن مصر زعيمة الشرق العربي وراعية آدابه ومدرسة طلابه ، أم من أن الحوادث العامة تريد أن تبرهن أن مصر - حكومةً وشعباً - لا تكاد تعترف للأدب الرفيع بحق من الرعاية ؟

لو أن مدرسة ابتدائية تضم مائة تلميذ أوشكت أن تفلس لضيق إيرادها لأمدتـها وزارة المعارف بالمال والمعلمين ، وبالكتب والأدوات ، لتعينها على البقاء ؛ فهذه جامعة عظمي تخرج فيها عشرات الألوف من أبناء الشرق العربي وما تزال ذات قدرة علي التخريج ونشر الحكمة والآداب ، فكيف تترك لتنهار ؟

وتزعم أن وزارة التموين لا تملك أن تمدها بالورق لتعيش ، فكيف لم تقاسمها المجلات التي تطبع عشرات الآلاف ما تخترن من الورق إن كانت هذه المجلات تؤمن بالفن والأدب الرفيع ؟

ونزعم أن  " منافسة أهل الحرفة " غلبت جانب الأثرة عند هؤلاء " الزملاء " فكيف يسمح الشعب الطامح إلي الزعامة في الأدب والأستاذية في العلم . . ؟

ونزعم أنه لا الشعب ، ولا وزارة التموين ، ولا الزملاء من أهل الحرفة - يملكون " ما يحفظ الرمق " من الورق ، فكيف يغيب عن فطنة حكومة الشعب ما يكون من أثر ذلك في ذاتية الشعب وفي قيمته الأدبية فلا تدبر له الوسائل ولا تعد العدة ؟

ألا إن الخطب ليس خطب الرسالة ، ولا خطب قراء الرسالة في مصر والشرق العربي ، ولكنه خطر يطل بقرنه من وراء الغد ، فإذا كانت الرسالة قد احتجبت عن قرائها اليوم فإن مجلات وصحفاً أخري تقاوم في بأس وإنها لتوشك أن تتبعها ، وإن " المطبعة المصرية " لتوشك أن تفقد مكانها من " أسواق الشرق " وإن الكتاب والمؤلفين في مصر ليوشكون أن يحطموا أقلامهم وإن منهم لمن لا يجد عيشه إلا من الكتابة والتأليف !

فلتنظر الحكومة في هذا الشأن من ناحية أثره في "الاقتصاد القومي " إن لم يطب لها أن تنظر إليه من ناحية أثره في " سمعة مصر العلمية " !

أو لا فلتنظر إليه من ناحية الأثر السياسي ، وليس يغيب عن فطنة ساستنا وإنهم لمن الشعب مقدار ما يتأثر الرأي العام من صمت الصحافة في هذه الأحداث العالمية المتجددة كل يوم ؛ ماذا يكون لو غدا الناس ذات صباح أو

راحوا ذات مساء فلم يجدوا صحيفة يقرءونها ويطالعون فيها الجديد من أنباء العالم ؟ إنهم ليستمعون يومئذ إلي كل إرجافة ، ويصدقون كل إشاعة ، ويتزيدون في كل خير ، ويبالغون في كل رواية ؛ فلا " الرقيب العام " , ولا رجال الأمن العام ، ولا شئ يحد من سلطة هذه " الصحافة الشفوية " التي تتردد بين المجالس ، وتتنقل من سامر لسامر !

ألا ليتني أبلغ مسمعاً فإني لأتوجس شرا ... ً

لقد يسرت الحكومة الخبر على طالبيه ، فهل حسبت سطوة الجوع أبلغ أثراً في الشعب من ذاك ؟

ألا إن الحكومه لتستطيع ، وإنها لتملك أسبابًا كثيرة ؛ فلعلها أن تعالج مشكلة الورق بما عالجت مشكلة الرغيف ، بل بما عالجت مشكلة السماد ! !

اشترك في نشرتنا البريدية