في مهرجان العلم
أرأيت كيف يجتمع شعب بأسره قلبا وعاطفةً علي فكرة ، وتحتشد أمة بأجيالها ساعية إلي غاية ، وتلتقي أماني جيل من التاريخ في رجل ، وتتزاحم خطوات عصر من الناس على طريق ، وتتلاقي أشعة النظرات المتباعدة المبعثرة حول منظر ... ؟
لقد شهدت ذلك كله بعيني في موكب الفاروق ، في مهر جان العلم ؛ وكان يوماً من التاريخ !
... ودعاني من دعا لأشارك - بما علي من حق - في مهرجان العلم بالاسكندرية ، واستيقظت الذكريات الراقدة في أعصابي وفي دمي ...
الإسكندرية ! يالي من نفسى ! هذه المدينة التي كانت وكنت بها . لقد فارفتها منذ أربعين شهرا بلا وداع ولا موعدة ، وخلفت بها ما خلفت من ذكريات . كيف أعود إليها وحدي . . . ؟
هذه المدينة التي كانت وكان ممساي بها في كل مصيف ، وكانت وكان لي فيها شعر وموسيقى ، وكانت وكان لي فيها قصة تتجدد كل عام على أعين الناس بشخوصها ومناظرها ، وكانت وكنت لا أعرف لي فيها ماضياً آسي عليه ، ولا مستقبلاً أرنو إليه ، ولا شيئا من معنى الزمان إلا الحاضر الذي كان فعاد اليوم ذكري تبعث الحنين وتؤرث الشوق حين لا أمل في لقاء مشوق ؛ وكانت وكنت بها فصرت اليوم نصفاً في التراب ونصفاً
يدب علي الأرض لا يكاد يحمل نفسه من ثقل ما يحمل في نفسه . هذه المدينة التى كانت لي يوم كنت ... كيف أعود إليها وحدي . . ؟
... وهبطت إليها مع الليل ، وقال لي رائدى : هذه هي الإسكندرية !
أين ؟ . إنني لا أكاد أري ، ولا أكاد أسمع ، ولا أكاد أشم ؛ أهُنا الإسكندرية ؟ فأين من هذا الظلام الأسحم ؟ وأين من هذا الصمت الهامد ؟ وأين من هذه الريح الفارغة من عطر الهوي والشباب ؟ ... حتى البحر كأنما أخذته إغفاءة فما له بعد الهدير همس ولا حس ، وكأنما ذابت الإسكندرية في هذا الظلام فلم يبق منها في عين من يدب على أرضها إلا خيال المتخيل وذكريات المشوق !!
أين ؟ ... وإلى أين ...؟ ووقفت برهة أتحسس الظلام بعينى حتى كأن قد رأيت ، فمضيت في الطريق . .
ولكن دعيني ، دعيني أيتها الذكريات ، إنك لتمضين بي إلي حيث لم أقصد ، ولن أبلغ ؛ دعيني ساعة لحاضري ، أشعر بي أنبي هنا ، في الإسكندرية سيمضي كل شئ إلي غايته لابد لا بد ، حتى خيال المتخيل سيعود ذكري ، فسيان حقيقة الواقع وأوهام المتمني ، كل ذلك سيرتد إلي الماضي يوماً ، سيئول جزءا من التاريخ ، تاريخ الحياة أو تاريخ المـــــــــني ؛ ولكن ما أنت في غد ، حدثني عن غدك حديثاً قبل أن يصير هذا الغد " أمساً " لا تناله عين اليقظان ولا الحالم ؛ إن في غد موكب الفاروق في مهرجان العلم . . ...
ورأيت كيف أشرق الصبح علي الإسكندرية فذاب الظلام إلا بقيةً تغوص في البحر عند الأفق
البعيد ، ونفضت المدينة عن نفسها مع الصبح ذكريات الهول والفزع والموت والدمار ، وطوت ما كان من ماضيها القريب وما يطبق عليها من أوهامه مع كل مساء وأقبلت تسعي ...
وأقبلت أسعى مع الأحياء وقد طويت ما كان من ذكرياتي في ورقات ...
إنني اليوم هنا ، وهذه الإسكندرية ، إسكندرية جديدة غير ما كانت ؛ إنها تتأهب اليوم لاستقبال المليك وتتهيأ لموكبه العظيم في مهرجان العلم !
لله أنت أيتها المدينة الخالدة ، إنك كبعض حسان الأساطير : لا تهرمين أبداً ، وإن لك كل يوم شباباً يتجدد ، ولا يزال يتجدد ، ولا تزالين كل يوم في شبابك الجديد فتنةً وزينةً وآيةَ حُسن !
منذ كم وأنت هنا ، جاثمةً علي سيف البحر كحسناء راقدة تستحم في ضوء الشمس الساطع ؟ .
منذ مئات السنين ، بل منذ الآلاف ، وأنت أنت ، لا ينفد حسنك ولا يحول ؛ لأنك شباب يتجدد ، كبعض حسان الأساطير !
اليوم موعد المهرجان !
ورأيت كيف اصطفت وفود الشعب وفداً وفداً . وكيف تقبــــــــــــل أفواجه من كل حدب فوجاً فوجاً وكيف التقي وجوه العلم وعلماء الساسة صفا صفا ، وأقبل الملك يخطر في حاشيته بين صفين من شيب وشباب ؛ هنا طلاب الجامعتين وهنا الأساتذة وهناك الشعب المحتشد وراء السياج يموج بعضه في بعض ، تستعلي عاطفته على قواعد النظام ، ويستعلن حبه في الحشد اللجب وفي ازدحام الأقدام !
وأقبل يسعي . .
من ذلك الساعي العظيم ولمن مسعاه ؟
إنه أكرم ساع إلي أعظم مسعي !
إنه المليك يسعي علي الجامعة ، إلي سدة العلم ومثــــــــــــابة الحكمة !
ما أحكمه معنى لو عقل الشباب !
ما أبلغه رمزاً لو عبر الفن !
ما أعظمها حادثة لو أنصف التاريخ !
الملك ، السلطان الأمر النافذ ، الحكومة القاضية ، الجاه الساطع ، الشباب الطامح ، المحبة الآسرة ؛ كل أولئك هنا ، في هذا المكان ، حيث يخطو المليك خطوه الميمون في ساحة الجامعة !
منذا يحسن أن يترجم للشباب عن معني كل أولئك ليبلغ من أنفسهم ويبلغ بهم ؟
منذا يقول فيحسن ويبين ليعرف منهم من لم يعرف بعد أين مكانة العلم ومكان الجامعة ؟
ومنذا يصف للتاريخ فيصدق ، ليتحدث التاريخ للأخلاف من بعد عن يد الفاروق على العلم ومكانه من أهله ؟
واقتعد المليك العرش تلتقي عنده النظرات وتحتشد الأماني ؛ ووقف الوزير بين يديه يخطب :
" مولاي !
" وقد شاءت الأقدار السعيدة أن يكون حظ الإسكندرية إنشاءً وإحياءً على يد ملكين عظيمين وهما في مقتبل الشباب ؛ فقد أنشأها الإسكندر الأكبر وهو في سن الرابعة والعشرين ، وأحياها فاروق الأول وهو في الثانية والعشرين .. ".
" ...كان الملوك الأقدمون يتباهون في إكرام العلماء واختصاصهم بالمودة والعطاء . . فانظر يامولاي
كم من العلماء يعيشون في ظلكم الظليل وينعمون بعطفكم الجميل ! "
ووقف مدير الجامعة يخطب :
" ... وها أنت ذا - يا مولاي - تتفضل فتقبل هدية الجامعة ، ثم تتفضل فتسعي إليها لتتلقي منها هديتها ؛ إكبارا لشأنها ، وإعلاءً لقدرها ، وإذنا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء "
ووقف المليك ليلبس ما تلبسه الجامعة من ثيابها . ويتقبل ما تهدي إليه من درجاتها ، فلو رأيت لرأيت " تواضع المُــــلك " في أعظم رفعة ، و " ديمقراطية العلم " في أرفع منزلة ، ولرأيت ما يصف التاريخ في غد
للأجيال بعد الأجيال فلا يسأل سائل بعد ؛ ما العلم ؟ وما الجاه ؟ وما السلطان والرياسة ؟ . إن كل أولئك إلا رمز لمعني واحد ، هو الجلال فيما رأيت من هيبة الملك وجاه العلم في عظمة منظر الفاروق وهو يسعي إلي الجامعة ، ثم وهو يتقبل درجتها ويلبس ثيابها !
ما أحكمه معنى لو عقل الشباب !
وما أبلغه رمزاً لو عبر الفن !
وما أعظمها حادثةً لو أنصف التاريخ !
وما أبـهاه منظراً وأبلغه أثراً لو وعاه كل ساع إلي الجامعة من شباب الوادي !

