الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 199 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، " .....هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي ...."

Share

رغيف .... العيد !  -  سنابل العيش !- شعر المعدة ! -                                                                                                                   الحمارة العرجاء ! - أول اليقظة  ! - ما قرأت وما سمعت !

رغيف .... العيد !

...... وكانوا يقولون في هذه المناسبة كعك العيد ؛ فعادوا يقولون : رغيف العيد ؟

ومن ذا يبلغ به الحمق في هذه السنين العجاف أن يذكر كعك العيد وإنه لفي مشغلة من أمر الرغيف ؟ ..

في هذا الموسم منذ أعوام كانت تفيض الصحف بأخبار كعك العيد وحوادث كعك العيد ، وتتفتق عبقرية الشعر " الناعم " عن القصائد الرنانة في كعك العيد ؛ وتتفتح أزاهير الفن المبدع عن الأقاصيص الممتعة في كعك العيد ،

ويتنقل حديث السامرين من ناد إلي ناد ، ومن  "مضيفة " إلي مضيفة عن كعك العيد . فاليوم لا شعر ولا قصص , ولا حديث يتناقله السامرون ! وعاد كعك العيد ذكري في

ذمة التاريخ ؛ وكان فرحة الصبي ، و " تخمة " الفقير والغنى ، و "حلقة " السمر في كل مؤتمر وندي ....؟ وغلبه على "مكانته" ذلك الرغيف ....

.... ذلك الرغيف الذي افتقدت عبقرية صناعة في التماس أسباب الغني من صناعته ما افتقدوا ، فخرج وهو أسود  "ناعم " لا تكاد تمسكة من جانب حتي يتهالك من كل جانب ، إنه اليوم وحي الشعراء ، وفن القُصاص وحديث النوادي .... وللأشياء كما للناس أقدار وحظوظ !

.... وجلست على مائدة الفطور في الأسبوع الأخير من رمضان أنتظر ...  كما انتظرت مرة ومرات في " أرمضة " سلفت ؛ ولكنى كنت فى هذه المرة أنتظر عودة الخادم من "الفرن " بالرغيف ، لا بكعك العيد ...

.... وغابت الخادم عن الدار ساعات ، وإنى لأدعوها فلا تلبي ؛ لأنـها هناك تنتظر . . تنتظر أن " يمنحها " بياع الدقيق مئونة الدار من الطحين للرغيف ، لا لكعك العيد ...

..... ومررت على " الفرن " في الصباح ، فوقفت ساعة أشهد الزحام وتدافع الناس على باب " الفرن " في انتظار نضج الرغيف ، لا في انتظار كعك العيد ...

... وعدت من زيارة أمي في القرية  بقفة مثقلة تتجاذبـها أيدي الشيالين في المحطة وتتبعها عيناي من " رصيف "إلى رصيف ؛  وفيها ما فيها من هدايا القرية إلي المدينة ؛ من الرغفان لا من كعك العيد ...

.... وتناولت صحف الأسبوع أقرؤها ، فإذا هي جميعاً تكتب في أسلوب واحد عن الرغيف لا عن كعك العيد ... أيها الرغيف ، لك المجد !

سنابل العيش !

كم مرة سار بي القطار على حقول القمح تميل سنابله وتعتدل فما وقفت ولا جاش وجداني ! ...

وكم عاماً مر  " عيد الحصاد " من شهر مايو فما هتفت بذكرى ولا حييت بتحية ! ...

وكم شهدت الفلاح على " نورجة " يدور به علي

سنابله في بيدر القمح فما أحسست معناه ولا أكبرت مشهده ! ...

وهل مررت على " المذراوي " مرة في الجرن وهو يــذرو التبن عن حباته بمذراته إلا تخطت وحذرت أن تدمع عيناي ! . .

... فهذا القطار يسير بي على حقوله منذ بضعة أشهر فيستوقفني وما يقف ؛ فما أراها سنابل علي سوق من القش ولكنها سنابل " العيش " !

... وهذا " موسم الحصاد " قد فات منذ أشهر قريبة وإنا لنحسب له ونعد ونسأل منذ اليوم : متي يعود عيده ؟

... وهذه صورة الفلاح على نورجه في  "متحف الفن " , إنها زينة المعرض ورابحة الجائزة !

... وهذا " المذراوي ، إن منظره اليوم في قلبي فرحة وفي عيني دمعة ... دمعة تقدير ومحبة ! . .

وإن سؤالا ليتردد في خاطري الساعة وما سألتني إياه نفسى قط : لماذا . . لماذا لا يتغني شعراؤنا بمواسم الحصاد وإنـها لمواسم ؟ . . لماذا... لماذا لا تجعل على رأس

أعيادنا القومية عيد الحصاد وإنه لعيد ؟ ... لماذا ، لماذا لا يحتفل فنانونا ومصورونا بمناظر الحصاد والدرس والتذرية وإنها لمناظر ؟ ...

لماذا ... ؟ ولكن لماذا لم تتردد هذه الأسئلة في خاطري غير الساعة ؟ ... ذلك وحي الرغيف ... !

شعر المعدة !

لشد ما كنت أنكر بيبي وبين نفسي أن تكون ثمة صله بين الشعر والعدة ، وبين الفن والمادة ، وبين الكتاب وانائدة ؛ فهذا رد الطبيعة على جهالتي وحمني

....وأيقنت بعد التجربة والاختبار أن أبلغ شاعرٍ في الوجود هو . . هو الرغيف !

وعاب عائب منذ سنوات كاتباً من كتابنا فلم يجد أبلغ في السخرية منه من أن ينسبه إلي " أدب المعدة " ,

واسترسل الناقد وسكت النقود ؛ رمضان عام وعام وإذا الرغيف يرد الناقد إلي حكمه ، وإذا هو يكتب في العدد ٤٨٢ من الرسالة يقول :

" أنا أقترح أن يكون عندنا أدب يسمي " أدب المعاش " وهو الأدب الذي يعلم الناس كيف يقتصدون ، وكيف يواجهون مطالب الحياة في الشباب والمشيب بجيوب سليمة من مرض الإفلاس ! "

وأصاب زكي مبارك هذه المرة وقد أخطأ قبلها مرات ؛ وما هو خطأه ولا صوابه ، ولكنها حكمة الرغيف ؛ ...

الحمارة العرجاء !

ولسائل أن يسألني ويعجب : كيف بالله غاب عنك حسن الرغيف وجمال سمته يوم كان وكان ، فلم تتغن به إلا وقد تناولته أيدي التاجر والطحان والخباز فعاد أشعث أغبر مخلوطاً غريب المذاق مختلف اللون كأنه وجه مجدور . .  

ولو دري هذا السائل لأجاب ؛ فلولا هذا الأشعث الأغبر الغريب المذاق المختلف اللون كأنه وجه مجدور لما ذكرت ذلك الرغيف الذي كان .... ولولا دلال المدل لابتذلته العيون ، وكل مبذول مهين ...! ولولا أن ذهب ما ذهب فأورث لوعة وأعقب حسرة ، لما خشيت أن يذهب هذا الباقي ، فتشبثت به ، فتوسلت إليه ، فسكبت في أذنيه من سحر الغزل !!

... وكان عند رجل من الأغنياء مائة ينكر قدرها ، فضاعت إلا عشرة ؛ فإنه ليحمد الله ليل نهار أن بقي له ما بقي يسد خلثه ويكفيه الحاجة ، فإنه ليمسك هذه العشرة على حرص وحذر ، وإنه بها لأغني منه يوم كان تملك مائة ! ...

والصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضي ؛

ولأمر ما كان المثل العامي : " حمارتك العرجا تغنيك عن سؤال اللئيم ! " أفلا يتغني بحمارته إلا عرجاء ! ...

أول اليقظة !

أذلك خير أم شر ؟ ... أنعمة هي أم نقمة ؟ ...

نحن والبشرية جميعاً من هذه الحرب في كرب وضيق ؛ نعم ، ونحن علي ظمأ وجوع ؛ نعم ، وإننا لعلي منحدر مائل . . ولكن ذلك كله خير ونعمة ؟ والمرض مناعة من المرض ، فشره خير ، والفقر أسلوب من أساليب الجهاد للغني ، فهو حصانة من الفقر ؛ والشعور بالكرب والضيق هو لون من السعة ، فهو وقاية من الاختناق ؛ لا جرم  نحن من ذلك كله في خير ونعمة ، وعلي طريق إلي الغني والسعادة !

وما يحس المريض آلامه إلا حين يستيقظ ؛ فإن شكواه وتوجعـــــــــه لأول اليقظة ، وإنهما كذلك لبشير الحياة ...

في داري طفل رضيع ، لم أره منذ رأيته إلا قطعة صغيرة من اللحم تتحرك في لفائف ؛ فما استشعرت لحظة منذ كان ، أنه إنسان حي ، وما تخيلته مرة فيما ينتظر من مستقبله شخصاً له يد تبطش ، أو رجل تمشي ، أو لسان يتكلم ... ؛  فإني لنائـم إلي جانبه أمس ، وقد طارت في أحلامى كل مطير  - إذ سمعت صرخة حية ، ثم اتصل بكاء !

فاستيقظت عجلان ، فلم أر الطفل بجانبي ، وجاءت مربيته مهرولة على صوت البكاء الصارخ ، ونظرتُ ونظرتْ ، فإذا الطفل أسفل السرير قد مدّ يدين وراح يكافح برجلين وهو يميل يمنة ويسرة ، ويتلوي ويعتدل ، ويجتمع جسمه كالكرة ثم يمتد ؛ كأنما يحاول بذلك كله أن ينهض وحده !

وشغلني النظر إليه عن محاولة إنـهاضه ، ورمتني مربيته بنظرة ثم مالت إليه . . ؛ قلت : دعيه . . دعيني أنظر إليه وأستشعر من حركاته أنه إنسان حي ، إنسان صغير

يحاول ان يثبت حيويته ووجوده ! ... وأحسست معناه في قلبى كما أردت أن يكون !

ما قرأت وما سمعت :

ماذا قرأت في هذا الأسبوع ؟

هذا الذي كتبت ، هو خلاصة كل ما قرأت ! وماذا في صحف الأسبوع إلا العيد ، وإلا الرغيف والإدام ، وإلا السكر واللحم ، وإلا الزيت والنفط ، وإلا أخبار التموين وموظفي التموين ، وتدابير الحكومة والشعب من أجل التموين ؛ فهل تري ترجمة هذا الذي قرأت إلا هذا الذي كتبت ؟ ...

وماذا سمعت في مجالس أسبوع العيد ؟ هذا الذي كتبت هو كذلك خلاصة كل ما سمعت ! وماذا في مجالس الناس في اسبوع العيد إلا هذا الذي كتبت الصحف في اسبوع العيد : الرغيف والإدام ، والسكر واللحم ، والزيت والنفط ، والتموين واخبار التموين ، ثم الموظفون ومرتبات الموظفين في هذا الغلاء . .

وكانت مجالس المراة والسادة منذ سنين تتنزه أن يكون بعض حديث سمارها في شئ من ذلك ؛ فلم يبق لسمارها اليوم حديث غير ذلك ، واختفي حديث الشعر والأدب والحكمة والفن ؛ وأين الشعر والأدب والحكمة والفن في هذه الأيام إلا أن تكون من وحي الرغيف ؟ !

هذه مسألة المسائل بين شئون التفكير العليا في عقل كل ذي عقل اليوم ...

اشترك في نشرتنا البريدية