رغيف .... العيد ! - سنابل العيش !- شعر المعدة ! - الحمارة العرجاء ! - أول اليقظة ! - ما قرأت وما سمعت !
رغيف .... العيد !
...... وكانوا يقولون في هذه المناسبة كعك العيد ؛ فعادوا يقولون : رغيف العيد ؟
ومن ذا يبلغ به الحمق في هذه السنين العجاف أن يذكر كعك العيد وإنه لفي مشغلة من أمر الرغيف ؟ ..
في هذا الموسم منذ أعوام كانت تفيض الصحف بأخبار كعك العيد وحوادث كعك العيد ، وتتفتق عبقرية الشعر " الناعم " عن القصائد الرنانة في كعك العيد ؛ وتتفتح أزاهير الفن المبدع عن الأقاصيص الممتعة في كعك العيد ،
ويتنقل حديث السامرين من ناد إلي ناد ، ومن "مضيفة " إلي مضيفة عن كعك العيد . فاليوم لا شعر ولا قصص , ولا حديث يتناقله السامرون ! وعاد كعك العيد ذكري في
ذمة التاريخ ؛ وكان فرحة الصبي ، و " تخمة " الفقير والغنى ، و "حلقة " السمر في كل مؤتمر وندي ....؟ وغلبه على "مكانته" ذلك الرغيف ....
.... ذلك الرغيف الذي افتقدت عبقرية صناعة في التماس أسباب الغني من صناعته ما افتقدوا ، فخرج وهو أسود "ناعم " لا تكاد تمسكة من جانب حتي يتهالك من كل جانب ، إنه اليوم وحي الشعراء ، وفن القُصاص وحديث النوادي .... وللأشياء كما للناس أقدار وحظوظ !
.... وجلست على مائدة الفطور في الأسبوع الأخير من رمضان أنتظر ... كما انتظرت مرة ومرات في " أرمضة " سلفت ؛ ولكنى كنت فى هذه المرة أنتظر عودة الخادم من "الفرن " بالرغيف ، لا بكعك العيد ...
.... وغابت الخادم عن الدار ساعات ، وإنى لأدعوها فلا تلبي ؛ لأنـها هناك تنتظر . . تنتظر أن " يمنحها " بياع الدقيق مئونة الدار من الطحين للرغيف ، لا لكعك العيد ...
..... ومررت على " الفرن " في الصباح ، فوقفت ساعة أشهد الزحام وتدافع الناس على باب " الفرن " في انتظار نضج الرغيف ، لا في انتظار كعك العيد ...
... وعدت من زيارة أمي في القرية بقفة مثقلة تتجاذبـها أيدي الشيالين في المحطة وتتبعها عيناي من " رصيف "إلى رصيف ؛ وفيها ما فيها من هدايا القرية إلي المدينة ؛ من الرغفان لا من كعك العيد ...
.... وتناولت صحف الأسبوع أقرؤها ، فإذا هي جميعاً تكتب في أسلوب واحد عن الرغيف لا عن كعك العيد ... أيها الرغيف ، لك المجد !
سنابل العيش !
كم مرة سار بي القطار على حقول القمح تميل سنابله وتعتدل فما وقفت ولا جاش وجداني ! ...
وكم عاماً مر " عيد الحصاد " من شهر مايو فما هتفت بذكرى ولا حييت بتحية ! ...
وكم شهدت الفلاح على " نورجة " يدور به علي
سنابله في بيدر القمح فما أحسست معناه ولا أكبرت مشهده ! ...
وهل مررت على " المذراوي " مرة في الجرن وهو يــذرو التبن عن حباته بمذراته إلا تخطت وحذرت أن تدمع عيناي ! . .
... فهذا القطار يسير بي على حقوله منذ بضعة أشهر فيستوقفني وما يقف ؛ فما أراها سنابل علي سوق من القش ولكنها سنابل " العيش " !
... وهذا " موسم الحصاد " قد فات منذ أشهر قريبة وإنا لنحسب له ونعد ونسأل منذ اليوم : متي يعود عيده ؟
... وهذه صورة الفلاح على نورجه في "متحف الفن " , إنها زينة المعرض ورابحة الجائزة !
... وهذا " المذراوي ، إن منظره اليوم في قلبي فرحة وفي عيني دمعة ... دمعة تقدير ومحبة ! . .
وإن سؤالا ليتردد في خاطري الساعة وما سألتني إياه نفسى قط : لماذا . . لماذا لا يتغني شعراؤنا بمواسم الحصاد وإنـها لمواسم ؟ . . لماذا... لماذا لا تجعل على رأس
أعيادنا القومية عيد الحصاد وإنه لعيد ؟ ... لماذا ، لماذا لا يحتفل فنانونا ومصورونا بمناظر الحصاد والدرس والتذرية وإنها لمناظر ؟ ...
لماذا ... ؟ ولكن لماذا لم تتردد هذه الأسئلة في خاطري غير الساعة ؟ ... ذلك وحي الرغيف ... !
شعر المعدة !
لشد ما كنت أنكر بيبي وبين نفسي أن تكون ثمة صله بين الشعر والعدة ، وبين الفن والمادة ، وبين الكتاب وانائدة ؛ فهذا رد الطبيعة على جهالتي وحمني
....وأيقنت بعد التجربة والاختبار أن أبلغ شاعرٍ في الوجود هو . . هو الرغيف !
وعاب عائب منذ سنوات كاتباً من كتابنا فلم يجد أبلغ في السخرية منه من أن ينسبه إلي " أدب المعدة " ,
واسترسل الناقد وسكت النقود ؛ رمضان عام وعام وإذا الرغيف يرد الناقد إلي حكمه ، وإذا هو يكتب في العدد ٤٨٢ من الرسالة يقول :
" أنا أقترح أن يكون عندنا أدب يسمي " أدب المعاش " وهو الأدب الذي يعلم الناس كيف يقتصدون ، وكيف يواجهون مطالب الحياة في الشباب والمشيب بجيوب سليمة من مرض الإفلاس ! "
وأصاب زكي مبارك هذه المرة وقد أخطأ قبلها مرات ؛ وما هو خطأه ولا صوابه ، ولكنها حكمة الرغيف ؛ ...
الحمارة العرجاء !
ولسائل أن يسألني ويعجب : كيف بالله غاب عنك حسن الرغيف وجمال سمته يوم كان وكان ، فلم تتغن به إلا وقد تناولته أيدي التاجر والطحان والخباز فعاد أشعث أغبر مخلوطاً غريب المذاق مختلف اللون كأنه وجه مجدور . .
ولو دري هذا السائل لأجاب ؛ فلولا هذا الأشعث الأغبر الغريب المذاق المختلف اللون كأنه وجه مجدور لما ذكرت ذلك الرغيف الذي كان .... ولولا دلال المدل لابتذلته العيون ، وكل مبذول مهين ...! ولولا أن ذهب ما ذهب فأورث لوعة وأعقب حسرة ، لما خشيت أن يذهب هذا الباقي ، فتشبثت به ، فتوسلت إليه ، فسكبت في أذنيه من سحر الغزل !!
... وكان عند رجل من الأغنياء مائة ينكر قدرها ، فضاعت إلا عشرة ؛ فإنه ليحمد الله ليل نهار أن بقي له ما بقي يسد خلثه ويكفيه الحاجة ، فإنه ليمسك هذه العشرة على حرص وحذر ، وإنه بها لأغني منه يوم كان تملك مائة ! ...
والصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضي ؛
ولأمر ما كان المثل العامي : " حمارتك العرجا تغنيك عن سؤال اللئيم ! " أفلا يتغني بحمارته إلا عرجاء ! ...
أول اليقظة !
أذلك خير أم شر ؟ ... أنعمة هي أم نقمة ؟ ...
نحن والبشرية جميعاً من هذه الحرب في كرب وضيق ؛ نعم ، ونحن علي ظمأ وجوع ؛ نعم ، وإننا لعلي منحدر مائل . . ولكن ذلك كله خير ونعمة ؟ والمرض مناعة من المرض ، فشره خير ، والفقر أسلوب من أساليب الجهاد للغني ، فهو حصانة من الفقر ؛ والشعور بالكرب والضيق هو لون من السعة ، فهو وقاية من الاختناق ؛ لا جرم نحن من ذلك كله في خير ونعمة ، وعلي طريق إلي الغني والسعادة !
وما يحس المريض آلامه إلا حين يستيقظ ؛ فإن شكواه وتوجعـــــــــه لأول اليقظة ، وإنهما كذلك لبشير الحياة ...
في داري طفل رضيع ، لم أره منذ رأيته إلا قطعة صغيرة من اللحم تتحرك في لفائف ؛ فما استشعرت لحظة منذ كان ، أنه إنسان حي ، وما تخيلته مرة فيما ينتظر من مستقبله شخصاً له يد تبطش ، أو رجل تمشي ، أو لسان يتكلم ... ؛ فإني لنائـم إلي جانبه أمس ، وقد طارت في أحلامى كل مطير - إذ سمعت صرخة حية ، ثم اتصل بكاء !
فاستيقظت عجلان ، فلم أر الطفل بجانبي ، وجاءت مربيته مهرولة على صوت البكاء الصارخ ، ونظرتُ ونظرتْ ، فإذا الطفل أسفل السرير قد مدّ يدين وراح يكافح برجلين وهو يميل يمنة ويسرة ، ويتلوي ويعتدل ، ويجتمع جسمه كالكرة ثم يمتد ؛ كأنما يحاول بذلك كله أن ينهض وحده !
وشغلني النظر إليه عن محاولة إنـهاضه ، ورمتني مربيته بنظرة ثم مالت إليه . . ؛ قلت : دعيه . . دعيني أنظر إليه وأستشعر من حركاته أنه إنسان حي ، إنسان صغير
يحاول ان يثبت حيويته ووجوده ! ... وأحسست معناه في قلبى كما أردت أن يكون !
ما قرأت وما سمعت :
ماذا قرأت في هذا الأسبوع ؟
هذا الذي كتبت ، هو خلاصة كل ما قرأت ! وماذا في صحف الأسبوع إلا العيد ، وإلا الرغيف والإدام ، وإلا السكر واللحم ، وإلا الزيت والنفط ، وإلا أخبار التموين وموظفي التموين ، وتدابير الحكومة والشعب من أجل التموين ؛ فهل تري ترجمة هذا الذي قرأت إلا هذا الذي كتبت ؟ ...
وماذا سمعت في مجالس أسبوع العيد ؟ هذا الذي كتبت هو كذلك خلاصة كل ما سمعت ! وماذا في مجالس الناس في اسبوع العيد إلا هذا الذي كتبت الصحف في اسبوع العيد : الرغيف والإدام ، والسكر واللحم ، والزيت والنفط ، والتموين واخبار التموين ، ثم الموظفون ومرتبات الموظفين في هذا الغلاء . .
وكانت مجالس المراة والسادة منذ سنين تتنزه أن يكون بعض حديث سمارها في شئ من ذلك ؛ فلم يبق لسمارها اليوم حديث غير ذلك ، واختفي حديث الشعر والأدب والحكمة والفن ؛ وأين الشعر والأدب والحكمة والفن في هذه الأيام إلا أن تكون من وحي الرغيف ؟ !
هذه مسألة المسائل بين شئون التفكير العليا في عقل كل ذي عقل اليوم ...
