الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 186الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، " ....هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي . ."

Share

دعوة ! -  قادة وقدوة ! - أزياء!  -   أعراض وأمراض

دعوة!

تناول البريد من يد ساعية وراح يفض غلافة . . هذه بطاقة دعوة ، ومضي يقرؤها :

) ينتشرف فلان والسيدة حرمه بدعوتكم والسيدة حرمكم إلي الحفلة الساهرة بمنزله في مساء "

فلان وحرمه ؟ نعم ، إنه يعرفه ويعرفها ، وطالما رآهما جنبا إلى جنب وذراعاً إلى ذراع في كثير من الحفلات العامة والخاصة التي تفرض عليه مكانته الاجتماعية أن يغشاها راضياً او كارهاً ، وطالما جلس إليهما معاً ، وإلى كل منهما على انفراد ، يتحدث ويتحدثان فيها يقتضيه المقام ومالا يقتضيه ؛ وطالما تتبع وقع خطاهما على بلاط البهو الفسيح راقصين في الحلبة صدراً لصدر ، أو صدرين لصدرين .... ....

نعم ، وإن من حقهما ان يدعواه فيجيب او يعتذر ؛ ولكن ما شأن زوجه في هذه الدعوة المختلطة ؟ إنها لم تشهد قط " حفلة ساهرة " في غير دارها او دور ذوي قرابتها ، وإنه ليأبي عليها ؛ إن له رأياً في هذه الحفلات العامة يأبي عليه أن يصحب زوجه إليها ؛ فكيف يجيب ؟

أتري صديقه ذاك يوجه الدعوة إليه وإلى زوجه ليقتضيه الدين على شريعة السن بالسن والعين بالعين والزوجة بالزوجة . ... ولكنه لم يطلب إليه يوماً أن يكشف له زوجه ، وإنما " تبرع " هو بها في مجالس صحابته وغير صحابته ، فكيف يري " التبرع " دينا " يحق له السداد ؟

وفكر وقدر ، واسترسل فيما فكر وقدر ! ولكنه لم يعرف كيف يجيب !

وراح فيما بينه وبين نفسه يلتمس المعاذير لطائفة من خاصته كانوا على مثل رأيه فيما ينبغي للمرأة من التصون والكرامة ، ثم لم يلبثوا أن أسلموا أنفسهم للتيار . . في مثل هذا المأزق كان أول التحول ؛ ها هو ذاك يوشك أن يسلم نفسه . !

.....وكانت إلي جانبه زوجه وفي يدها صحيفة من صحف الأسبوع ، ورمي بصره إليها في حيرة ثم فاء إلي نفسه ، ماذا تقرأ زوجه الساعة ؟ . وماذا في مثل هذه الصحف إلا صور الحفلات الساهرة وأخبارها ونوادر أصحابها ؟ . . هل هي إلا " دعوة " أخري لم يجيء بها " ساعي البريد " ولكن جاء بها " بياع الجرائد" ؟ وكم سيدة تملك أن ترفض هذه " الدعوة " إلي مثل هذه الحفلات الساهرة . . الساحرة ؟ . .

وأوشك أن يقتنع بما كان يلتمس من المعاذير لبعض صحابته  ! هذه حال الناس جميعا في هذا البلد ؛ ولكن وثارت نفسه ... لا لا ؛ إنه يأبي ؛ إنه ليس مثل الناس ؛ إن له رأيه وإرادته ....

ولكن . . أيجيب الدعوة وحده ؟ . . ولا هذه ؛ إن زوجه لأعلى مكانا ، وأرفع منزلة ، فما يليق أن ينزل بها وبنفسه إلى حيث يتيح لداعيه أن يسأله : وأين زوجك... ؟

....وكتب إلي داعيه يعتذر ، ولم يفتعل العذر ، لأنه كان مؤمناً بما فعل ؛ وقرأ داعيه معذرته فابتسم . . ثم طأطأ رأسه !

ليتني أدري ما قال داعيه لنفسه وهو مطأطئ الرأس يعد ثقوب الرباط في نعليه وزوجه هناك تراقص فتاها ؟ . ولكنني أدري !

قادة  وقدوة  !

أتدري يا فتى ؟ أتدرين يا فتاة ؟    لقد قالتها امرأة

منذ أسابيع : " إن لي في تحلل الأخلاق في البلدة أسوة ! "

إنها معذرة امرأة ، ولكن في الرجال من يعتذر يمثلها ، وإنهم لرجال !

ومن أين لها ولهم أن يعرفوا أن الأخلاق في البلد منحلة إلا من هذه الصور وتلك الفضائح التي تنشرها كثير من صحف الأسبوع ؟

وماذا تنشر صحف الأسبوع ؟ إنها لا تنشر صورة عم مبروك البقال في حي زين العابدين ، ولا نوادر حسين الجزار في حي المذبح ، ولا طرائف حياة أسرة المعلم نافع في حي بولاق ؛ ولكنها صور ونوادر وطرائف هذه الطائفة التي تعرف وأعرف من أسمائها والقابها ومكانها في الشعب من أهل القدوة والقيادة . .

هذه صورة بنت فلان باشا في " وثبة رياضية رشيقة على حافة حمام السباحة " تريك كل شئ منها ولا تريك وجهها . .

وهذه أخت السيد فلان ، تتوسط حلقة من اصدقاء أخيها تراشفهم كئوس الأنس والترفيه . .

وهذه ليس لها أب ولا زوج ولا أخ ، ولكنها صديقة كل ذي جاه ومال ، وإن لها سبباً إلى كل ( بنك ) ونسباً في كل وزارة ؛ فهذه صورتـها بين اصدقائها وصديقاتـها . . وهذه أخبارها ونوادرها ..

وهذا الباشا ، وهذا البك ، وهذا السيد ، وهؤلاء المترفعون من أهل الجاه والرياسة في المال والسياسة - هذه منازلهم ، وهؤلاء بنوهم وبناتـهم ، في شرفة السباق ، وفي نادي الجزيرة ، وفي بهو الاستقبال ، وفي المطبخ ، وفي غرفة النوم ، وفي الحمام أيضاً . .

وأين تكون القدوة وهذه هي القيادة ؟ لماذا لا يستترون إن كانوا لا يجدون سبيل الخلاص

من هذه البلية ؟ ....أم تراهم لا يعرفون مكانـهم من نفوس الناس إلا أن يظهروا لهم في هذه البلية ؟......

وتسميهم الصحف والمجلات "الطبقة الراقية " لتقدم من أخبارهم ونوادرهم معذرة تلتمسها ( امرأة ) غلبها هواها على الدين والمروءة وحق الزوج والولد !

أزياء!

وقالت فتاة لفتاة : أقرأت يا أختاه ؟ قالت : ماذا ... ؟

قالت : " نائب محترم " يقترح على وزارة الشؤون الاجتماعية أن تحدد للنساء زي الصيف وزي الشتاء ، وان تفرض علينا أنواع الثياب وألوانـها وأطوالها . .

فضحكت الآخرى وقالت : ويزود كل رجل من رجال البوليس إلي جانب العصا والصفارة بمتر أو بمسطرة يقيس بـها ثياب العـــــابرات من تحت إلي فوق ، ومن فوق إلي تحت ؛ فما تغنيه " النظرة " حينئذ في تنفيذ القانون !......

قالت أختها : ويستعين بمن شاء من " أهل الفن " في كل سبيل مطروق على تحديد " اللون " و النوع " حين يشبه له ، فإن لكل عابرة لوناً ونوعاً ، وفي كل مذاق طعماً . ....

فقاطعتها الأخرى : يالك من ساخرة ؛ واين المذاق والطعم من ألوان الثياب وأنواعها وأطوالها ؟ اتعنين . . ومر بهما فتي يلبس " الشورت " وقد بدت الساق . والركبة وصرح صدره عن معناه ؛ واسترسلت الفتاة تقول : أعني . ......

ولكنها لم تكن تعرف ماتعنيه على وجه الدقة لولا أن نبهها منظر ذلك الفتي العابر إلي معني فيه ، فكأنما أذكرها من نسيان ؛ فعادت تقول : أعني . أعني لماذا يحاول الرجال دائما أن يفرضوا سلطانـهم علينا فيما لا يتصل منهم بسبب ؟ أيكون من حقنا - نحن النساء - قياساً

على "منطق الرجال" أن نختار لهم أنواع ما يلبسون من الثياب وألوانـها وأطوالها ؟ . ...  

.... وقبل أن تجيب الفتاة أختها كان محرر " المصور " يتسمع إلي حديثهما ، فما إن سمع هذا السؤال حتى طار به إلى طائفة من قارئاته يستفتيهن ؛ واقتنص موضوعاً من " الشارع " نقل به معركة " الازياء " من ميدان إلي ميدان ........

وكانت " لجنة الاقتراحات " في مجلس النواب تدرس اقتراح " النائب المحترم " لأزياء السيدات ومدى الانتفاع به ووسائل تنفيذه ؛ وكان " مجلس النائبات" في مجلة المصور يقرر قراره بإجماع ستة آراء من " الجنس الناعم يحبذن ارتداء الرجال للشورت والقميص المفتوح " . وقطعت جهيزة قول كل خطيب ! !

ومضي يومان ، ونشرت مجلة الاثنين في العدد ٤٢٢ : " يخشى أن تتطور موضة الشورت تطوراً خطيراً ؟ فقد دخلت إحدي السيدات المصريات في ناد معروف وقد ارتدت بنطلوناً قصيراً (شورت ) أسوة بالرجال ؛ وقد قوبلت هذه الموضة الجديدة ، بالهزء والزراية والاستخفاف ! " والبقية تأتي . ....

أعراض وأمراض !

نمت متعباً وصحوت متعباً ، وحاولات أن أزابل فراشي فما أطقت ؛ وتناولت " الأهرام " أتخفف بقراءته من بعض ما أحس من الضجر وثقل النفس ؛ واسترعاني عنوان " المرض الجديد ووسائل علاجه " للدكتور كامل يعقوب... . وقرأت :

" وتنحصر أعراض هذا المرض بالإيجاز فيما يأتي : الدوخة ، واضطراب البصر ، وظلمة العينين ، وزيادة ضربات القلب ، والهبوط في الدورة الدموية ، والشعور بضيق وعسر في التنفس ، واحتقان في الدماغ ،

وصداع ، وآلام ، و ، و ، و ..." وتصبب العرق من جبيني ؟ ماذا ؟ لكأنما يشخص هذا الطبيب دائي ؛ إنني لأحس كل ذلك في جسمى وفي نفسي وأعصابي ؛ وإنه لمرض خطير على ما يصف واصفه !

هأنذا أتحسس أطرافي ، وأعد نبضي ، وأختبر قوة نظري بالتحديق ، وقوة سمعي بالصمت ؛ فأحس دواراً في الرأس ، وسرعة في النبض ، وضيقاً في الصدر ، وبـهرا في النفس ، فلولا أن الفراش يمسكني لهويت مغمياً على ؛ ونادتني ابنتي فنظرت ، وكأنني لم أر ، وكأنني لم أسمع ؛ وقلت أحدث نفسى : لك الله يا ابنتي ولأخويك بعد أمك وأبيك ! :

وفررت من داري لأشكو همي إلي أول من ألقاه من صحابتي ، فاذا هو يسبقني إلي الشكوي من مثل ما بي ، وابتسمت ابتسامة الحزين أحاول أن أسري عنه ، فإذا دائي يعاودني ؛ ونظر في يدي ونظرت في بدء ، فإذا " الأهرام " في يدي وفي يده ؛ وقلت له أحاول أن أخدعه وأخدع نفسى " إن المرض هنا يا صديقي - في هذه الورقات - لا في رأسك وصدرك ! " فابتسم ولم يجب ، ومشينا صامتين ؛ ولقينا صديق ، وأردف التحية بالشكوى ، وابتسمت وابتسم صاحبي ، وخف بعض ما بي ، وأحسست نشاطاً يدب في أعصابي ، ومشينا ؛ ولم ألق صديقاً في ذلك اليوم إلا شكا إلى أو هم أن يشكو ، وبرئت من دائي قبيل المساء ، وأصبحت نشيطاً معافي ........

وسألني صاحبي في الغداة : كيف أصبحت ؟ قلت : أوه ؛ لا تذكرني يا صديقي ، إن بعض المرض يخف بالنسيان ! قال : نعم ، وإن بعض الأصحاء ليمرضون من حديث بعض الأطباء !!

اشترك في نشرتنا البريدية