بعد الامتحان ! - أدب الطفل !...
بعد الإمتحان :
قرأت في العدد ٩٧٩ من " المصور " ما يأتي : " هل الأسئلة صعبة ؟
" يلاحظ المهتمون بشئون التعليم أن هناك شكوي عامة ، ودائمة أيضا ، من ضعف المستوي العلمي للطلبة ، سواء في ذلك المتخرجون والذين مايزالون يتابعون مراحل الدراسة ، ومن قصور هؤلاء وأولئك قصوراً لا يتمشى مع ما يبدو من ارتفاع نسبة النجاح وزيادتها عاماً بعد عام ... " وبعد أن أوردت المجلة بعض ما بدا لمحررها من الملاحظات في هذا الشأن ، رجعت إلي بعض الإحصائيات
الرسمية عن الأسئلة ونتائج الامتحانات في السنوات الأخيرة , ووازنت بينها وبين أمثالها في بعض ما سبق من السنين ، واستخلصت من هذه الموازنة ما استخلصت من الحقائق ؛ ولكنها لم تنته في هذه المشكلة إلي رأي ولم تجد لسائلها جواباً ....
وأنا فليس يعنينى في علاج هذا الموضوع أن اسأل : أكانت الأسئلة صعبة أم سهلة ؟ .... وليس يعنينى أكانت نسبة النجاح في هذه السنين خيرا منها في سوابقها أم كانت أسوأ ، ولست أجد فائدة في الموازنة بين أعمار المنتسبين من التلاميذ في هذه السنين وأعمار زملائهم منذ ربع قرن ...
ليس يعنينى شيء من ذلك ، ولا أحسبه يعني أحدا من أصحاب الرأي في هذه الأمة ؛ وإنما يعنينا جميعا أن نعرف مبلغ ثقافة التلميذ المصري في هذا الجيل ومقدار ما استفاد من المدرسة ،
ليس شيئاً ذا بال أن يكثر عدد التلاميذ المنتسبين في مدارسنا ، وليس يرضيني أن يزيد عدد الحاصلين على
الشهادات العالية عندنا في كل عام ألفاً أو ألفين ، وما أري هؤلاء الألف أو الألفين زيادةً في ثقافة الأمة ، إلا أن يكون ما حصلوه من العلم في مدارسهم قد انتهي بهم إلي حقيقة في أنفسهم تفرض عليهم أن يكونوا لأنفسهم ولبلادهم كما نرجو أن يكونوا !
فإن كان ثمة وجه للموازنة بين نتائج الامتحانات في سنين متقاربة أو متباعدة ، فإنما هو أن نوازن بين ثقافة التلميذ اليوم وثقافة زميله الحاصل على مثل درجته أو شهادته العلمية منذ نصف قرن ، أو منذر ربع قرن ، أو منذ عشر سنين ... ؛ فلا يكون سؤالنا : كم عدد الناجحين في هذا العام بالقياس إلي عددهم في العام الماضي ، أو في الأعوام الماضية ؛ ولكن كم عدد الذين أهلتهم المدرسة في هذا العام للنجاح في الحياة ؟ ... وإن هذه الموازنة وهذا السؤال لحقيقان بأن يفتحا أعيننا على حقيقة لعل أحداً في مصر اليوم لا ينكرها وإن وجدنا الراحة في تجاهلها ...
بلى ، إن التلميد المصري اليوم لينتهي من دراسته العالية ، وقد حصل من العلم أكثر ممحصل زميله من المدرسة في أول هذا القرن هذا حق ، ولكن نجاح المدرسة لا يقاس بكثرة ما يدرس تلاميذها ، ولا بطول مناهج الدراسة وتنوعها ، ولا بتعدد أنواع العلوم والفنون - ليس يقاس نجاح المدرسة بشيء من ذلك إذا لم تستطع المدرسة أن تبتعث في نفس تلميذها الشوق الدائم إلي المعرفة والتماس أسباب التزود من العلم ؛ فما حظ المدرسة الحديثة من ذلك وما حظ تلميذها ؟
إن السنين التي يقضيها التلميذ في المدرسة - مهما تطل - لا تتسع لكل ما يجب أن يلم به من فنون المعرفة ، فان العلم لا آخر له ، وإنما غاية المدرسة أن ترسم لتلميذها الطريق وتقول له : أمض ، أن تضع في يده المفتاح وتشير له إلي الباب ، أن تعطيه الكتاب وتعرفه عنوانه ؟ فلا يعلم العلم كله في المدرسة ، ولكنه يعرف
السبيل إليه ، فيخرج من المدرسة لم يتعلم إلا إن يعرف كيف يتعلم ... !
هذه مهمة المدرسة وهذا واجبها ؟ فإذا رأيت مدرسة تزعم أنها إنما أنشئت ليتعلم فيها التلميذ كل ما يجب أن يتعلمه ، وإذا رأيت تلميذا يزعم أنه قد بلغ الغاية من العلم حين انتهى من مراحل التعليم إلي آخرها - إذا رأيت مدرسة كتلك المدرسة ، أو تلميذا كهذا التلميذ ، فلا تحسبن هذا التلميذ تلميذا ولا تحسبنها مدرسة ، ولا يعنيك بعد ذلك ما كانت نسبة النجاح ، وما كان عدد الناجحين . ومدارسنا الحديثة ، وتلاميذ مدارسنا الحديثة -كلهم هذه المدرسة وهذا التلميذ !!
وما يزال " يلاحظ المهتمون بشئون التعليم أن هناك شكوي عامة ، ودائمة أيضاً ، من ضعف المستوي العلمي للطلبة ، سواء في ذلك المتخرجون والذين ما يزالوان يتابعون مراحل الدراسة ، ومن قصور هؤلاء وأولئك قصوراً لا يتمشى مع ما يبدو من ارتفاع نسبة النجاح وزيادتها عاماً بعد عام " ...
... ما يزالون يلاحظون ولم يدركوا العلة بعد ، وإنما العلة أن مدارسنا الحديثة تحسب أنها إنما أنشئت ليتعلم فيها التلميذ كل ما يجب أن يتعلم , فجعلت همها أن يزدحم برنامجها بالمواد الدراسية المختلفة ، وأن تطول مناهجها وتتنوع حتى لا يكاد يفوتـها شئ ، وأن تتعدد أنواع العلوم والفنون فيها حتى لا يكاد يفلت منها " عنوان " ؛ ثم تنتهي كل هذه " الموسوعات " إلي ملخصات يستظهرها التلميذ ليجوز بها الامتحان ، وقد ازدحم رأسه بالعناوين والرموز والمصطلحات الموجزة المقتضبة ، فيزعم هو أيضاً لنفسه أنه قد حصل من العلم كل ما ينبغي أن يحصل ، فيخرج من المدرسة لم يتعلم إلا أنه قد تعلم ؛ وتظهر الإحصائيات الرسمية تعد الألوف من الناجحين ، وما منهم واحد قد أهلته المدرسة للنجاح في الحياة !
ويسألني سائل برهاناً على ما أسلفت من رأي ... وإني لأسأله : كم تلميذاً خرجته مدارسنا يسعي راجلاً إلي مكتبة من المكتبات العامة يستعير كتاباً - ولا أقول يشتريه - يلتمس به سبباً إلي جديد من العلم ؟ . .
وما أردت أن يعيا سائلي بالجواب ، وإنما أردت أن يؤمن بما أو من !... .
ألا إنه ما دامت المدرسة المصرية لا تكاد تعترف بأن مهمتها الأولى هي أن تحمل التلميذ على التماس أسباب العلم لنفسه بنفسه ، فإنها لم تفعل شيئاً ، ويكون الناجحون من تلاميذها ١٠٠ % ولم يتعلم منهم تلميذ واحد !!
أدب الطفل :
وقرأت فيما قرأت هذا الأسبوع أن وزارة المعارف تعد عدتها لإنشاء مجلة لرياض الأطفال ، بعد أن امتنع ورود مجلات الأطفال من أوربا ، وكان عليها كل الاعتماد في تعليم التلاميذ في " رياض الأطفال " !
قالوا : وستكون مجلة مصورة مفننة ملونة ، وسيصدر منها عدد واحد في كل عام ، وسيحررها ويعد موضوعاتها معلمات رياض الأطفال !
ولست أعرض في هذا التعليق لتفصيل الموضوع ووسائل تنفيذه ، فلعل الأناة في ذلك خير ، وإنها لوجهة جديدة لوزارة المعارف على كل حال ، والفكرة مجردة من أسبابها حقيقة بالتنويه ، فما ينبغي أن نتعجل بالنقد قبل أوانه ، فلتكن وسيلة وزارة المعارف إلي تنفيذ هذه الفكرة ما تكون ، فانما الوسيلة شئ غير الفكرة ، وإذا رسخ الأساس وثبتت أركانه فقد هان ما بقي !
إنما يعنينى هنا أن أنوه بهذه " الالتفاتة الرسمية " إلي أدب الأطفال وإن جاءت متأخرة عن موعدها زمانا ....
هذا الميدان البكر لم يطرقة طارق من رواد العربية حتى اليوم على نهج واضح ، وقد كان حقيقاً بأن يلتفت إليه أهل الأدب وأهل التربية جميعاً ، ليقيموا بناء بهضتنا
الأدبية والعلمية علي أساس ثابت ، فإن الطفل هو أبو الرجل كما يقولون ، فإذا نحن لم نبذل ما نملك من جهد للعناية بالطفل اليوم فإننا لن نجد منه في الغد الأب الذي نأمل . وأول ما يجب أن نبذله لهذا الطفل هو العناية بتربية عقله وتغذية وجدانه وترقية فنه درجةً بعد درجة على نهج يطرد أوله وآخره حتى ينتهي بنا إلي الهدف الذي نتنوره على بعد . ونحن نشكو فيما نشكو اليوم قلة إقبال متعلمينا على القراءة ، وتسأل من تسأل منهم عن سبب ذلك فلا تكاد تجد جواباً ، وإنما سببه أننا لم نحاول أن نعقد صلة ما بين متعلمينا وبين الكتاب منذ أول عهدهم بالمدرسة ، فنشئوا وبينهم وبين الكتاب جفوة ، فلا هم يطلبونه للعلم ولا للتسلية ، ويكبر الأطفال ولم يتعود طفل منهم أن يصحب كتاباً في حل أو في سفر ، ويصير الطفل رجلا ولا يعرف من الكتب إلا ما حملته المدرسة - مذ كان تلميذاً - على استظهاره ليجوز الامتحان ، فما يعرف الكتاب إلا أنه تكليف بغيض قد فات عذابه به ؛ وذلك أول الجهل وآخره ، وإنه إلي ذلك لأول شر كثير !
هذا هو الداء وإن دواءه لهين ؛ دواؤه هذه المجلة وأشباهها من الكتب الطفلية المحببة ، ثم مجلات وكتب تترقي به عقلا ووجداناً وفناً ، درجة بعد درجة حتى تجعل القراءة له عادة لازمة كالطبع ؟ فإذا هو يلتمس الكتاب حيث يجده ، وإذا هو يتعلم في المدرسة علماً ويحصل من كتابه علماً معه ؛ ثم إذا هو يترك المدرسة لينشئ له من مكتبته مدرسة أخرى لا تزال تمده بالجديد من العلم و توحي له بالجديد من الفكر ؛ ثم إذا هو إنسان له رأي وإرادة وتفكير وقوة إبداع !
هذه المجلة الصغيرة التي تعد وزارة المعارف العدة لإنشائها ، هي أول التحول - فيما أري - في مناهج التعليم العامة ، بل في منهج تربية الشعب ؛ هي الخطوة الأولى ، فهل تتبعها خطا ؟ .

