الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 190 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، هذا رأيي ، وعلى تبعته وحدي .... ...

Share

هذا الباب . الرأي العام أمة مترجمة ) - الهدف العام - المجلة المصرية - وصندوق البريد ؟

هذا الباب .

قال لي صديقي :

" إلي أي غرض ترمي من هذا الباب ؟ . أراك لم تقتصر على نوع واحد من أنواع الكتابة ؛ فانك لتكتب حينا في الأدب ، وحينا في الاجتماع ، وأحيانا في الدين ، وتارات في شئون التربية ، وإنك لحري بأن " تتخصص ؛ إن هذا الجهد المبعثر لن يبلغ بك ولقد حاولت مرات أن اجتمع وإياك على رأي في كل ما تكتب ، ولكنى أنا أيضا أريد أن " أتخصص "

وحاولت أن أجمع هذا " الخليط من آرائك إلى باب ، وأرده إلى خصيصة " مشتركة ؛ فلم أجد خصيصة تجتمع في هذا الشتيت المبعثر إلا الثورة والحنق وروح التشاؤم .

" . . هون عليك ياصاحبي ، فلست ببالغ شيئا من وراء كل ذلك إنك لتكاد تؤمن معى أنك في طريق غير طريق الناس ، ولخير لك أن تلزم آثار القافلة أيهما " المنبت " في بيدائه " .

ياصديقي أما " التشاؤم " فليس له سبيل إلى نفسى ؛ إنني لأعرف أين أقصد ، وسأبلغ وقد بلغت أول " الدرب " حين حملتك وحملت طائفة من القراء معك على أن يسألوا : " إلى أي غرض يرمي من هذا الباب ؟ ؟

إن إلحاح هذا السؤال علي من طوائف عدة ، وإلحاح معناه على خواطر سائليه حينا بعد حين

الدليل على أني قد بلغت مرحلة من مراحل " التنبيه العام ، وما أحرى هؤلاء السائلين بعد أن يصيبوا جواب ما سألوا أو يقاربوا

وهذا " الشتيت المبعثر " كما تسميه ياصديقي ، وكما يبدو في عيون كثير من قرائه - إنه في فكرة مجتمعة " إلى هدف موحد ، وإنك لحقيق بأن تنوره على مبعدة لو أتممت النظر . .

دع عنك هذا " التفريق المصنوع " بين ما تسميه الأدب ، والفن ، والخلق ؛ هذه عناصر ثلاثة لمعنى واحد إذا تركزت حقيقته في وعي الأمة فقد صدقت

ما الأدب ؟ وما الفن ؟ وما الخلق ؟ وما الدين ؟ وما الاجتماع ؟ وما السياسة ؟ . أين تؤدي مؤداها مجتمعة أو متفرفة ؟ وهل الغاية من كل واحد منها علي حدة إلا الغاية منها مجتمعة ؟

لماذا نسمى الأشياء بغير أسمائها ؟ ولماذا نحاول أبد أن " تفصل " ما ينبغي أن يجمل ؟

هذا " التفريع " قبل أن يستقيم الجذع ويقوى لا ينهض بالشجرة ؛ فلا أديب " يحق إلا أن يكون له ذوق في الفن ، ومذهب في الخلق ورأي في الدين . وطريق في الاجتماع ؛ ولا فنان إلا أن يكون له نصيب من الأدب ، ومنزع في الدين ، وسلوك في الجماعة ؛ ولا " أمة " لا أمة إلا أن تكون طريقها واضحة المعالم في

الأدب والفن ، وفي الخلق والدين ، وفي الاجتماع والسياسة ؛ وأن يكون لها " هدف " يجتمع عليه " الرأي العام ، من بناتها وبنيها ، تجتمع عناصره من الأدب والفن ، ومن الخلق والدين ، ومن السياسة والاجتماع . فأين هو " الراي العام ؛ المجتمع في هذه الشئون وأين هو الهدف المشترك " الذي تتنوره أبصارنا وتتعلق به أمانينا ؟ . .

الرأي العام .

وما بي ثورة ولا حنق ، ولا في قولي مبالغة وغلو إن زعمت أن هذا الوطن ليس له رأي عام ، لا في الأدب والفن ، ولا في الخلق والدين ، ولا في السياسة والاجتماع

" التخصص " ؟ نعم ، ولكن بعد إدراك " المبادئ العامة في علم " القومية ، وبعد نضج " الخصائص المشتركة " التى تشخص هذه القومية ، وبعد اجتماع " العناصر المؤتلفة " التى تتفاعل بها القومية - بعد اجتماع ) الرأي العام ، على فكرة أولية مشتركة في الأدب والفن ، وفي الخلق والدين ، وفي السياسة والاجتماع ؛ وهذا الرأي العام لم يتكون بعد فكل دعوة إلي  (التخصص) قبل هي دعوة الى  التفكك والانحلال ، بل هي البعثرة  والشتات ، وإن زعم من زعم أنها( تركيز واجتماع)

أين الموازين المحكمة التي تسوى بين أحكامنا على اختلاف الطوائف والطبقات في الفن والأدب ، وفي الدين والخلق ، وفي الاجتماع والسياسة ؟ . . ليس لنا في ذلك ميزان يحكم ؛ فهذا الشئ حسن عند طائفة لأسبابه ، وهو لهذه الأسباب نفسها دعيم كل الدعامة عند طائفة غيرها ، والعلة واحدة والمعلول واحد ؟ وما يشيل عند طائفة ترجح عند طائفة ، لان كل طائفة بميزانها  تزن ؟ وما دام ليس هناك (ميزان عام) مصكوك عليه رقمه وقيمته ، فليس هناك ( رأي عام ) له اعتباره ومعياره

أمة مترجمة !

وإننا مع ذلك لنشهد معارك طاحنة في مذاهب الأدب ، وفي مرامز الفن ، وفي مسالك السياسة ، وفي نظريات الاجتماع . . أهؤلاء المتطاحنون نفر من الأمة يتحدثون إليها أم يعيشون في " أبراج "

أفرغت الأمة قبل من إدراك " المبادىء العامة) في هذه الشئون واجتمع لها رأي أم نحن نقودها في "متاهات، ليس لها أول يعرف ولا آخر يوصف ؟ . .

لا ، ولكن طائفة من " السابقين في الفكر " في هذه الأمة يعتسفون بها الطريق الذي لم تختره ولم تر رأيها فيه بعد ؛ وكانوا رجالا(مترجمين) " يعيشون بأخلاق غير أخلاق أمتهم ؛ ويفكرون بعقول غير عقول إخوتهم ، ويحسبون في جو ليس منه جو أهليهم ؟ فلما تمت ( ترجمتهم )عقلا ودينا وخلقا حلا لهم أن " يترجموا " أمتهم ، ليعيشوا في مثل بيئهم ، وأنشئوا يعملون ، ولكنهم بدءوا الترجمة من الفصل الأخير .

من يدري ؟ . . قد تكون ترجمة هذه الأمة إلى أمة فرنسية ، أو إنجليزية ، أو أمريكية - عقلا ودينا وخلقا قد تكون ترجمتها إلى صورة أمة من هذه الأمم إسراعا بها إلى النهوض والرقي ؛ ولكن ينبغي قبل أن نعرف " معجم " هذه الأمة ونقيس معناها إلى معنانا ؛ فلعله لا يتسع لترجمتها فكرة إن اتسع لها " عبارة..... ثم يجب أن ندرس " متن الأمتين " قبل الترجمة كما ندرس قبل ترجمة الكلام " متن اللغتين " وأن نبدأ من الألف والباء

الهدف العام

والأساس الذي يجب أن نقيم عليه البناء هنا - كما يقوم أساس الترجمة على متن اللغة  هو تحديد (الهدف  العام ) للأمة : فقبل أن نشرع في الرأي ينبغي أن نشرع  في تحديد الهدف .

وإنما يحدد أهداف الأمة أن يكون لها ميزان مضبوط يسوي بين احكامها في الفن والخلق والسياسة ، فتكون ثمة قواعد عامة تقيس اليها ، فتستحسن وتستقبح على رأي مشترك ؛ وإنما يوجهها إلى ذلك

قادتها وأدباؤها وأهل الرأي فيها ؟ وما لم تجتمع لها هذه " القواعد العامة " التي تضبط ميزانها وتسوي بين أحكامها فكل أديب وكاتب وفنان وسياسي مسئول أن يسخر موهبته لتوجيهها إلى الطريق السوي وتسديد خطاها فيه ؛ لا يقول واحد منهم : " هذا اختصاصي " ولكن يقول : " هذا مذهبي " ولا يقتصر على فن من فن ؛ لأن مرحلة (التخصص) " لم يحن آوانها بعد ؟ وإلى هذا الغرض أرمي . .

المجلة المصرية :

وفي مصر مجلات قلت عنها في بعض ما سبق من هذا الباب إنها ليس بينها مجلة مصرية واحدة ، واحتججت لهذا الذي زعمت بما فيها من الخلط والتناقض ، وباختلاف أبوابها على الرأي الواحد ، فتراها تدعو الدعوة وتناهضها ، وتحارب الفكرة وتعمل على ذيوعها ، وتنشر الفساد وتعيب في بعض أبوابها على ناشريه ؛ لأنها لا تعرف لها " هدفا " تسعى إليه !

هكذا زعمت ، وقال قائل :(أفتريد أن تحجر على الرأي ؟ أتريد المجلة بابا واحدا لمعنى واحد ؟ . . . أترى أن يوصد صاحب المجلة بابه دون كل رأي يخالفه ؟ . .

وفتن هذا القول سميعا فراح يردد وراءه ؛ " أفتريد ؟ . . أفترىى ؟ وكثرت الببغاوات ! .

وهو قول خليق بأن يفتن ويجد دعائه أنصارا ، فان الحرية كلمة عذبة من طول مارددتها الأفواه وإن لم تجد لها مذاقا ولم تحس لها طعما ؛ ولكن النظام " قبل " الحرية ؛ والنظام هنا يتعلق بكيان أمة لأنه يحدد هدف أمة ؛ فما يد من ان يكون لكل مجلة رأي ليعرف لها هدف ، لتكون مجلة فيها صورة من الأمة .

وقد سألت في العدد الماضي سؤالا : " هل من حق جريدة من الجرائد أو مجلة من المجلات أن تمتنع عن النشر لأديب ( معروف ) لأن له رأيا يخالف رأي صاحبها ؟ "

نعم ، لا معروف ولا غير معروف ؛ ينبغي أن يكون لكل مجلة رأيها إن كان لها هدف تريد أن تبلغه . على أن " الراي " غير " الهوى " والمنفعة التي تتصل بالهدف العام غير المنفعة التي تتصل بالذات ؛ فلا أقول إن لكل صاحب مجلة " حريته " ولكني أقول له " رأيه " .

وصندوق البريد !

وكم يجني صندوق البريد علي كثير من جرائدنا ومجلاتنا !!

هذا محرر مجلة من كبريات مجلاتنا يفلى بريده اليومي ليختار ما ينشر منه ؛ لا بأس عليه في ذلك ، بل إنه واجب من واجبه ؛ ينبغي أن يكون لصندوق البريد باب في تحرير المجلة ، ولكن الذي لا ينبغي ، أن يكون تحرير المجلة كله من " صندوق البريد " !

لقد قلنا إنه واجب أن يكون لكل مجلة رأي وأن يكون لها هدف . وهذا الرأي وذلك الهدف لا يمكن أن يكون لها قوة الثبات وقوة البلاغ مادام كل محرري المجلة في صندوق البريد

هذا الذي يكتب إلي عن غيب ، إنه يكتب ما في نفسه لا ما في نفسى ، وقد نتفق وكثيرا ما نختلف ! فإذا كان كل معتمدي - أنا المحرر - هو ما يأتيني به صندوق البريد في كل أسبوع فأنا على طريق غير الطريق وإلى هدف غير الهدف وإن خيل إلي أنني على نهج سواء ؛ إن ثمة وسائل كثيرة لخداع المحرر عن رأيه وإن لم يشعر ، وإنه لخليق أن ينحرف عن قصده وإن بدا لعينيه المعصوبتين أنه ماض لوجهه !

وثمة " طابع المجلة وإنه لعنصر عظيم الأثر في بروز " الرأي " وفي تحديد " الهدف " ؛ هذا الطابع لا ثبات له في المجلة التي يختبئ كل محرريها في صندوق البريد ، لأن " ساعي البريد " لا طابع له !

كل مجلة ذات رأي أن يكون لها " محررها

الدائم " فإذا لم يكن لها " محرر دائم " فليس لها " طابع ومن ثمة فلن يكون لها ) (رأي) ولا (هدف) : ! ولعل هذا هو السر فيما تشهد من انحدار بعض مجلاتنا الكبرى إلى الخاتمة وكانت مجلة ذات قراء !

أترى رأي هذا يغضب طائفة من " ناشئة الكتاب " الذين يتصايحون على أبواب المجلات ؟ . ولكنهم يستطيعون أن يبلغوا ما يريدون إن استطاعوا أن يكونوا كتابا ذوي آراء . . ولهم أهداف !

اشترك في نشرتنا البريدية