حديث رمضان
هذا رمضان قد جاء وإن لكل رمضان حديثه ومسامراته ونجواء ، فما بال رمضاني صامتا ليس فيه حديث ولا مسامرة ولا نجوى . . ولا نور !
أذلك " رمضاني وحدي ام هو رمضان الناس جميعا في هذا الحين ؟ . .
منذ عام كان لي دار غير هذه الدار ، وبلد غير هذا البلد ، وأهل غير هذا الأهل ؟ فأين داري وبلدي وأهلي ؟ .
هأنذا أقيم في هذا المكان منذ رماني القدر من بغتانه بما رمي ، متفردا بأحزاني علي حدود الصحراء : هذه النخلات بإزائي ، وهذه الخلات من ورائي ، وهذه
الرمال حتى الفت مكاني ؛ ما بالي اليوم يعاودني حنين المغترب فيطري بي الزمان والمكان إلي حيث يذكرني وما نسيت ؟
أين أنا مما كان ؟ وأين أنا مما سيكون ؟ . .
وجلست وحدي في الشرفة اتطلع إلي السماء ، وكم لنا في السماء من غابات ، وكم لنا عندها من ودائع !
في مثل هذا اليوم منذ عام لم أكن في مجلسي وحدي ، ولم تكن نظرتي إلي السماء نظرتي وحدي . . ماذا أري الساعة ومن ذا يراني ؟
لا شئ ، ولا أحد ، غيري وغير أحزاني !
وأذن مؤذن " الراديو " في المنزل البعيد فخف كل صاثم إلي مائدته ، وثقلت بي همومي فلم أغادر مكاني ونظرت نظرة إلي وراء فتابت الي نفسي هذه ابنتي الصغيرة تدعوني إلي مائدتي وإلي جانبها اخواها الصغيران طفلة تستند إلي مهد طفل رضيع هذه اسرتي منذ اليوم ، بل منذ أمس الذي كان . .
وحسوت خسوة من دموعي ثم نهضت إلي المائدة ؛ من أجل هؤلاء يجب أن أعيش !
وخيم السكون على الدار الصامتة إلا صوت أب يضاحك بنيه على المائدة وإلي جانبه مقعد خال . .
ومضت ساعة الغروب في أول يوم من رمضان ، لا حديث ولا مسامرة ولا نجوي . . ولا نور
يا ليالي في رمضان فات وفي (رماضين) ( 1) قبله ، عليك وعليك . . عليك اسكب أحزاني دموعا جافة لا ترطب وجنة ملتهبة ولا تطفء . .
نامي يا ابنتي نامي
ونامي أنت أيضا أيتها الصغيرة ، فقد نامت أختك !
ونم أنت كأختيك أيها الطفل العنيد ؛ إن لأبيك الليلة ما يشغله عنك وعن أختيك . .
وخلوت إلي نفسي الليل ما زال في أوله . وإنه لأول ليل في رمضان ، فما بال هذا الصمت يكتنفني حتي كأنه ليس على ظهرها غيري ؟ . .
هذه البيوت المتناثرة على مبعدة ، ما بالها خافتة الضوء ساكنة الحركة كأنما شأنها شأني ؟
وهذه النخلات المنتصبة في العراء ، ما بالها ساكنة الظلال صامتة الحس كأنما تسمع همسات قلبي
وهذه الشعاعات المنبعثة من شتي جهات المدينة وضواحيها صاعدة إلى السهاء ، تلتقي وتفترق ، وتأتلف وتختلف . لكأني رأيتها قبل الليلة ، وفي مثل هذه الليلة ، ثم تبحث في حواشي الأفق وتتبعها عيناي .
إن لي في السماء ضالة أنشدها ، فماذا تنشد هذه الشعاعات ؟ إنني أكره أن أراها ؛ إنها تحول بيني وبين ما أريد أن أري ؛ إنها تضرب ستارا بيني وبين السماء على حين يخيل انها تنير حواشي السماء
وأغضمت عيني فرأيت وحف الشجر في الحديقة خفيفا أعجم ليس له جرس ولا معني كأن " شيئا " يتخذ طريقه من خلال الأغصان المتشابكة ، واستروحت عطرا ألفته منذ سنوات ، وأسكرني الشذي فيضرب علي عيني وأيقظ وجداني . .
أيهما الطيف الذي أنعم بالوداد في أول ليلة من ليالي رمضان...... ليتكي وليتني.... ليتني وإياك لم يكن لنا في هذه الحياة تاريخ ! . .
لا ، بل سيخلد هذا التاريخ ، وسيبقى ؛ إنني لاضن به على النسيان
ماذا قلت؟ وماذا كان ينبغي ان اقول ؟ . .
إن للقارئ علي حقا ؛ فلماذا اشتغله بحديثي عما
يعنيه ؟ معذرة إليكم أيها القراء ؟ . .
ولكن أليس في هذا الحديث ما يعني أحدا غيري . . بلى ، أفليس فيهم من يعنيه ان يعرف من يكون كاتب هذا الباب ؟ وكيف حياته ؟ واين هو من نفسه وابن هو من الناس ؟
على ، وإن من حقي وأنا أقرأ لهم كل أسبوع عشرات من الصحف والمجلات ، أن أقرأ لهم في أسبوع من الأسابيع " صحيفة " نفسي ؟ فهأنذا في بعض ليالي أيها القراء
وتسحرت كما يتسحر الناس ، وضممت اطفالي إلي صدري ، ونمت
واستقبلني بني بالتهليل في بكرة الصباح ، وضحكت لهم وضحكوا ، واسرفت لهم في المزاح وأسرفوا في الضحك . ذلك حقهم علي بعد ليلة عابسة جافة ليس فيها من شيء رطب غير الدموع
ورضيت عن نفسي حين طاب لي ان اصطنع في تحيتهم هذا ( النفاق ) لأحمل عن قلوبهم الصغيرة بعض ما تحس من ألم الوحدة طول النهار ؛ إن ( النفاق ) ليكون أحيانا فضيلة ، لأن فيه تضحية ؛ ولست أبا إن رضيت لهؤلاء الصفار ان يدركوا اي معني من معاني الالم يكمن وراء كل ابتسامة تنفرج عنها شفتاي
وعدوت لأدرك القطار إلي عملي وإن جسمي لينوء بما يحمل من اثقال النفس ، وانحططت على أول مقعد بجانب النافذة وتمنيت أن أنام
ألا " سيجارة " ! إن بي لشهوة إلي التدخين بعد هذا الليل الساهر ، ولكن صائم !
وشممت رائحة مدخن على مقربة ! ويل له أليس يحلو له التدخين إلا في هذا المكان ؟. واغمضت عيني ولم ألتفت .
وذكرت أمر " رئيس الوزراء " إلي الموظفين برعاية حرمات هذا الشهر الكريم ، فأثنيت خيرا . . سيحمينا هذا الأمر ساعات من النهار من سوء أدب مثل هذا المدخن السخيف ، وسيحمل طائفة من الموظفين على " النفاق " ولكنه نفاق ظريف !
وعادت إلي خياشمي رائحة هذا المدخن القريب فذممت ، أليس يشعر أنه من هذا القطار المزدحم في مكان عام ؟ . لعله لا يشعر
ونزلت من القطار ونزل ، واتخذت طريقي إلي محطة الترام واتخذ طريقه ، ونظرت إليه فعرفته . . وكانت " السيجارة " في فمه ، بل في ميسج طوله شبر يعض عليه بأسنانه ، وهو في الطريق ، وعيون إليه ناظرة ، وأصابع تشير ، واسمه علي أفواه ؛ إنه رجل معروف ؛ إنه " معلم كبير " في وزارة المعارف ، يعرفه كل تلميذ وكل تلميذة في القاهرة ، لأنه يدخل كل مدرسة ، ويقتحم على كل مسلم حجرته في مدارس القاهرة ؛ إنه فلان . .
لعله يري أن من سوء الخلق ان " ينافق " للناس ، فلا عليه أن يظهر ما كان لا بد ان يخفي . وللأخلاق موازين
لعله ، ولكنه رجل في مكان القدوة والقيادة ، وإنه لمعلم كبير ، وإن عيونا إليه ناظرة ، وأصابع تشير . واسمه علي أفواه ؟
وجلست بإزائه في الترام وكأن لم يرني وكأن لم أره ؛ فلما صار على بعد خطوات من " الديوان " القى السيجارة مشتعلة في الطريق وما تزال فيها بقية ؛ ولم ير من سوء الخلق ان " ينافق " في الديوان ولم يكن يري ذلك في الشارع
وعدت فأثنيت علي امر " رئيس الوزراء " ؛ لا لأن فيه حماية للخلق ورعاية لحرمات الشهر الكريم ، بل لأن فيه رعاية لمزاجي
ماذا قلت وماذا كان ينبغي أن أقول ؟
أسمرت ذات مساء في ندوة من نوادي رمضان حين كان لرمضان نواد ومسامرات ؟
من مثل هذا التشبت المبعثر كانت احاديث رمضان معنى يستتبع معني ، وحادثة تجر إلي حادثة ، وعند كل قائل ما يقول من العتمة إلي السحر
أما في هذا الزمان فليس لرمضان نواد ولا مسامرات ؛ فلنجعل مسامراته مقالا يقرأ إن عز أن نشهده حديثا يروي ، ولا علينا ولا على القارئ من بأس ان يكون ألوانا يختلف ، وشتيتا غير مؤتلف . ولكل مقام مقال .
