الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 197الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي

Share

شهر الحرمان - رماضين   - الطفل !

شهر الحرمان

قال لي صديقي لشد ما أسرفت على نفسك وعلي قارئك فيما كتبت في الآسبعين السالفين ، وما نثرت من آلامك على الناس ؛ أما نفسك فأنت وما تشاء لها ، وأما قارئك . لقد كنت قاسيا يا صديقي إذ لم ترفق به ومضيت تعصر عينية وتعصر قلبه وتثقل على صدره بالامك ، بالامك وحدك

" الأنك تملك صحيفة وقلما وقارئا ؟ . ولكنك لم تكن منصفا ؛ فهذه صحيفة كل قارئ لا صحيفتك ، والشهر رمضان !

ومعذرة إلي صديقي ، وإلي قارئي . . ولو أنني حسبت أنني ما كنت في الأسبوعين الماضيين بالغ كل ذلك من نفس قارئي وصديقي لاقصرت ؛ فما تطاوعنى نفسى

ولو انني كنت اعني الحديث عن نفس لاستدر دمعة مشفق أورثاء صديق لتأبيت  على ما أرادت نفسي إنى ليثقل علي - فوق ما تثقل بي أحزاني - ان يسمع لي مشفق أو يرثي لي صديق ؛ وإني لأعلم أنها آلامي وحدي ، ولي لذتها وحدي

ولو انني قدرت ساعة أن سيقع في وهم واحد من قرائي أنني - بما كتبت أحاول أن أسترق حقه في " صحيفته " وأزعمها " صحيفتي " لامسكت فما بي داء الحديث عن نفس وإنه لداء

ولكنني حسبت حسبة وعنيت شيئا وقد رب قدرا

فكتبت ما كتبت . حسبت أن من حق كل ذي فن ان يصدق في فنه ، فصدقت ؛ وعنيت ان انقل صورة نفس إلي نفس بغير اختراع ولا تزيد كما يرسم الفنان في متحفه صورة البحيرة الصافية إلي جانب صور البركان الثائر ، فرسمت ؛ وقدرت أن يكون في القراء آباء وأزواج ، وأمهات وزوجات ، وبنون وبنات ، فإلي هؤلاء

كتبت ؛ليستشعر كل اب وزوج ، وكل ام وزوجة ، اين هو من زوجه وبنيه ، واين هي من بنيهما وزوجها ، واين البنون والبنات من الآباء والأمهات ؛ ورب صورة أم تناغي طفلها كانت هداية زوج ضال ؟ ورب صورة طفل في حجر أبيه كانت رشاد أم غاوية ! !

وشهر رمضان ؟ . . ما بال شهر رمضان يقحم نفسه في حديث الأباء والأمهات ، والأزواج والزوجات . . وفي حديث الآلام والمسرات ؟

بلى ، ولعلني أدري ؛ فما ثارت هذه الخواطر الحزينة في نفسى مثل ثورتها بي في أول يوم من رمضان

لذلك لأنه شهر الحرمان ؟ فما أحراه إذن أن يكون شهر التذكر والدموع ! والأسي يبعث الاسى ! . وما أعجب صديقي الذي ينكر على ما أسرفت في الحديث عن آلامي لأن الشهر رمضان !

وهل كان رمضان إلا ليكون شهرا في العام نعود فيه إلي انفسنا ونتخلص من ضرورات البدن ، ومن قيود المادة ، ومن شهوات الحس ، وتجلو المرآة التي تكاتف عليها الغبار ؟ .

فهأنذا يا صديقي قد جلوت مراتي ، بدموعي ؛ لأجلو بدموعي مرآتك ومرايا كثيرة ، لأن الشهر رمضان ؛ وما يجلو مرآة النفس مثل الدموع

رماضين

وقلت في بعض ما سبق من " حديث رمضان بالعدد ١٩٥ :

" يا ليالي في رمضان قلت وفى رماضين  قبله ؟

وكأنما قلقت كلمة رماضين في موضعها من الكلام ورنت في أذني رنينا غير مألوف ، لأني ثم اقرأها قبل فيما تناولت من كتب ؛ فكتبت في التعليق

" جمع ) رمضان ( فيما اخترناه ؛ إذ لم نجد له جمعا فيما وقفلنا عليه من مأثور العرب !

قلتها ولم أحقق !

أما إني لم أجد له جمعا فيما وقفت عليه من مأثور العرب ، فذلك حق ، وإن كنت لا أزعم اني قرات من مأثور العرب كل ما كان ينبغي أن أقرأ ؛ ولكن

ولقيني صديق كريم فسألني : وكشفت في معاجم اللغة ؟

وتناولت أول معجم علي مكتبى ، فعرفت ما لم أعرف منذ سنين ؛ وإذا رمضان أكرم على العربية من أن يكون كما زعمت ، وإذا له في لغة العرب جموع وجموع ، ولكني لم اتعود قبل ان اخذ اللغة من تلك المعاجم العجماء ، فهل يعيقني ذلك من تبعة هذا التقصير .

إنه لعيب أي عيب أن يأخذ الكاتب لغته من المعاجم ؛ إنه لا يكتب حينئذ الكتابة الحية التي ينبض كل حرف فيها نبضة روحه ويهمس همس قلبه ولكنه إلي ذلك مسئول أن يلجأ إلي معجمه كاما نابه الشك أوعي بما يريد أن يقول ، ليتزود من اللغة التي كتب لأهلها كتابة يريد أن تخلد علي التاريخ !

فألى قرائى ، وإلى صديقي الذي سألني . . اعتذر اعتذار معترف

الطفل :

هأنذا أعود إلي ما لا يريد صديقي أن اتحدث عنه ،

أتره سيغفر  لي هذه المرة أيضا ولكنى لا أريد أن اشق عليه هذه المرة بحديث لوعتى والآمي ، والشهر رمضان ولعله واحد في حديثي اليوم ما يبعدني من سخطه

ثم إنني لا استطيع أن يكون حديثي غير ما في نفسى ، وما أراه يرضي لي أن أكون في مرآة اليأس شيئا غير الصورة التي في مرآتي ، وانا أنا رجل واحد ، في جوفي قلب واحد !

وحديثي هذه المرة يتصل بسبب مما عاهدت القراء عليه في هذا الباب منذ بدأت أكتب وأذ توالي ؛ فلست أقرأ لهم من " صحيفتي ولكن مما يقرؤن من صحف

بين يدي الساعة طفلي الصغير لقد سلخ من عمره بضعة اشهر وصار له في الحياة تاريخ ؛ فمن حقه ان يعبس أو يبتسم ، ويشير بيد أو بيدين ، ويرضي أويتمرد وينظر؛أو يفضى لقد صار له كالناس أماني وأحلام و  وذكريات !

إنه بين يدي الساعة ، وإن عيني لتبحثان في عينيه عن أسئلة وجوابها ، وإنه ليجيبنى ، يجيبنى بلغته ، لغته هو التي يحسن أن يتحدث بها إلي فيبلغ ويبين لكأنه يشعر أن لي عليه حقوقا لا ييني أن يحجدها . حقوقا لا يملكها أب غيري ؛ لأنني له أب وأم ! وسألته سؤالا عى بجوابه وعييت ، وبكى ، واسلمته إلي المرضع تحاول استرضاءه وانصرفت لبعض شأني .

وخلوت إلي كتاب من كتب لم تتناوله يداى منذ بعيد ) إنه كتاب قديم لم يؤلفه مؤلفه لقراء هذا الزمان إن قراء هذا الزمان قلما يؤمنون إلا بما يقع تحت اعينهم ، بل قلما يؤمنون بما يقع تحت اعينهم وإن كانت كل جارحة منهم تشهد .

وأخذت أقلب الصفحات البالية من هذا الكتاب

العتيق ، لا يكاد يستوقفني شيء منه ؟ وانتهيت إلي بعض صفحاته فقرأت ) ١ (

وقف عزرائيل يوما بين يدي ربه ، فسأل الله سبحانه ألم تأخذك الشفقة يوما بمخلوق أمرت أن تقبضه

قال : لك الحكمة يارب ! سألتني مرة أن اقبض امرأة ، فحان أجلها وإنها لعلي الطريق في مغارة موحشة ليس فيها صوت ولا صدي ، وبين يديها جنين قد وضعته لساعتها لم يفتح عينيه على نور الحياة بعد ولم يلقم ثدي امه ، وليس بينه وبين الأحياء سبب إلا هذه المريضة النفساء قد حان أجلها ، فداخلني يارب مما رأيت رقة ووجد ، وأوشكت ولك العصمة أن افترض ؛ ولكني صدعت بأمرت وخلفت في الصحراء جنينا حيا علي صدر جسد هامد !

قال الله سبحانه ولم تأخذك الرهبة يوما بمخلوق أمرت أن تقبضه حتي أوشكت أن تستصدر قدرك إلي جانب عظمته ؟ ؟

قال : لك العظمة والجبروت يوم سالتني يارب أن أقبض روحك ملك عظيم كان له في عبادك دولة وسلطان ، وأمر ونهى وحب وطاعة فحان أجله وإنه لفي بطانة وحاشية ، وبين يديه جند واعوان ، تزداف النسبة إليه ، ويجتمع الآمال عليه ، وتزدحم الوفود ببابه وتحتشد الاقدار في ركابه ؛ فداخلى يارب مما اقدمت عليه رهبة وخشية ، وأوشكت ولك الجلال أن أنكص ولكنى صدعت بأمرك ؟وخلفت في مجلس العز والمهابة جسدا طريحا لا يذود من نفسه بعوضة ولا هامة !

قال الله سبحانه : فذلك الطفل الذي داخلك له من الرقة والوجد ما داخلك حين خلفته جنينا ينبض

على صدر جسد هامد هو ذلك الملك الذي داخلك له من الرهبة والخشية ما داخلك حين قبضته في مجلس عزه ، وسلطانه

اين شئ من شئ إلا أن يشاء الله ؟ تباركت يارب ياذا الجلال والإكرام ووجدت جواب ما سألت وهي به

ونظرت إلي الطفل بين يدي مرضعه فإذا علي شفتيه ابتسامة وفي عينيه بريق

أيها الطفل الذي لم ينعم لحظة بالحنان من صدر امة أين أنت من حمدك ؟

اشترك في نشرتنا البريدية