حق الأديب - دفاع عن الحرية - قلب المرأة - أسعد زوجين ! ... ...
حق الأديب !
... وهذه رسالة أخري جاءني بها البريد اليوم ، يقول كاتبها :
" قرأت كلمتيك " آخرة شاعر " ، و " البائس المتجمل " (1) ؛ فعجبت لك وعجبت لنفسي . . " إن هذه الحادثة التي أحدثتها وزارة الشئون الاجتماعية ليست شيئاً غير عادي ولم تكن تستحق منك هذا الالتفات ... رجل كان في الطريق فكفلت له الحكومة رزقاً ، لعمل أو لغير عمل ، لصفة فيه أو لغير صفة ؟ ماذا في ذلك مما يدعو إلي العجب والتأمل وإنه لشئ يحدث مثله كل يوم في كل ديوان وفي كل وزارة ؟
... ولكن الذي يدعوني إلي العجب حقاً هو أن نتناول الموضوع من هذا الجانب وله جوانب أخري أولى بالالتفات والعناية .
" لقد زعمت وزعم صديقك " البائس المتجمل " أن الحكومة إنما صنعت ذلك قياما بحق أديب بائس ينبغي ان يكفل له الرزق . . لذلك حق فيما تزعم ... من أين لك هذا وأين شاهده ؟ . . إنما كان يقتضيك هذا المقام أن تسأل نفسك بديّا : أتعترف مصر - حكومة وشعبا - لأديب فيها بحق ؟ فإذا وثقت من الجواب فقل ...
" ألا إنك لتعلم علم اليقين - وإن شبة لك غيره - أين مكانة الأدباء - بأدبهم - في مصر ، وما يليق أن
أصرح . أتستطيع أن تذكر لنفسك برهاناً واحداً يؤيد ما ذهب إليه وهمك في هذا الشأن ! ... ستذكر لي هذه الحادثة الفريدة ؛ ولكنها لا تصلح برهاناً ؛ إنها بالعطف الإنساني أشبه ؛ ولقد يمر بى في الطريق جائع عريان فأحسن إليه ببعض ما أملك شفقة به ؛ افتسمي ذلك " رعاية أدبية " إن ظهر لك في غد أن هذا الجائع العريان ينظم الشعر ؟ فهذا برهانك ! ...
" أتستطيع ؟ ... أعندك علم عن أديب واحد رتبت له الحكومة " معاشاً استثنائيا " وذكرت في أسباب ذلك أدبه وما أنشأ ؟ ...
" أعندك علم عن أديب واحد هَمّ بعمل أدبي لا تتسع له أسبابه فأمدته الحكومة بالمال ليتم ما بدأ من عمل ؟
"أعندك علم عن موظف واحد كان من اسباب ترقيته في وظيفته أنه أديب منشيء وأن له آثاراً نافعة في الأدب ؟
" أعندك علم عن واحد من هؤلاء ، أو واحد من أمثال هؤلاء يقوم به برهانك على اعتراف مصر بحق الأديب ؟ ...
" أما أنا فعندي شواهد أخري : عندي علم عن الأديب الذي بغته الموت في عمله وهو موظف بالحكومة وله أولاد عشرة ، فقاسمت الحكومة بنيه في " المعاش " وخلفت لهم الفقر ؛ فلولا أن الله سترهم بعض ما تيسر من أسباب الرزق لثمرّوا وجاعوا ...
" وعندي علم عن الشاعر اللامع الذي أنشأ ديوانًا من الشعر الحديث فرأت وزارة المعارف أن تشتري منه بضع مئات تقديرا لفنه , ولكن وزارة المالية ردتها عما رأت وكتبت إليها تقول : " إن الشعر من الأشياء الكمالية في العصر الحديث ! " . فباع الشاعري ديوانه في ميزان الوراقين ليسدد دينه !
" وعندي علم عن الأديب العالم الذي احترمه الموت
في شبابه ، فلا احصيت تركته التي خلف لابنته لم تزد على بضع وثلاثين نسخة من كتاب ألفه للحكومة وطبعته الجامعة وكان كل نصيبه منه أربعين نسخة اعترافاً بفضله ... .. !
" وعندي علم عن الموظف الأديب الذي خيل إليه أنه مستطيع ان يستشفع بأدبه إلي الترقية لأن رئيسه من أهل الأدب ، ولكن رئيسه الأديب رده عما كان يأمل بالقولة الثافقة حين قال له : "خل عنك , لقد مات المويلحي جوعان " !
وعندي علم عن المذكرة التي كتبها رئيس إلي رئيسه الأعلي يقول فيها عن بعض مرءوسية ، بأن فلاناً وفلاناً يتساويان في الأقدمية ، وفي المؤهلات الدراسية ولكن فلاناً منهما أحق بالترقية من " الآخر " لأن هذا " الآخر " يراسل بعض الصحف والمجلات و" يشغل وقته " بالإنشاء والكتابة !!
" عندي علم هذا وغيره فماذا عندك من العلم تبرهن به على اعتراف الحكومة بحق الأديب ؟... " أهذه الحادثة وحدها ؟... إن لك عندي " هبة " عظيمة يوم يسهل الله لي ، تقبضها بحق طيبة قلبك لا بحق الأدب !! إنك تحسن الظن كثيراً ياصديقي وتسرف في التأويل !! . " (...)
وما ظننت يوم كتبت كلمتى عن "آخرة الشاعر " عبد الحميد الديب أنني سأقرأ كل ذلك ، فلعله من " نحس" ذلك الشاعر البائس أن يثير أمر من أمره كل هذا الجدال ، ولعله وقد عاش ما عاش من عمره يطرب الناس بالأنين وموجعات القلب - يشهد الفصل الأخير من مأساة نحسه وبؤسه بما يقدم للأصدقاء ، من لحمه يمضغونه ليتعطوا به من الجوع والمتربة ، ويناله ما يناله من رشاش القول وغبار الجدل ليكون في" آخرته " باباً إلي سعادة الأمل
لبعض الناس وإن الريح لتلفحه من هذا الباب و تقذي عينية بالغبار ؛ وكذلك كان في " أولاء " وفي حياته جميعاً !
على أن هذه الرسالة حقيقة بالتأمل والأعتبار ، لا من حيثما أثار كاتبها من أسباب التبرم والشكوي ، ولكن من حيث الدعوي ؛ فماذا يريد الأديب لنفسه بحق الأدب أن يكون ؟ ... هل يكتب الكاتب وينظم الناظم ويؤلف المؤلف ليبلغ حقاً لم يبلغه بأسبابه ، أو ليؤدي رسالة ويبلغ غاية من الفن والشعر والأدب ؟
إني لأخشي وقد كثر ما قال القائلون في هذا الباب أن يقع في وهم بعض المتأدبين أن الأدب " مكسلة " أو "مكسبة " ، وانه ليس على الكاتب أو الناظم إلا أن يكتب أو ينظم و...ويمد يديه للمسألة !!
نعم ، للأديب حقه ؛ ولكن عليه واجبه كذلك لفنه وللحياة جميعاً ؛ وليس أديباً من يزعم لنفسه أن الأدب هو التماس أسباب الرزق بالكتابة والشعر . وبالدعوي والشكوي !
هل لي - وإنني لمؤمن ببعض ما قال الكاتب - أن أحمله وطائفة معه تبعة تقصير الحكومة فيما يزعم من حقوق الأدب والأدباء ؟ ...نعم ، فلو بلغ الأديب منه مبلغاً يحمل الناس على الإيمان بالأدب ، وتقديره في أنفسهم ، واعتبار أثره فيما يصدرون من عمل ، وتوجيهه فيما يعالجون من مشاكل العيش ومطالب الوجدان - لو بلغ الأديب بفنه هذا المبلغ في أذواق الناس وفي عواطفهم وفي شئونـهم الحية - لعرف أين موضعه وأين حقه ؛ ألا إنما الأديب بقوة أثره ، فما لم يؤثر الأثر القوي فما له حق وليس له أن يطلب أو يشكو ويتبرم !!
دفاع عن الحرية !
... ولكن لماذا ... لماذا يلوم ذلك اللائـم ويزري علي الشعب والحكومة ألّا يعترفا بحق الأديب في مصر وإن الأدباء أنفسهم لينكر بعضهم على بعض أن يصيب أحد
منهم حظاً من الغني ، أو نصيبا من الجاه ، أو لونًا من الرفاهية ...!
صديقي " فلان " أديب كبير له في بلاغة القول شأن وخطر ، وقد قرأت له أمس مقالًا في الدفاع عن البلاغة تناول فيه طائفة من الكتاب لم يسمهم بأسمائهم واتخذ سهم في دفاعه عن البلاغة مقدمات ونتائج ...
... وحمل حملة على الأدباء من " أرباب المناصب " ! ليت شعري ماذا كان يعني بهذه الحملة ؟ ... إنه رجل " حر " فلا عليه أن يحمل على " أرباب المناصب" من الأدباء ؛ افتراء يعني أن ينكر على الأدباء أن يكونوا أرباب مناصب ، أم ينكر على أرباب المناصب أن يكونوا أدباء ؟ يخيل إلي أن أحد هذين المعنيين واضح القصد في مقاله ، ولكن القضية بشقيها يعوزها الدليل ؛ فأما إن كان يريد الأولي فإنه لينكر على الأديب أن يكون له حق في منصب أو جاه أو رياسة ، وما أراه إلي ذلك بقصد ؛ وأما إن كانت الثانية فإنه لينكر على صاحب المنصب أن يعالج شئون الكتابة أو يعمل بقلمه ، وإنه بذلك ليحجر الواسع ويقيد المطلق ويتجاوز "حق الأديب " !
المنصب عيش والأدب فن ، وما على أحد من بأس أن يعمل لدنياه ويعمل لفنه في وقت معاً ؛ إنما العيب كل العيب أن تصرفه أسباب العيش عن فنه ، أو يقف الفن بينه وبين التماس أسباب العيش في أمة لا تعترف للأديب بحق الحياة !
ل , ليست هذه هي القضية وليس هذا هو وجه الرأي ؛ لقد كان الوجه - في دفاعه عن البلاغة - أن يعرض لحق الأديب فيذكر أين موضعه من الناس في هذا البلد قبل أن يعترض وينكر ويقرر ؛ إن موضع الاديب من الناس ليحدد مكانته في الأدب ومنزلته في الفن وحقه في حرية الرأي والعبارة ؛ ومن أين له أن يقول فيحسن لتتحدد مكانته في الأدب ومنزلته في الفن وحقه في حرية
الرأي والعبارة إلا أن يعرف أين موضعه من دنيا الناس ، وأين منه أسباب العيش بين الناس ؟
نعم ، إن التطفل على الأدب ظاهر الأثر في بلاغة القول لهذا الجيل ، ولكن هذه قضية غير قضية " أرباب المناصب " ؛ وإقحامها في هذا الباب خليق بأن يوهم معني غير مقصود ، ولعله يحمل علي "سلب الموجود " من حق الأدباء لا من رد السليب ! .
والشاهد والمثل في تقعيد القواعد وتحديد الحدود غير القضية العامة !
قلب المرأة !
أقرأت هذا الاشتفتاء وجوابه ؟ لقد سألت " آخر ساعة " الدكتور زكي مبارك فيمن سألت من أصدقائها : " كيف تستولي على قلب المرأة ؟ " .
والدكتور زكي مبارك رجل قد سلخ جلد الشباب وما يزال أحب شئ إليه أن يشتهر بالحب والغزل ، فإنه ليحلو له أن يقحم الحديث عن مغامراته و " ليلياته " في كما حديث ؛ فكيف وقد سألته "آخر ساعة " وطلبت إليه أن يجيب ؟ ...
وأجاب زكي مبارك : " الصلة بين الرجل والمرأة لا تحتاج إلي قصائد ولا مغازلات ... وإنما هي سيطرة من الرجل على المرأة ... سيطرة وجدانية وروحية و ... "وجدانية" لا تحتاج إلي مقدمات أو تمهيدات !
" ... وأنا أصنع بفريستي ما يصنع التعبان : أخدرها بالنظرة ثم ألتهمها ، مع الفرق بيني وبين ما يصنع الثعبان ؛ فهو يميت فريسته وأنا أبعث فيها الحياة ... ... " بالله ماذا حمل " آخر ساعة " على هذا السؤال إلا أن تسمع هذا الجواب من زكي مبارك فتجعله نادرة وفكاهة وسخرية !
أهذه رسالة الصحافة وفن الأديب ؟ ... منذا يعنيه هذا السؤال وجوابه ، إلا أن يكون تطوعا من المجلة
لإضحاك طائفة من القراء او إفساد طائفة من القراء ؟ .
أسعد زوجي !ن
وما رأيت أسخف من هذا السؤال إلا سؤالا آخر وجهته المجلة إلي قارئاتها :" من هما أسعد زوجين في مصر ؟ " لو أنها أرادت أن تعرفهما صفة لكان لها ، ولكنها تسأل القارئات أن يسمين كل زوج وزوجه . . وماذا يعنينا من فلان وفلانة ؟ وأي شيء يكون لو كانا سعيدين أو شقيين من أشقياء الأرض ؟ ؟ أهو فن من الإعلان ، أو فن من السخرية بالقراء ؟ ...
ومع ذلك فقد كان جواب المجيبات عن هذا السؤال أدنى إلي الحياء وكرامة العقل مما أجاب المجيب هناك ، وأبي أكثرهن أن يذكرن أسماء !
وددت لو أنني لم أقرأ أكثر ما قرأت في هذا الأسبوع !

