عام - عواطف مترجمة أربع سيقان
عام
هأنذا راجع لساعتي من زورة في جنح الليل لم أشهد مثلها منذ عام ، وإن صدى ما سمعت من حديث السامرين ليلاحق خطاي واما اطوي الفلاة عجلان إلي مئوي اطفالي علي حدود العمران ، وإنه لحديث ، وإنه لخليق بأن يتردد صداه طويلا في نفسي ، أياما وليالي ؛ فما سهل ان يغيب على ما سمعت من حديث السامرين الليلة
لكأننى غريب في هذه الجماعة وليس لأهل ؛ هذا نسيبى فلان ، وهذه زوجه ، وهؤلاء بنوه وبناته ، ولكن من يكون هذا الفتي الذي يحاول ان يستأثر بالحديث ليفرض رايه ، ومن تكون هذه الفتاة التي تناكبه في المجلس وتشايعه في الراي و تباريه في العبث والدعاية ؟ لكأني اعرفه ، وكانت اعرفها ، ولكني لم أرهما قبل اليوم جنبا لجنب وابتسامة لابتسامة ، ولم ارهما قبل في هذه الدار وإنهما لغريبان من أهل الدار . .
وكان لأهل هذه الدار قبل اليوم حفاظ وتقاليد ، وكان لهم في صلاتهم بالناس قانون صارم ؛ ما بالهم قد أعداهم وباء الجماعة فنسوا التقاليد وعدلوا القانون ، حتى لا كاد انكر منهم كل ما أري واسمع وما يسعد عهدي بهم أكثر من عام ؟
منذ عام واحد - لم يتم تمامه بعد - هجرت مجالس الناس فلم أغش دارا غير داري ، ولم أسمر مع أحد غير اطفالي ، ولم اتبادل حديثا من حديث الناس مع
أحد غير زملائي في الديوان ، وجيراني في الرأي ، وأصدقائي في المكتبة فليت شعري كيف يباعد عام واحد لم يتم تمامه بعد ، بينى وبين اهلي في الرأي والفكرة ، وفي الأجتماع والوطنية ، وفي الإيمان العقيدة ؛ وكيف تغير الميزان فمالت كفة ورجحت كفة وما نقص الموزون ولا تغير قانون الجاذبية ؟
أتخلفا مني عن الركب الصعد أم ثباتا والركب ينحدر إلي بطن الوادي ؟ . . إنه عام واحد ، ولكن العام كثير علي من بيت يحصى الليالي ساعات ودقائق ولحظات
إنه عام واحد ، ولكن ما اشبه امره بالمسألة الحسابية المشهورة : كان الفرق بين عمر اب وابنه ثلاثين عاما ؛ فكم يكون الفرق بين عمريهما بعد ثلاثين سنة من ذلك التاريخ ؟ "
قال الأب : الفرق ثلاثون سنة لم تتغير
وقال الابن : الفرق ستون . .
وصدق الابن ، وكذب الحاسب الأديب
ياليتنى لو كان ينفع " ليتني
عواطف مترجمة
بين يدي الساعة قصيدة الشاعر المبدع على محمود طه ليلة عيد الميلاد هأنذا اقرا منها في جريدة الاهرام ؛
إسمي أيتها الروح ! افي الكون غناء ؟
وانظري . . هل في نواحي الأرض بالليل ضياء ؟
لا تراعي إن يكن قصر عنك البتراء
فالنواقيس التي حيتك أشجاها القضاء
الشجى ترجع صداها والآسى والبرحاء
والتراتيل من البيعة نوح وبكاء !
رددتهن الثكالي واليتامي الشهداء
وأ حزنا . . لكأني أحس لوعة الشاعر في كل
بيت من قصيدته العامرة بالشعر والعاطفة ، وإني لأقرؤها واستعيدها نشوان مرة ومرة ، مما يزيدني ذلك إلا إحساسا بما يضطرم في نفسه من اللهفة والحنين على ما كان منذ سنين من مباهج العيد . . وأي عيد عيد الميلاد . ومالنا وعيد الميلاد ومباهج عبد الميلاد ؟ ألذلك عيدنا أم عيدهم واين من حياتنا الاجتماعية تلك المباهج التي كانوا يصطنعون منذ أعوام في عيد الميلاد ؟ بل أين هي من حياة المسيح نفسه ومن مذهبه ودينه ؟ .
لست أنكر على الشاعر على طه عاطفته وفنه ولحنه الساحر ، ولكني انكر أن يكون في هذه القصيدة شاعرا مصريا ؛ إن للمصري عيدا غير عبد الميلاد ، وإنه في - هذه السنين - لحقيق أن يلهمه شعرا وفنا ولحنا وحكمة لو أنه أحس احساس المصري بعيده أو كان له في نفسه قدسية العيد ووحيه وذكرياته . .
بلي إنه لشاعر ، ولكنه يغي علي قيثارته لغير أهله أليس عجيبا أن يتحرك سقوط باريس عاطفة الشاعر على طه لقصيدة من أروع الشعر ولا تهتز نفسه هزة خفيفة لبعض ما اصاب إخوته وأهله من غارات البرابرة على الإسكندرية والإسماعيلية والسويس ؟
الم يأن للملاح التائه ان يعود إلي مرفئه ليتعرف أهله ووطنه
ويختم الشاعر قصيدته الرائعة بقوله يخاطب المسيح عليه السلام :
يا قويا لم يهن يوما عليه الضعفاء
وضعيفا واسمه يصرع منه الأقوياء
وأنا المسلم لا يجحد عندي الأنبياء
أنت في القرآن حب وجمال ونقاء
عجب قد يشك المثلي وفي القول عزاء
لهذا العالم الشرير قد ضاع الفداء
قدية - ماذا يعني ؟ أثراء لم يعرف بعد " وهو المسلم " رأي الدين في عقيدة " الفداء والخطيئة وعاقبة المسيح ؟ . .
بلي إنه لشاعر ولكنه يغني علي غير قيثارته ، لغير أهله ؛ وما كان أحراه أن يكون ! . .
وددت لو كان في كل حادثة مصرية شاعرها ، كالذي سمعته يقول يوم نكبة الإسكندرية بالغارات ؛
بكي الثغر حتى سري دمعه مع الريح رؤيا تهيب ودم إذا أذن الفجر في أفقه يؤذن عزريل فوق الاكم فهوي قصور لها في السماء جبين على النجم عال اثم وتهوي قبور على أرضها تكاد من الهول تبكي الدم ألا من إسارين تحت الدجي يسقون من كل بؤسي وهم لهم سيرة راح يروي الأسي أساها بدمع كسيب الديم ديارهم أقسمت لا تري قبر الخراب لها بالقسم فلما تهاوت على أسسها ودك الثري صرحها المنهدم مشي الموت أعمي ضرير العصا ينقل في كل عمر قدم تنوح بكفيه زمارة إذا نام زمارها لم تتم ! إذا ولولت في ظلام الضفاف أصاب البيلي من صداها صمم فلا صرخة الطفل تلوي خطاه ولو ذاب فيها حشا كل أم
ذلك الشاعر محمود حسن إسماعيل )
لست أوازن بين شعر وشعر ، ولا بين شاعر وشاعر فلعلي لو اردت هذه الموازنة ان اجد سبيلا إلي القول غير ذاك ؛ ولكني أردت أن انبه إلى ظاهرة من ظواهر الأدب الحديث لعلها بسبيل مما ذكر في هذا الباب عن " الأخلاق المترجمة واسميها هنا : العواطف المترجمة ، لأنها لا تترجم عن احساسنا في ذات أنفسنا بقدر ما تترجم عن تسلط عواطف بعض المتأمرين وذوي
السلطان علي ذات أنفسنا وخداعهم إيانا من حقيقة إحساسنا المجرد !
ومعذرة إلي الصديق الشاعر على محمود طه ، فما ينقص إعجابي بفنه ان أخالفه في فكرته ، وما اعتب عليه إلا وهو عندي مرجو لغد
أربع سيقان
ولعلم قد أثقلت بالتطويل علي القراء من حديث الجد في موسم الأعياد ، فهذه فكاهة يرفه عنهم :
في فصل مصور بالعدد ٤٤٤ من مجلة الاثنين عنوانه " طلاب الكلية الحربية يستقبلون عائلاتهم " - قرأت
في الماضي لم يكن يباح للسيدات والآنسات الحضور في هذه الزيارة - تعني زيارة أهل الطلاب لهم في الكلية - كان مبدأ اختلاط الجنسين يسير بأسلوب المنع البات . .
" ولكن الدنيا تغيرت في هذه الأيام ، ونهضت مبادئ قاسم أمين على أربع سيقان . .
والمحرر - قطعا - لم يكن يعني بقوله " أربع سيقان " غير المبالغة بأسلوبه وعلى طريقته ، ولكنها جاءت في موضعها من الحديث ومن الصور التي تكتنفها عن يمين وشمال كأنما يعنيها للسخرية والتنذر !
أفلم يسعفه بيانه في الحديث عن مبادئ قاسم أمين إلا أن يجعلها ناهضة على أربع سيقان ؟ . . فما هي إذن مبادئ إنسانية تمشي على رجلين . .
أم تراه يعني هذه السيقان الأربع التي تتزاحم في كل حلبة رقص زوجين ، وتشابك في كل خميلة نزهة اثنتين اثنتين ، وتتعابث تحت كل خوان في وليمة " مختلطة " رجلين ورجلين ، وتتلامس في كل مقعد مشترك بالالتزام او المسرح ساقين وساقين . .
ما أبدعها سخرية لو أن المحرر كان يعني فما بقي من مبادئ قاسم في ذهن كل فتي وقتاة إلا صورة مرسومة ناهضة على اربع سيقان
ولكن المحرر لم يكن يعني ، فغلبه على ما كان يقصد ما استقر في واعيته من منظر الساق والساق ، ولكل ادب أثر من " فنه في عبارته ، وحد البلاغة عند الإسكاف أن يطابق الكلام مقتضي الحال " حذر النسعل بالنعل ! "

