ذكري البشرى - والرافعي ! موت القادة !-الأدب والوظيفة - إعانات الأدباء!- أعباء الدعاية !
ذكرى البشرى
احتفلت محطة الإذاعة للشرق الأدنى منذ قريب بذكرى الأربعين لأديبنا الراحل المرحوم عبد العزيز البشري ؛ فاعجب ما شئت لمصر : تنسي الراحلين من ابنائها ويذكرهم الغرباء ، كأن لم يكن عبد العزيز البشري من مصر ، ولم يكن لها جهاده ودأبه ، وكأن لم يكن من مجدها مجده ، ومن تاريخها تاريخه
أعقوقا وكفرا بالنعمة ، أم جهلا وغفلة ، أم حقدا وأثرة ؟ ؟ فما يمكن ان يكون إلا لواحد من هذه الثلاثة إغفال ذكر البشري في مصر وما يزال رطبا ثراه !
لقد كان البشري ريحانة في كل مجلس ، وزينة في كل ناد ، وبسمة سافرة في كل سامر ؛ فما يعرف له عدو يطلبه بوتر أو يذكره بمعابة .
. . ولا أعرف صحيفة في مصر لم يكن من كتابها ولا جماعة لم يكن من سمارها ، ولا منبرا لم تطأه قدمه ؛ فكيف بالله غاب اسمه حين غاب رسمه ، وخففت صيته حين اختفي صوته ، وقل ذا كره حين غلب ناظره
فلم يذكره إلا الغرباء الأباعد من وراء البحار ، وما ذكروه إلا مجاملة لقومه ؛ بحسب هؤلاء ، الغرباء ان قومه يقدرون قدره ويعرفون فضله فيشكرون لهم . . كما يسمي الساعي من بلد إلي بلد نام ليعزي مرزوءا في ولد من انجب بنيه ، فلا يكاد يبلغه وعليه غبار السفر حتى يري الوالد المرزوء في مجلس من مجالس الشراب والغناء واللهو ؛ اهو التجلد
للمنازلة أم هو الجحود والقسوة وغلظ الطبع ؟ . . ولكنها طبيعة مصر !
والرافعي
وقرأت في صباح الاثنين من أسبوع مضي - في صفحة الوفيات من إحدي الصحف - إعلانا عن احتفال اسرة المرحوم مصطفي صادق الرافعي في مساء ذلك اليوم بذكراه السادسة في معزله بطنطا . . ورثدت لنفسي ! ..
ذلك اديب آخر كان له صوت وصيت ، ومدرسة وأتباع ، ودعوة إلي الحق مشهورة ، ومذهب في البيان واضح ؛ لم يمض على متعاه غير ست سنين ؛ فأين مكانه اليوم مما كان ؟ ومنذا يذكره من أصدقائه وخصومه ؟ . . لا شئ ، لا شئ مما كان إلا إعلان مأجور في صحيفة
وإلا بضعة عشر من بنيه وبناته وإخونه وأخواته ، يجتمعون على ميعاد ويفترقون على غير ميعاد ، في حجرة من دار في مطنطا لا يكاد يعرف الطريق إليها غير بنيه وبناته وإخونه وأخواته ، ولم تمض على متعاه غير ست سنين
ماذا خلف البشري ، وماذا خلف الرافعي ؟ وأي شيء نالهما على ما بذلا من الجهد والعافية حتى اخترهما الموت قبل عمر الموت ؟ ماذا . . ؟ وأي شيء . . ؟
لست أدري ، أو لعلني أدري وأستحي أن أجيب ! نعم لقد خلفا ، خلفا بنين وبنات ، وثروة للرواة ، ثم مالا أدري ، أو ما استحي ان اقول
موت الفجاءة :
وكان موت البشري والرافعي فجاءة ، وكذلك كانت ميتة شوقي من قبلهما ؛ وهل يموت الأديب والقلم في يمينه إلا ليقوم حقه بحجته على قومه ؟ فأين من اعترف بحق البشري والرافعي إن كان شوقي غنيا بجاه المال عن طلب حقه ؟ . .
أم تراهما اختارا إلي الله هذه الميتة قبل أن يقعد
بهما المرض والزمانة عن الجهاد ، كي لا يشهدا جحود قومهما لحقهما وهما ما يزالان بعد في الأحياء ؟ . .
. . أم تراها موعظة تنزلت من السماء على حين بغتة لتذكر الناس والطامح والمغتر بعيشه ، أن فجاءة الموت لا تصيب اكثر ما تصيب إلا المجاهدين الطامحين من أهل الأدب ؛ لأنهم يبذلون من أعمارهم على مقدار م يخلفون ؛ ويتهدم على حياتهم على مقدار مما يبنون ؟ فمن كان جهاد ، منهم للجاه ، أو المال ، فليعرف أبن سبيله ، ليمضي على نهجه حتى يبغته الموت ، أو يؤثر الحياة إن كان يؤمن بالحياة !
الادب والوظيفة
وقد مات الرافعي وهو موظف في الحكومة ، وكذلك مات البشري ؛ فكان لكل منهما عمل بالليل وعمل بالنهار ، وشتان بين عمل وعمل . وأكثر أهل الأدب في مصر موظفون في الحكومة ، ذلك لان حتى الأديب في مصر مضيع ، فليس له رزق مكفول إلا ان يكون له في الحكومة وظيفة ؛ ولا يكاد أديب منهم يجد اعترافا بحقه - للأدب الخالص والفن الخالص - عند الشعب ، ولا عند الحكومة ؛ فليت شعري أيعرف القراء كم يبذل الاديب الموظف من جهد ليوائم بين عمله للأدب وعمله للوظيفة : بين عمله للفن وعمله للعيش
على أن منهم من استطاع أن يحدد شخصيته الأدبية ويفرق بينها وبين الشخصية الأخرى ، شخصية الموظف المأمور المطيع الذي يري له الرأي لا يراه ، ويراد له ولا يريد ، فهو في وظيفته غير ما هو في فنه وهو يملك أن يري الرأي الأدبي الحر بكتبه أو يذيعه في الناس غير مقيد بما تفرضه عليه الوظيفة الرسمية من حدود ومن قيود ، يحرص على أن تكون شخصيته في ديوان الحكومة غير شخصيته في الكتاب الذي يؤلفه ، والمقالة التي ينشئها ،
والخطبة التي يذيعها في الناس ، لا تطغي شخصية منهما علي الآخر ، ولا يسمح لأحد أن يمزج بينهما ، إلا بمقدار ؛ وهو بهاتين الشخصيتين يحيا حياتين بين صبحه ومسأله ، بينهما من الفرق ما بين رجلين لكل منهما في الحياة مذهبه وطريقه ؛ هي ان تعدد الشخصية على هذا النحو يحتاج إلي قوة عصبية كبيرة ، وإنه ليكلف من الإرهاق مالا تحتمله النفس في كل حالاتها ؛ ومع ما يكلف الاديب الموظف من إرهاق وما يحتاج من قوة فإن الظروف لاتهيء لكل أحد ان يحاجر بين شخصيتية ؛ فكم يلقي بعض الإدباء الموظفين من حرج ومن إعنات ، وكم يعرضون لأزمات ، لأن لهم رأيا يرونه للفن ليس مما ينبغي أن يروه في الوظيفة ، ويحل عليهم الغضب ؛ لأن الفصل بين هاتين الشخصيتين لا يمكن أن يكون إلا أن يسبقه الاعتراف بحرية الأدب ، وأين نحن اليوم من ذاك ؟ . .
وقد كان الظن - وحق الأديب الخالص لفنه مضيع في مصر - أن يمنح الأديب الموظف شيئا من الحرية في الفن ، فيبتدع ما يبتدع من صور الأدب ، ويذيع ما يذيع من الرأي ، غير محاسب على شيء من ذلك ، وان يكفل له " الاستقلال في شخصيته الأدبية لا يخلط بينها وبين شخصيته في الوظيفة ، ليهيأ له أن يعمل للفن وللعيش جميعا وماذا على الحكومة لو فرضت ان ذلك " الشخص " الذي يكتب ويخطب ويري الرأي في الفن والأدب هو " شخص آخر " غير ذلك الموظف الذي يعمل لها بالنهار ما تكلفه من أعمال الوظيفة ، فلا يحاسب أحد " الشخصين " إلا على ما يدخل في اختصاصه ، هنا أو هناك ؟ من
ولقد يكون من حسن حظ الأدب في هذه الحقبة أن هذا الرأي له حظ من الاعتبار في بعض دواويين الحكومة دون سائرها ، فلعلنا بسبيل الاعتراف بالأدب ومكانته وأثره في هذه الفترة من التاريخ التي تجاهد فيها مصر
مخلصة لتحتفظ بحق الزعامة العلمية بين أمم العربية ولا أدع الحديث هنا قبل أنوه بأديب من أدباء العربية يرن صوته في مسمع الشرق ، ذلك هو الأستاذ توفيق الحكيم فقد ثار على قيد الوظيفة وضاقت نفسه مما يلقي الأديب الموظف من العنت والإرهاق وتبعة الرأي الحر ، فقال : لا على من ذلك ولا عليكم وإثمالي الفن وحده ؛ وخرج إلي فضاء الحرية
ذلك أديب يؤمن بفنه ويستيقن ما سيكون في غده وفي يديه أسبابه ؛ فأين من يدي أسبابي ؟ . .
اعانات الأدباء
وقد قرأت فيما قرأت من أخبار الصحف في هذا الأسبوع أن وزارة الشئون الاجتماعية معنية بوضع مشروع لإنشاء صندوقي لإعانة الشيوخ وذوي الحاجة من الأدباء والصحفين القاعدين . . وهي نية تستأهل الحمد ولكنها على غير السبيل ؛ ذلك لأن للأدب والصحافة على الدولة حقا أرفع من أن يكون لونا من الوان الإحسان والتبرع فليس الوجه أن ينشأ صندوق لإعانة العجزة والقاعدين ، ولكن الوجه أن تفرض الدولة على نفسها تهيئة الجو للاعتراف بالأدب ليتهيأ للأدباء سبيل الحياة الراضية ، وان تعرف لهم حقهم ومكانهم واثرهم ، فإنها إن فعلت ذلك لن تجد منهم عاجزا أو قاعدا يستحق الإحسان والمعونة . .
. ليس الوجه أن تحسن إليهم ليعيشوا ، ولكن الوجه ان تهيئ لهم الوسائل وتحفظ لهم مكانتهم الاجتماعية ليخلصوا للفن والإبداع فيه فلا تصرفهم عنه مطالب العيش ولا تجعلهم تجارا في سوق تروج فيها الضمائر !
أدباء الدعاية !
وأعود إلي ذكري البشري والرافعي ، فأذكر بجانبهما طائفة من الأدباء والمتأدبين يؤمنون بحق أنفسهم أكثر
من إيمانهم بحق الأدب ؛ فهم يدعون لأنفسهم ويلتمسون اسباب الشهرة بتفارض المدح ، اويمدح انفسهم أحيانا ؛ هؤلاء " أدباء الدعاية " : لولا ما يحيطون به أنفسهم من طبل وزمر ثم يسمع بهم سامع ولم يذكرهم ذاكر ، ولكنهم عرفوا كيف يطفون إلي السطح ويرسب الدر في الأعماق ؛ ولا أسمى أحدا منهم ، فهم أشهر من أن يذكروا .
وإني لأسأل : اهم على حق أم على باطل فيما يفعلون لأنفسهم ؟ إنني ليخيل إلي أن لهم بعض الحق في ذاك ؛ فهم يعيشون في أمة لا تذكر إلا من يذكر نفسه . فهل عليهم معاية إن جاهدوا لانفسهم ، وشغلتهم الدعاية ؟ عن التردد في الفن وتجويد الإنتاج ؟
قال لي المرحوم الرافعي مرة وقد تركت الكتابة أسبوعا : حذار أن تهدم ما بقيت ؛ إن هذه الأمة لتنسي كاتبها الأول وتنكر اثره يوم بصمت ، ثم لا تذكره بعد إلا يوم يعود !
يرحمه الله ! لكأنما كان يتحدث عن مكانه اليوم ؛ أين من يذكره الساعة بعد جهاده الدائب سبعا وثلاثين سنة ولم تمض على متعاه ست سنين ؟ يرحمة الله !

