ميراث عالم الإيمان بالفن - رأيه الشخصي شخصية العامل وعمله - المسابقة
ميراث عالم
اخترم الموت شبابه أنضر ما كان عودا وأفسح أملا ! كانت سنه بضما وثلاثين سنة ، ولكنه خلف في العلم تاريخا كأنما كان جهاده فيه أسبق من ميلاده
وكان طالبا في " الكلية " ثم لم يمض على تخرجه فيها إلا سنوات في مثل عمر الصبي حتى كان هو المدرس الملحوظ في الكلية ؛ وفيما بين خروجه منها طالبا وعودته إليها أستاذا كان دائب الرحلة والتنقل من جامعة إلى جامعة يزود من المعرفة ما وسعه ان يزود ،
فلما استقر به المقام في بلده حاطته العيون وترامت إليه المنى ، وحل حيث أراد أن يحل في موضع الإعزاز والكرامة ، ولكنه لم يتم ، وما كان له ان ينام وإن عليه أن ينشئ في العلم تاريخا لا يتسع لإنشائه ما بقي من أيامه . . وراح يعمل جاهدا لا يكاد يجد فسحة من وقته ليستريح ؛ وأصدر " كتابه " الأول والأخير ،
فكان أول كتاب في العربية " في فنه " وعرفت له " الجامعة مقداره فنشرته وبذلت له ، وأهدت إلي مؤلفه منه أربعين نسخة وجاء " رجال الحسبة " غداة مستعاه يحصون تركته ؛ فاذا كل تركته ثمان وثلانون نسخة من كتابه ؛ فقد أهدى منه نسختين قبل أن يموت
وتراث الأديب في الشرق حزن
لبنية ، وثروة للرواة ؛
ألا ليتني أدري كيف تكون حال بني في غد وقد حملوا أباهم على الآلة الحدباء ! . ولكنني ادري
وماذا أملك أن أكون غير ما أنا كائن وأسباب العيش هي أسباب المنون ؟ !
الإيمان بالفن
ماذا تراني استطيع أن أصنع غير هذه " الصناعة " وإني لمؤمن بأني لذاك خلقت
وهل تستطيع أن تعمل عملا فتنجح إلا أن تكون " مؤمنا " بما تعمل ؟ ومن اين لي وهذا فني الذي آمنت به
وإن بعض الناس ليعمل العمل لا يؤمن به ! فهل تراه يصيب النجاح - إن أصابه - في فنه أو في " فن العيش " ؟
وما أريد أن يكون " فن العيش " فني ، إلا أن تكون غاية الحياة عندي هي هذه الحياة ، وأرذل بها من حياة
لست أعني الخلود ولا طبيب الذكر ؛ ذلك كله وهم من الوهم لا يشيل به ميزان ولا يتنزل به ميزان ؟ وإنما مثل الحياة السعيدة عندي ، هو ان اعيش ونفسي علي وفاق ، مؤمنا مما قلت ، راضيا بما عملت ؛ واين السعادة إن لم تكن في طمأنينة الرضا وسلام الإيمان
رأيه الشخصي :
وسأل محرر الاثنين طائفة من شيوخ الكليات بالأزهر رأيهم في ) الشورت (
وأجاب فضيلة الأستاذ الشيخ مأمون الشناوي شيخ كلية الشريعة :
" إن كان هذا الزي يستر العورة فليسه جائز ، وإن كان لا يسترها فهو محرم شرعا ، والعورة في
الرجل ما بين الركبة والسرة .
" لقد أجبتك عن رأي كرجل ديني ، والدين حكمه في هذه المسألة واضح لا شبهة فيه ؛ أما من الوجهات الأخرى ، فذلك ما يسأل عنه رجال تخصصوا في هذه الشئون من الوجهة المدنية أو الصحية أو الاجتماعية ) "
وأجاب فضيلة الأستاذ الشيخ حمروش شيخ كلية اللغة العربية :
" كل لباس يجب أنت يستر العورة في الرجل والمرأة ؛ فإذا كان زي " الشورت " هذا يستر العورة فانه من الوجهة الدينية جائز .
" . . أما رأي الشخصي فهذه مسألة تحتاج إلى تفكير وعناية ، وأخلق بالباحثين الاجتماعيين أن يلتفتوا إليها حتى يقوم الحكم فيها على أساس ثابت . . "
وإن في جواب الشيخين لشبها يدعو إلي العجب ، وإن فيه ؛ لتجديدا " وإن كان الناس ينكرون ان يكون بين شيوخ الأزهر ) مجددون ( :
على أن الذي يدعو إلي العجب حقا هو اتفاق الشيخين على القول . رأي الدين ، اما رائي الشخصي أو كما قالا !
رأيهما الشخصي ؟ ياعجبا ! . ولهما رأي وللدين راى يكون ذلك وإنهما لشيخان من شيوخ الدين ؟
اراهما يعنيان هذا هو رأي " الوظيفة " لا رأي " الموظف " ؟
ام تراهما يقصدان ان الدين شئ غير الصحة والمدنية وشئون الاجتماع ، فلهما رأي الدين ، وللصحة والمدنية والاجتماع آراء ؟
أم إنهما لا يعنييان شيئا من ذلك ولكن عبارتهما لم تؤد إلي قارئها ما يعنيان ؟ ! .
بلى ، وإن لمحرر " الاثنين " مذهبا لا أشك أن شيخين يعرفانه ؛ فما أراهما إلا أرادا أن يقولا له : لكم دينكم ولي دين وصدق الله العظيم !
شخصية العامل وعمد :
ويذكرني حديث الشيخين و " رأيهما الشخصي " حديثا اخر يمت إليه بسبب ؛ فقد تعودنا منذ قريب ان نقول كلما تعرضنا للحديث عن شخص من " رجالنا
العامين ، وحاولنا الموازنة بين عمله وبعض شئونه الخاصة - تعودنا ان نقول معتذرين من بعض سلوكه : " هذه مسائل شخصية " ففلان " المقامر " لا يحسن ان نعيب عليه انه مقامر حين نريد ان نناقش مذهبه السياسي ، وفلان " السكير " لا ينبغي أن نذكر أنه سكير حين نعرض لرايه في الادب ، وفلان البهيمي في شهواته لا يسوغ ان نلومه على الإسراف في شهواته حين تدرس رأيه في الاقتصاد ؛ وهلم جرا . .
وقد لزمتنا هذه الكلمة : كلمة " هذه مسائل شخصية " وإنها لتدور على السنتنا وتطرق اسماعنا منذ بضع عشرة سنة ، حتى اوشكت ان تكون قاعدة من قواعد الحكم ، وإنها لقاعدة خاطئة لا تقوم على اساس من الصدق ؛ وإننا لنحس اليوم من آثارها
شواهد ناطقة فيما يتغير من أحكامنا على بعض رجالنا العامين بمضي الزمان ، وكان يمكن أن تعرف أخراهم من أولاهم لو اننا ربطنا بين آرائهم وأشخاصهم ، أو بين شئونهم العامة وشئونهم الخاصة
إنك لتكاد تلمح الصلة التامة بين خلق هذا المقامر حول المائدة وبين رايه السياسي ، إن رايه السياسي لا يمكن أن يكون إلا لونا من المقامرة ، لأن المقامرة داء من دائه ؛ وإنك لتكاد تحس أخلاق ذلك السكير
فما يتخبط رأيه الأدنى من ألوان التناقض كما تتخبطه الحيطان في بكته وهو سكران ؛ وإنك لتوشك أن تري علي بعد اين يقودك رأي هذا الاقتصادي المسرف في شهواته ، لأن الذي لا يملك بضبط أعصابه لا يملك أن يقبض يده ؛
وما دامت أعمال الانسان جملة هي مجموع ما تنفعل به " مجموعته العصبية فما بد من الموازنة بين شخصية العامل وعمله لتؤدي المقدمات إلي نتائجها وتنتهي إلي غايتها
مستحيل أن يكون الرجل رجلين رجلا في الشارع والبيت ، ورجلا في الديوان ؛ إن الرجل الذي هنا هو الرجل الذي هناك وإن اختلف الزي والشارة ، لأن النزوع والميل والهوي واحدة هنا وهناك
على أن هذه الكلمة الخادعة : كلة " هذه شئون شخصية ، لم يقتصر أثرها على ما يصيب احكامنا على الرجال من الخطأ ، فقد كانت أبعد اثرا في حياتنا الاجتماعية ؛ ذلك أنها وقعت في كل نفس موقع المعذرة التي تسبق الذنب ، فوجد فيها كل ذي هوي رخصة ليسير على هواه من غير أن يخشى معابة ما دام في " الشئون العامة علي هوى العامة
وكانت سببا من أسباب الانحلال في أخلاقي هذا الجيل من أين جاءتنا هذه الكلمة الخبيثة ؟ ألا لعن الله السياسة لشد ما جنت على أخلاقي هذا البلد التعس
المسابقة
اجتمع إلي من أجوبة القراء عن مسابقة الأدباء العشرة " بضع وعشرون رسالة ؛ وما بضع وعشرون رسالة من بضعة وعشرين قارئا ؟ عن أي نتيجة تسفر هذه " الأصوات " القليلة ؟ . .
على أني سأنتظر فترة أخري حتي يأتي بريد العراق ،
فإما مضيت فيما بدأت وإما عدلت إلي وجه آخر من الحديث عن الأدباء العشرة ؛ مستنيرا بما كتب الى المتسابقون الأدباء . ولن يشق على توفيق الحكيم أن يصير بضعة أسابيع اخري قبل إعلان " النتيجة " !

