الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 237الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، " .... هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي . ....

Share

يوم المستشفيات ! - أيام الحرمان ! - يوم الأخلاق ! ...   .... .... .... ....

يوم المستشفيات  :

اشتغلت الصحافة المصرية أسابيع بأنباء يوم المستشفيات والحديث عما اجمع له من تبرعات أهل الخير أو أهل السمعة ، وشغلت أنباء هذ اليوم ما شغلت من مجتمعات الطبقة الراقية والطبقة النازلة على السواء . . وبلغت جملة التبرعات في النهاية بضعة وسبعين ألف جنيه .

...  ولم تجتمع هذه التبرعات كلها في " يوم " ولا في أسبوع ، ولا في شهر ، ولكن هكذا سموا ذلك " الموسم " كله يوم المستشفيات ، كما سموا مواسم سبقت من مواسم الإحسان ، حرصاً على " حرفية الترجمة " فإنهم كذلك في أوربا يفرضون " أياما " للإحسان يسمونها بأسمائها ؛ فمنهم أخذنا الكلمة بشئ من معناها عندهم إلي شئ من معنانا ؛ ذلك أن مدلول " اليوم " عندهم واضح محدود بمشرق الشمس ومغربها ، والزمن كله لا مدلول له عندنا ولا اعتبار ! . .

... ولا علينا من ذاك فما إليه قصدت ، وليس يعنيني في شيء أن يكون اليوم عندنا أربعاً وعشرين ساعة أو أربعة وعشرين أسبوعاً ؟ ليس يعنيني ذلك في شئ ، وإنما يعنيني أن أعرف المعني الذي يقصدونه في جملته من مثل قولهم " يوم المستشفيات " , " يوم الفقير ، " يوم القرش " أسبوع الصحة " إلي غيرها من الأيام والأسابيع والمواسم الخيرية ؟ ألا إنه إن كان لكل شئ موسم لا يطيب إلا فيه فإن

الإحسان لا موسم له ، لأن كل يوم موسمه ؛ فما معنى أن نسمى يوما بخاصته " يوم الإحسان " دون غيره من الأيام ؟ . . معناه الذي ينبغي أن نقصد إليه هو أن يحتشد الشعب كله فكرةً وعاطفةً ولسانًا ويداً في ذلك اليوم للغرض الذي ندعو له ، فإذا معناه ماثل في كل نفس ، متحدث به كل لسان ، مبسوطة له كل يد ، فمن قدر فعل ، ومن عجز فله عذره ؛ ومعنى ذلك أن يجتمع الكثير أو القليل من التبرعات على قدر طاقة الأمة في مالها وفي عاطفتها لا على قدر سعي الساعي وإلحاف السائل ، وللأمة كلها شكر الشاكر أو عتب العاتب لا للداعي ولا للسائل . . ؛ وثمة معني آخر ، هو اعتبار ذلك " اليوم " موسماً من المواسم القومية في الأمة ، لأن قلوب أبنائها جميعاً تجتمع على فكرة واحدة وعاطفة واحدة في لحظة واحدة ، وما تجتمع الأمة في لحظة واحدة على عاطفة واحدة وفكرة واحدة إلا لمعني قوي سام يؤلف بين القلوب المتنافرة ، ويوحد الأشتات المتباعدة وهذه المواسم بهذا المعنى هي دروس في تربية الأمة وتنمية الشعور بالقومية بين أبنائها جميعا . .

... لهذا المعنى ولذاك سميت هذه الأيام وأقتت وحددت ساعاتها بدءاً ونهاية ، لتضبط دقات القلوب على معناها والشعور بها كما تضبط الساعة على الساعة ؛ ومن هنا كان عدم التوقيت فيها وإغفال التحديد الزمني خروجاً بالمال المتجمع لها عن معنى حصيلة التعاون الاجتماعي إلي معنى الصدقة ، وشتان بين المعنيين في شريعة الإنسانية !

ومن هنا أيضا كان توسيع الزمن المحدود لهذه النية ليس له إلا دلالة من اثنتين : إما أن الأمة قد بلغت من النضح في معني القومية والشعور بها مبلغاً يمسكها على فكرة واحدة وعاطفة واحدة ينبض بها وجدانها أياما وأسابيع وأشهراً لا تفتر ولا تتلون ، وإما . .

أيام الحرمان !

... على أني لا أري أن تدعو إلي يوم من أيام الإحسان إلا أن تجعل ذاك اليوم نفسه يوماً من أيام الحرمان ؛ ليحس كل متبرع في نفسه أنه يدفع ما يدفع مما يحتاج إليه لا مما يفضل عنه ، فيقوي بذلك في نفسه الشعور بالأخوة الاجتماعية ، ويرتفع ما بينه وبين الناس عن أن يكون تفضلا وصدقة إلي أن يكون تعاونا ومشاركة ، فلا يستعلي غني بغناه لأنه أعطي ، ولا يذل فقير بفقره لأنه أخذ . .

إني لأنفق في  "اليوم " ما لو أمسكته لفضل معي ولم يضرني ؛ فلو كان ثمن طعام لما مت من مسغبة ، ولو كان أجرة ركوب لما عييت بالمشي ، ولو كان مسحة نعل لما بليت نعلي ، ولو كان ثمن " سجاير " لما خرب رأسي ولا طاش عقلي ، وحتي لو كان ثمن دواء ... ...

فهذا الذي أنفقة كل يوم لو أمسكته " يوما " وحرمت نفسي بعض متاعها - أو بعض حاجتها - أربعاً وعشرين ساعة لوجدت فضلاً أبذله ، وكان لي في " يوم الإحسان " إحسان ، واستمتعت بلذة المعطي حين يحرم نفسه!

أرأيت ما يكون لو جعلنا يوم الإحسان يوم حرمان ؟ فذاك معني آخر لتجديد هذا الموسم في " يوم " لا في أيام ولا في أسابيع ؛ فإن مقاومة النفس أربعاً وعشرين ساعة أمر يطيقه القوي ولا تضيق به همة الضعيف ؛ فإنه لحقيق بأن يحمل الأمة جميعها على المشاركة في البر والبذل له ؛ حتى الفقير المحتاج الذي ربما وقع في نفس من يعرفه انه أهل لأن يأخذ - يستطيع هو أيضاً أن يحرم نفسه حاجتها يوما ليبذل من فضله ما يعود إليه ، فلا يستشعر المذلة والهوان ساعة يقال له : خذ ؛ لأنه يستشعر ساعتئذ أنه يأخذ مما أعطي ، وأنه يقتضي الجماعة حقه بما فرض

على نفسه للجماعة من واجب حين أعطي : لست أعني بذلك أن كل الفائدة في اعتبار يوم الإحسان يوم حرمان هو تمكين الناس جميعاً أن يبذلوا وأن يعطوا ، فما أقل الجدا لو كان ؛ وإنما عنيت أن يكون ذلك وسيلة لإشعار كل فرد في الأمة أن عليه للأمة واجباً ، وأنه يستطيع أن يؤدي هذا الواجب بأيسر الجهد وأخف المئونة ؛ وبذلك يشعر كل فرد في الأمة أن حقه كفاه واجبه ، وينتظم المعنى الاجتماعي عامة الناس وخاصتهم على سواء ؛ وما أحري هذا اليوم أن يسمى بهذا الاعتبار " يوم الأخلاق " !

إلا أنه لحكمة بالغة فرض الله الزكاة وحدد ميقاتها من شهر الصوم إلي صبيحة يوم العيد ، فكان شهر الحرمان هو شهر الإحسان !

ليت شعري أتبلغ دعوتي سميعاً لو دعوت الناس جميعاً في هذه الأمة ليتخذ كل منهم لنفسه يوما في كل شهر ، أو في كل عام ، يمسك نفقته فلا يبذل منها شيئاً لنفسه ويتصدق بها ؟ . .

كان لي صديق كثير " التدخين " فإنه ليبذل في ثمن الدخان أكثر مما يبذل ثمنا للطعام ، فما يقع في وهمه أو في وهم أحد من أصحابه أن يقلع عن التدخين يوماً . . ولقيته بعد جفوة ، فإذا هو قد ترك التدخين منذ أشهر لم يمسك بين شفتين ولا بين إصبعين دخينة ؛ وسألته عن خبره فقص علي . .

قال : كنت ذات يوم في الطريق لبعض شأني حين اعترضني سائل رأيت من واجبي أن أعطيه ، فدفعت إليه ما دفعت ، ولم أتنبه إلا من بعد إلى أنني دفعت إليه كل ما معي ؛ ومضت ساعات قبل أن أجد من حاجتى أن أشتري " سجاير " فلما أردت أن أشتري تذكرت أنني لا أملك في تلك اللحظة مالا ، فأمسكت . . ولم أعد في ذلك اليوم إلي داري إلا بعد هدأة من الليل ، وليس في جيبى دخينة

واحدة ، ولا بائع علي مقربة ، وهكذا تركت التدخين يوماً . .

قلت : لقد كان ذلك يوماً ، فما حملك على أن تستمر ؟ قال : هذه هي القصة ، فقد أرسلت الخادم في الصباح بجنيه لتشتري لي ببعضه وتعود بالباقي ، ولكن الخادم " المباركة " قد ذهبت بالجنيه ولم تعد ، وتركتني في الدار أنتظر على نار بلا دخان ؟ . . وغاظني ما فعلت فخرجت أبحث عنها وكل همي أن أعثر بها فأقبض عليها فأدفعها إلي الشرطة أو آخذ حقى بيدي ؟ ومضت ساعات ، وانتصف النهار ، وأوشك الغروب ، وجاءت ليلة ثانية ولم أدخن ؛ وهممت أن أشتري ثم ردني راد ...

. . أتعرف ماذا ردني ؛ لا شئ ، ولا أحد ، ولكني قلت لنفسي : ها قد مضي يوم ونصف يوم ولم تشعل دخينة واحدة ، فلم تنطبق السماء على الأرض ، ولم يطر عقلك من رأسك ؛ فما يحملك على الاستمرار في هذه العادة المرذولة ؟ ومنذ ذلك اليوم لم أجد ما يحملني ! . .

قلت : خيراً فعلت ، أو خيراً تركت ! قال : لا ، ليس ذلك هو كل الخير ؛ فإن خيرا آخر يعنيك أن تعرفه . . قلت : ماذا ؟

قال : إنني مازلت منذ ذلك اليوم أمسك مثل ثمن ما كنت أشتري من السجاير ، فإن معي اليوم بضعة عشر جنيهاً ، أو لعلها عشرون ، وإن كل يوم يمر يزيدها عشرة قروش أو بضعة عشر فتزيد بها عزيمتي . أتدري فيم أريد أن أنفقها ؟ قلت : فيم ؟ قال : إنني مازلت أبحث عن تلك الخادم اللصة لأدفع إليها ما اجتمع لي ببركتها من هذه الجنيهات ؟

قلت : أفلحت لو بلغت ، ولكنك لن نجدها ، وما أراها الساعة إلا منزوية في ركن من حانة إلي جانب جندي محارب ترفه عنه وبين إصبعيها دخينة . . دخينة !

ذكرت هذه القصة الساعة وقد ذكرت الإحسان والحرمان ؛ أما إنه لا يقع في وهم متوهم من ذي عقل أو مجنون أن يصب من وعاء في وعاء غيره ليملأ أحدهما من غير أن ينقص الآخر شيئاً ، وإنما يزيد أحدهما بمقدار ما ينقص الآخر . هذه هي الطبيعة !

يوم الأخلاق :

ومررت بصورة هذه الحفلات الصاخبة المائجة التي يدعون إليها باسم الإحسان ، ورأيت أولئك الرجال هناك يبذلون من مالهم ليأخذوا ، ورأيت هؤلاء النساء يعطين ما يعطين ليأخذن مال الرجال ، وسمعت الموسيقى تعزف ، وأبصرت الأدوار تتضوأ ، وشاهدت في ضوء القمر ظلالاً في الحديقة تعتنق وتفترق ، وسألت نفسى : لم كل هذا ؟ قالوا : للإحسان !

وسمع الفقير الواقف بالباب ، والمتربص بين الشجر للخدمة ، والساعي بالكئوس بين الصفوف ، والعازف على قيثارته في البهو - سمع قهقهات النساء ، ورغات الكئوس ، وأغنيات المرح ؟ وسمع السائل والمجيب ، فضحك ، أو لعله بكي ؛ فقد كانت في عينيه دموع لم أستطع أن أترجم معناها . .

تلك صور ومناظر من " أيام الإحسان " إنهم يرقصون ويطربون ويريقون الكئوس على مرأي ومسمع من البائسين والفقراء ويزعمون أنهم يفعلون ذلك براً بهم وإحساناً إليهم !

أتراهم يحسون مقدار ما يعاني البائس والفقير من حرارة الألم حين يري ما يري ويسمع ما يسمع وإنهم ليزعمون أنهم يفعلون ذلك براً به وإحسانا إليه ؟ . . إنهم يكسرون قلبه ويزعمون أنهم يجبرونه ، ويضاعفون ألمه ويزعمون أنهم يواسونه ، ويمزقون عفته ويزعمون أنهم يسترونه !

إلا إننا في حاجة إلي " يوم الأخلاق " أكثر من حاجتنا إلي هذا اللون من الإحسان ؛

اشترك في نشرتنا البريدية