عناوين - باعة الورد ؛ الأخلاق المترجمة أيضا - قرأت في هذا الأسبوع :
عناوين
استهل الصبي صارخا للمرة العاشرة ولما يمض على رقاده في الفراش ساعة ؛ ووضعت قلمي وطويت كتابي وهرولت إليه انظر ما به ؟ والتقت عينان بعينين ، وأبلغ الداعي الصغير بعينية ما لا يستطيع بيانه بلسان ؛ وجثوت بجانب فراش الطفل اهدهده برفق وفي القلب وجيب وفي العينين دموع ؟ واغراني سكون الليل بالنجوي فرحت ابث الطفل من وجدي وما به أن يسمع ولا ان يجيب ، واستجابت لي عيناي !
بالك يا بني من الدنيا ويا لي . . وتجاذبتني ذكريات الماضي فانسربت إليها وغفلت عن طفلي وعن دنياى ، إلا يمينا تهدهد فراش الصبي
في حركة آلية كأنها رعشة المقرور ؛ وكأنما أحس الطفل ان اليد التي تهتز في المهد ليس فيها قلب صاحبها ، فتململ ثم عاد يبكي ؛ واستيقظت من ذكرياتي ، وتناولته بين ذراعي أحاول ان اشعره في حرارة صدري بعض ما فقد من حنان الام ، الأم التي ودعت دنياها ساعة استقبل دنياه فلم تكتحل عيناها بمرآه ولم تكتحل عيناه
واستنام الطفل إلي وانسرح في دنيا احلامه الناعمة ، وما دنيا أحلامة إلا ثدي وأرجوحة وأغنية ؟ ومن يدري ؟ لعل في دنيا احلامه خيال الام التي غيبها الموت عن عين أبيه منذ بضعة أشهر ، لعلها وقد حال الموت بينها وبين الأحياء وحرمت ان تراه كما ترى الأمهات أطفالهن - أن ينزو بها شوق الام فتجتاز إليه أو يجتاز إليها في احلامه برزخ الغيب لتراه ويراها ؛ وإلا فما هذه الابتسامة الناعمة ترف على شفتيه وإن عينيه لمغمضتان
نم يا بني نم ؛ لأمر من أمر الله كان مقدمك كان سفرها الباغت بلا وداع
وأودعت الصبي فراشه وهممت أن أعود إلي قلمي وكتابي ؛ وماذا تملك يداي بعد من متاع الدنيا غير القلم
والكتاب ؟ . وأحسست حركة خلفي فتلبست همسية ولكن الحركة لم تهدأ ، وكانت الطفلة في الفراش الأخر تدعوني لأن أختها الصغيرة ضغطت ذراعها وهي إلي جانبها نائمة ؛ وقضيت إلي جانب فراش الصغيرتين ساعة أتحدث إليهما ساعة وتتحدثان ، بالشفتين تارة وبالعينين ، ثم غلبهما النوم كما نام اخوهما من قبل وبقيت احلامي ساهرة !
وتسحبت في مثل حركة اللص إلي مكتبي لاقضي ما بقي من ساعات الليل ، وتناولت ركاما من الصحف أقلبها بعيني ، ومابي ان اقرا ولكنه ملل العاجز الحيران . وترادفت على عيني عناوين . . ماذا ؟ . لكأنني كنت وهذه الصحف على ميعاد . .
" رعاية الطفل " حماية الأمومة " إنقاذ الطفوله المشردة " المولود والوالدة " بيت الطفل " " مستشفيات الأطفال " الاصلاح الاجتماعي " " الشئون الاجتماعية " .
اين كل ذلك منى ؟ . وماذا يحملني على ما لا طاقة لي به ؟ . وما صبري علي لؤم الخدم وإمارة المراضع وفي البلد كل هذه المنشآت ؟ .
حنان الأب ؟ لا ، إنني لأستطيع أن أتجلد وأرضي وأحمل مشقة الفراق ما دام في ذلك منفعة أطفالي المال ؟ . . ولا هذا ، فاني لأنفق في حالي تلك مالا قبل لمثلي به ولا أجدني مع ذلك أقوم بالواجب ؛ بلى وإني لا طيق ان اشبع يوما واجوع يوما ، وإني لأملك أن ارقق جوربي وأرقع قميصي وأرفأ ثوبي ، إن كان ذلك يقوم بحق أطفالي
يا بارك الله للعاملين ! أفي مصر كل هذه المنشآت للعناية بالطفولة وأكلف نفسي حمل اعباء الأمومة والأبوة معا وما كلفتني الطبيعة ولا أعددت نفسي ؟ وإني لرجل من أهل الفنون وللفنون تكاليف ولها ضريبة علي أهلها من الأعصاب والدم !
واستيقظت قبل أن أنام فخرجت أسعي مع أول شعاعة من نور الصبح ألتمس السبيل إلي هذه المنشات الاجتماعية أسألها أن تؤوي أطفالي وعلي ما تفرض من النفقة
هذه واحدة ، واخري ، وثالثة ، ومنشات اخر بين شعبية وحكومية ، وطنية واجنبية : اما واحدة فلا تقبل الأطفال الرضع ، وأما ثانية فليس فيها مكان لطفل دون الرابعة ، والثالثة تؤوي من تشاء ولكن ليس فيها مراضع ، والرابعة فيها مكاتب وابهاء للمحاضرات العامة تزينها صور الأعضاء . . وقالت الخامسة وهي أعظم المنشآت الحكومية : نحن علي استعداد لقبول الطفل الرضيع بالمجان على ان تتنازل عن حق أبويه ، فإننا لا نؤوي إلا اللقطاء من مواليد " صندوق القمامة " وقالت لي العذراء الوقور في المنشأة الأجنبية العظيمة : " حبيبي مسكين ماتت أمه ؟ كلنا أمهاته وأخواته باسم الأب والأبن والروح القدس ) .
وانتهيت من طوافي قبيل الغروب لأعود إلي داري على حدود الصحراء فتستقبلني بالباب طفلة تلتغ ، وطفلة محبو ، ورضيع يمص إصبعيه من ظمأ وجوع ؛ وقالت الكبرى : اين كنت يا أبت ؟ لقد انتظرتك طويلا بالحديقة حتى ذبلت الوردة وكنت أريد أن تقطفها لي
قلت : معذرة لك ولاخويك بآابنتي لقد كنت في سياحة بين طائفة من(عناوين) الجرائد والمجلات
باعة الورد
بالله ماذا اقول ؟ ؟
ما هذه الحفلات الحاشدة ، وهذه الصور الرائعة ، وتلك " العناوين ، الخلابة ، إذا لم يكن وراء أولئك كله عمل واحد حقيقي من أعمال " الخير " يحقق منفعة اجتماعية يحس الجميع أثرها ويري ثمرتها ؟
هذه المهارج ، وهذه المباهج ، وتلك المجامع الحاشدة التي تبدأ بالرقص والموسيقي وتختم بالرقص والموسيقي ، وهذه الاسواق التي لا يعرف (البائع) فيها ماذا يبيع ولا يعرف (المشتري ) ماذا يشتري : ما غايتها وما فائدتها وما جدواها ؟
لا أريد أن أزعم مع من يزعم أن الغاية كل الغاية من هذه المهارج وهذه المباهج وهذه المجامع وتلك الاسواق هي هذه الصور ، وذلك العناوين " وهذه المبيعات وتلك المشتريات .
لكم حاولت أن أقنع نفسى بأن الغاية من وراء ذلك هي اسمي وانبل ، ولكني لم استطع بعد أن أقدم البرهان لنفسي وفي البلد هذا الجيش من الحفاة والعراة والجياع والطفولة المشردة !
ما أثر كل ما أقمينا من " الليالي الساهرة " وما ألفنا من " الحفلات الرائعة " وما بعنا وما اشترينا منذ أنشأنا هذه " الأسواق " - إلا هذه " الصور الفاتنة " التي تتسلل بها المجلات إلي خدور بناتنا واخواننا وزوجاتنا وأمهاتنا احيانا . . لتوحي إليهن بما ليس من طباعهن وتغريهن على التمرد والعصيان وتمزيق الحجاب ؟
...ولكني إلي كل ذلك ما زلت احاول ان اقنع نفسي بحسن النية وشرف القصد ، ولكن نفسي لا تحاول ان تقتنع بحسن النية وشرف القصد إلا ان تؤيدهما النتيجة . . النتيجة
الأخلاق المترجمة أيضا !
كتبت زوجة إلي الأستاذ ( ص ) صاحب " إبر النحل " تقول :
" زوجني أبي علي الرغم مني من شخص عشت معه طوال السنوات السبع الماضية ، وفية له ، محافظة على شرفه ، في ثورة يبني وبين قلبي الذي اتجه إلي شخص
آخر وضعه في صميمه ووهبه أعز مكان فيه . . " نعم لم أحب زوجي يوما ولم اخنة ولكني أخشى وقد طفح الكيل وبدأت اشعر بالخور ان تنزلق قدماي ؛ فهل اخرج عن طاعة والدي وأتزوج ( الرجل )الآخر ولطفلي رب يتولاه، أم ألبي نداء قلبي - ولي في تحلل الأخلاق في البلد أسوة - وأبقى مع زوجي مطيعة والدي ؟
وأجاب الأستاذ ( ص ) :
" سامحك الله يا سيدتي للحيرة التي أوقعتني فيها والحرج الذي ضربته على والمسئولية التي الزمتها عنقي :
" لو قلت لقلت . . ولو قلت لقال الناس .....! سأدع الآمر للقراء اسألهم الفتوى ولي بعد ذلك رأي ! " ونقرأ الاستفتاء وجوابه فتقول : قصة مترجمة ! فليست هذه المشكلة في طبيعة اخلاقنا ، ولا في طبيعة ديننا ، وليس إليها باب في حياتنا الاجتماعية ! وأقول : بل هي الأخلاق المترجمة خلعت قبعتها واعتمت وزعمت أنها مصرية .
وكما تقرأ لبعض المشهورين من الصحفيين والأدباء في مصر فصولا ومقالات ليس لهم منها إلا الامضاء وإنشاء الحروف العربية ويزعمونها من وحي ادمغتهم كذلك تري في الأخلاق !
" أتفارق زوجها لتتزوج من تحب وأطفالها رب يتولاه، أم تبقى له زوجة وللا خر خليلة ، طاعة لأبيها ؟ " هذا هو الاستفتاء ، وترجمته : أريد أن أكون لحبيبي جسدا وروحا ، وما علي أن يطلقني زوجي لأتزوج حبيبي أولا يطلقني ، فأنا على الحالين له :
فماذا بقى بعد هذا الحكم القاطع للاستفتاء ؟ ولماذا يتحير مفتها وقد خيرت واختارت ، وادعت وحكمت ؟
على ان الذي يسترعي النظر في القضية هو قولها إن
لها في تحلل الأخلاق في البلد أسوة . وهو قول امرأة تعبر عن احساسها في ذات نفسها ؛ فهل قدر هذه النتيجة في احساس كل فتاة وسيدة هؤلاء السادة من أصحاب المجلات الذين يسودون الصحائف كل أسبوع بما ينشرون من الفضائح ومما يذيعون من اخبار السوء ؟
أسوة : هكذا يفهم الفتيات والسيدات أنباء هذه الفضائح ، وهذا اثرها في أنفسهن ؟ على اعترافهن بسوئها وحقارتها
إن نشر هذه السيئات وتلك الفضائح إيحاء قوي يتحدث في نفس كل فتاة وكل سيدة كانه يقول : هذه حال البلد(جميعا )في فساده وانحلال خلقه ؛ فما وقارك أنت وتصونك وعفافك على ما تعانين من الجهد ومشقة المقاومة! ... وما احراه بعد ذلك ان يكون مقادة لكل فتاة وسيدة إلى الاستهتار والتبذل ، وما أسوأ النتيجة بعد !
قرأت في هذا الأسبوع
" يصدر الحاكم العسكري مئات الأوامر العسكرية الخاصة بالتموين والاموال وما دام الأمر كذلك فانه يحسن صنعا لو انتهز الفرصة فأصدر اوامر عسكرية اجتماعية وأخلاقية ؛ فالفرصة الوحيدة مهيأة الآن الاصلاح اجتماعي إن عجزت عنه الأداة التشريعية البطيئة فلن يعجز عنه الحاكم العسكري . " وهذه الأوامر العسكرية الاجتماعية تعالج فيما تعالج مسائل خطيرة ، لها مساس بالاقتصاد الأهلي ، والأسرة ، والصحة ؛ فلو اتجه الحاكم العسكري هذا الاتجاه لوجد أنه يستطيع أن يحدث إصلاحا واسع النطاق ؛ وما تعجز عن تشريعه وزارة الشئون الاجتماعية بسرعة ، يسعفها فيه الحاكم العسكري
المصور : ٩٢١
