المدرسة المصرية - ألوان من الايحاء - الملاكم الأدبي الصديق الصدوق !
المدرسة المصرية
قرأت في العدد ٩٢٤ من المصور أن محررا سأل الدكتور محمد حسين هيكل باشا :
" لماذا اخترت لأولادك التربية في المدارس الأجنبية دون المدارس المصرية ؟ " فأجاب :
" ألف كثيرون من أصحابي أن يذهبوا بأبنائهم إلي المدارس الأجنبية ، حرصا منهم على الإسراع إلى التطور الذي ننشده جميعا ، وإني اشاركهم في هذا الرأي ؛ ولذلك بعثت بابنتي " عطية واختها التي تليها في السن إلي " اللبسية فرانسيه " فلما اردت ان ابعث اخاهما إلى المدرسة كان صغير السن - لم يعد السادسة - فآثرت أن يكون معهما في معهد واحد ؛ على أني كنت معتزما من أول الأمر أن أبعث به إلى مدارس وزارة المعارف ، وعولت على تنفيذ هذا العزم منذ بدء السنة الدراسية الماضية ، ولكن أصدقاء أعتز برأيهم أشاروا بإبقائه في اللبسيه حتى يتمكن من اللغة الفرنسية ، وعند ذلك يسهل إلحاقه بمدارسنا المصرية من غير إضرار بمعارفه ؛ وانا مصمم على تنفيذ هذا العزم في أول فرصة ملائمة " .
هذا ما أجاب به الدكتور هيكل باشا محرر المصور ؛ وإن فيه لمجالا للمناقشة في الشكل والموضوع جميعا ، فقد كان الدكتور هيكل باشا وزيرا المعارف مرتين ، وهو قبل ذلك اديب من قادة الفكر في مصر وفي الشرق العربي ؛ فلرأيه وزن واعتبار ؛ ولعله لم ينب عن فطنته
أن هذا الحديث الذي تحدثه أو أملاه على محرر الصور حقيق بأن يخطر في بال كل قارئ سؤالا : ماذا عمل الدكتور هيكل باشا في وزارة المعارف - وقد طال بها عهده - لإصلاح المدرسة المصرية وذلك رايه فيها وفي المدرسة الأجنبية ؟ . . وماذا يقترح الدكتور هيكل باشا " الأديب من اوجه الرأي لاصلاح المدرسة المصرية حتى لا تسبقها المدرسة الأجنبية في باب التنظيم والموازنة ؟ .
لقد كان عليه في ذلك واجبان : واجب الوزير الذي يملك السلطة وواجب الأديب الذي يملك الرأي ؛ فأين كان رأيه ذاك من سلطة الوزير ورأي الأديب ؟ . .
هذا من ناحية ) الشكل " ! أما " الموضوع " فله وزن آخر ؛ وليس الدكتور هيكل باشا بدعا فيها صنع ، ولعل تبعته في ذلك دون تبعة غير ، فهو على كل حال ليس من أهل الفن في التربية ، وقد نظر في تعليم بنيه وبناته نظرة " الأب " لا نظرة " المربي " وما عليه في ذلك من بأس ؛ ولكن ما شأن فلان وفلان من كبار الفنيين في وزارة المعارف وقد اثروا المدارس الأجنبية لتعليم بينهم وبناتهم ، وهم اهل الاختصاص والنظر ، ومن حقهم التي يروا الرأي فيسمع لهم ، وان يقترحوا التعديل فيجاب مقترحهم ؟ . .
أليسوا بذلك كأنما يعلنون للملأ من المصريين أنهم يؤمنون بجدوي التعليم في المدرسة العربية ، وهم اعرف الناس بها ؟ . . ثم أليسوا يعترفون تبعا لذلك بأن عملهم في وزارة المعارف لا جدوي منه ولا فائدة فيه بالقياس إلي ما تعمل المدارس الأجنبية ؟ . . وما نتيجة عمل لا يؤمن به عامله ولا يستيقين فائدته ؟
ثم ماذا يقول الدكتور هيكل باشا ؟ إنه ينشد في المدرسة الأجنبية الإسراع إلي " التطور الذي ننشده جميعا ) . . " أي تطور . . وإلي أي غاية ؟ . . أتراه يعني
الإسراع إلي " ترجمة الأمة وترجمة أخلاقها على النحو الذي نري بواكيره في هذا الطراز الفاسد من شبابنا وشوابنا الذين ترجمتهم المدارس الأجنبية ، فلا هم إلي المصريين ولا إلي الأجانب ؟ . .
ألا إنه لون من التطور لا ينشده أحد من الجميع . أم تراه يعني التطور الذي يقدم للجيل المقبل نموذجا من الشبان والشابات تكون منهم القدوة ولهم القيادة . .
ولكن المدرسة الأجنبية لم تفلح إلي اليوم في تنشئة مصري أو مصرية تكون منها القدوة والقيادة ؛ لأن أول ما تحرص المدرسة الأجنبية عليه في تعليم المصريين من بنينا وبناتنا هو ان تنتزعهم من بيئتهم وتباعد بينهم وبين أهليهم عقلا وخلقا وعقيدة ، فينشأ الناشئ منهم على السخرية من قومه ومجافاتهم والترفع عن مخالطتهم ؛ فلا قدوة ولا قيادة
نعم ، إن ثمة أفرادا من خريجي المدارس الأجنبية كانوا نموذجا حسنا ، وكان لهم أثر وتوجيه ، ولكن هؤلاء لم ينشئوا كذلك لأن المدرسة الأجنبية انشأتهم كذلك ؛ ولكن مؤثرات اخري كانت تعمل في انفسهم ؛ فأفادوا من المدرسة الأجنبية قوة الشخصية والاعتداد بالنفس وحرية الرأي والعمل ، وكانوا من المؤثرات الخاصة المحيطة بهم في حصانة من الوهن في العقيدة والكفر بالوطن والتنكر للقومية .
وفي جواب الدكتور هيكل باشا حديث عن الأصدقاء الذين يعتز برأيهم ، وعن تعلم اللغة الفرنسية ، وعن إضرار المدرسة المصرية بمعارف ولده ؛ ولكن ذلك كله ليس شيئا مما يعني هنا ؟ فما هي إلا تعلات تعبر عن حقيقة واحدة ، هي أن المدرسة العربية في رأي أكثر كبرائنا وأصحاب الرأي منا لا تحقق ولا يتهيأ لها في وضعها الحاضر أن تحقق أمنيتنا ، أو نسعى بنا إلي الهدف الذي نقصد إليه في التربية والتعليم ، وهو رأي حق ، ولكن
الآحق منه ان المدرسة الأجنبية في مصر لا تسد هذه الخلة ، لأنها إنما انشئت لتحقيق غاية اخري هي أخطر اثرا في حياتنا الاجتماعية والعقلية من النقص الذي تحسه في المدرسة المصرية !
دع عنك هؤلاء المقلدة الذين يعلمون بنيهم وبناتهم في المدارس الأجنبية ، لا لان لهم رأيا في شئون التربية والتعليم ، فإنهم لا رأي لهم في شيء ؟ ولكن لان في هذه المدارس يتعلم ابناء فلان وفلان من العظماء ، وإنهم ليستحبون ان يذكروا مع هؤلاء العظماء ؛ ولان هذه المدارس أغلي اجرأ ونفقة من المدارس المصرية ، وإنهم ليؤثرون " الغالي " في الثمن وإن كان ارخص قدرا من التراب ، ليثبتوا أنهم يملكون المال
. . دع عنك هؤلاء ، فما ينبغي أن يساق إليهم الحديث ؛ ولكن العتب كله يساق إلي هؤلاء الكبراء الذين يملكون الرأي والقياس والموازنة ، ثم لا يفعلون شيئا إلا أن يدعوا الفاسد على فساده ويشيحوا بأوجههم عنه ليقبلوا على ما قد يكون أعمق أثرا في الفساد
ألوان من الايحاء :
١ - في " المصري " العدد ٢٠٠٩ من مقال عنوانه ) في قبضة الاحتلال " يصف كاتبه فرنسا في أوائل أيام محنتها : " . . وكانت ثالثة الأتاقى أن تجد حلاة للسيدات في شارع " عميتا " يعلن عميلاته بأنه لم تعد لديه صبغة للشعر : " .
٢ - وفي مجلة . . مقال عنوانه " زوجات الوزراء بين التحجب والسفور ، يحصى كاتبه ويستقصى زوجات الوزراء اللاتي يشهدن الحفلات العامة ويجبن الدعوات المختلفة ويشاطرون الرجال اسباب المسرة في مجامع الأنس والطرب ، واللاتي يلزمن بيوتهن ولا يشهدن إلا الدعوات الخاصة ، ويمضي الكاتب في الاحصاء والتعداد وتسمية الأزواج والزوجات ، ثم يقول :
" . . ومنهن زوجة الأستاذ ) فلان ( ، وهو مسرف في رجعيته لدرجة ان رقم تليفون داره ليس مدرجا في الدفتر ! "
٣ - وهذه مجلة . . تنشر مقالا مصورا عن " لغة الافراط " فالشرط على هيئة كذا معناه " أنا أحب التبديل ، وعلى هيئة كذا معناه ) تعال لي ! وعلي هيئة كذا معناه " أنا مشغولة ! " أو " أنا فارغة ! "
٤ - وهذه صورة مشهورة منشورة ، تراها في كثير من الصحف والمجلات ، تمثل فتاة وفتي يتخاصران ، وعنوانها " كن عصريا " وتحتها إعلان عن مدرسة لتعليم الرقص المختلط
وقلما تتصفح جريدة أو مجلة مصرية إلا رأيت لونا من هذه الألوان يوحي وحيه ويتحدث حديثه في نفس كل قارئ وقارئة ، وإنما قدمت ما سبق للتمثيل لا للاستقصاء ؛ فما الغرض من كل ذلك وما الدافع إليه ؟
إلي أي معني يرمز هذا الكاتب الذي يقص قصة " ثالثة الآتاقى" ؟ وما ترجمة حديثه في نفس قارئه وقارئته ؟
ألست تكاد تسمع همس قارئته لنفسها وهي تقول : " ياللمصيبة إن أصبحت وليس في المدينة حلاق ولا صبغة شعر "
إن هذه العبارة القصيرة لتشعرها في خبث أن الحلاق ، وصبغة الشعر ، ووسائل التطرية والزينة - كل ذلك ضرورة لازمة إن لم تجدها كانت اللمصيبة وثالثة الأتاقي :
٢ - وهذا الأستاذ " فلان " المسرف في رجعيته ماذا تقول له زوجه وقد قرأت حديث المجلة عنها وعنه لأنها لا تغشي المجالس العامة كما يغشاها نساء الوزراء ؟
اليس يغريها هذا الكاتب بالتمرد والعصيان وإنشاء " معركة وزارية " بين اربعة جدران ؟ وما اثر هذا الحديث في نفس سائر القارئات ؟ . .
3-وماذا يفعل الفتي العابث حين يرى فتاة في
الطريق تلبس قرطا معناه " تعال لي : " أو " أنا فارغة ! " وقد شاعت بعض انواع هذه " الاقراط اللغوية " في أذان بعض الفتيات ؟
4- وما سبيل الفتاة التي تريد أن تكون عصرية وقد رأت هذه الصورة لفتي وفتاة مثلها يتخاصران ؟ ولكنني أظلم هؤلاء الكتاب وهذه الصحف والمجلات لو سمحت لنفسي ان اتهم احدا منهم بسوء القصد ، إنني لاشد غفلة منهم إن طوعت لنفسي أن تظن بهم انهم يعنون ما يكتبون ؛ ولكنهم حريون بأن يفيقوا .
قرأت في هذا الأسبوع :
" . زكي مبارك . . لون من الوان الادب المعاصر لا بد منه ولا حيلة فيه . هو الملا كم الأدبى في ثقافتنا الحديثة . والرياضية . . ضرورة من ضرورات الحياة لسلامة الجسم والعقل . .
" . . على أنه هو نفسه أول الشاهدين على أن صفارتي قد بحث من طول ما أهابت ، وهو في قفازه السنتريسي يهدر في المجال بين الحبال مغضبا بعض الاعضاء عن قواعد الملاكمة ؛ " الرسالة : ٤٦٩ أحمد حسن الزيات .
" الصديق الحق هو الذي يدرك بوضوح أن الصداقة تفرض عليه أن يكون سنادك في جميع الآحايين ، وان يؤاخي من اخاك ويعادى من عاداك ولو كنت على ضلال
" ليس بصديق من لا يراك في جميع أحوالك أشرف الرجال
" إن مؤاخذة الصديق - ولو بحق - هي أقبح ألوان الظلم والجور والإجحاف :
" إن الإفك في محاربة عدوك أشرف من الصدق في محاربة صديقك ؛ . . " الرسالة : ٤٦٩ زكي مبارك
