الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 200الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي

Share

خصائص شعب المصري افندي الشركات اللغة العربية .

خصائص شعب

نحن في عربة الدرجة الثانية من قطار الضواحي ، في بكرة الصباح ، والقطار محتشد ، كل مقعد لاثنين يشغله ثلاثة ؛ بإزاء ثلاثة ؛ ونحن في مصر ، في القاهرة ، في قلب الحاضرة العربية الاولي بين حواضر الشرق ؛ هأندا واقف بين عديد من الواقفين ، وعشرات من الجالسين ، وصحيفة الصباح في يدي . إنني لأقرأ في وجوه هؤلاء ، الركب حديثا أصدق مما اقرا في صحيتني ؟ شتان بين ما هنا وما هناك انظر معى واقرأ وجوه الناس ، ثم اقرأ صحيفتك .

أنحن في مصر ؟ . . في حاضرة البلاد العربية ؟ . وهؤلاء الركب مصريون ؟ .

نعم نعم نعم

تعال نحصيهم عدا ، ونستخبرهم فردا فردا .

هذه ثلاث عمائم : فواحدة بيضاء ، وأخري سوداء ، وثالثة . . حذار ؛ إنها عمامة امرأة ، وللنساء في هذا الزمان عمائم . . تحاجيز بين الجبين المصقول والشعر الناعم

وهذه طرابيش : انظر ، هذا طربوش على بدلة ، وهذا طربوش على قباء ؟ وانظر هناك قريبا من الباب : ذاك طربوش  على جلباب ، إلى جانب طربوش على قبقاب

وهاتان قبعتان : فواحدة علي رأس مصري ، وإخري على ركبتى أجنبي .

وهؤلاء نساء وفتيات ؛ من تعرف منهن ومن تنكر أهذه الشابة قد غاصت نظراتها في الكتاب ، أم هذه المتشبية ترفه بابتساماتها من الركاب ؟ ؟

هذه صحف بين أيديهم وأيديهن : ارأيت لاتي لابس هذا الطربوش ، وصاحب تلك العمامة ، وحامل هذه القبعة ، وهذا العاري الرأس ، وهذه العارمة النظرة ، وذلك الفضيضة الطرف . ماذا يقرءون وماذا يقرأن ؟ . . صيفة عربية مطوية ، وصحيفة إفرنجية مبسوطة ،

واستمع إلي حديث هؤلاء وأولئك ماذا يقول القائل وماذا يسمع السامع ؟ . مصري يرطن ، واجنبي مستعرب

هؤلاء وأولئك ياصديقي إخوتك وأخوانك ، إنهم نموذج " الجماعة المصرية " مجتمعة في عربية قطار ؛ إنك وإياهم على نسب مشترك وإن تعددت الآلوان ، وإنهم وإياك علي صفة موحدة حين يسأل عن خصائص المصري الحديث " وإن لم تتوحد المشارب والأذواق

وكنت تسألني منذ قريب عن الصفة المشتركة " التي يمكن أن يجد فيها الفنان الصادق صورة كل " مصري فيبرزها في لوحة من فنه ، ولقد اعياني جوابك برهة ؛ فانظر الآن لعلك واجد في هذا الخليط المحتشد جواب مما سألت !

المصري أفندي

أرأيت إلي تلك الصورة التي اخترعها فنان مصري ، أو اوربى ، منذ سنوات ، لتكون نموذجا يعبر عن صورة كل مصري ، وسماها " المصري افندي ؟ لا تصدق أنها كذلك ؛ إنها صورة مترجمة ، وأحسبها كانت قبل ذلك ذات قيمة ، فلما ترجمها مصورها ابدل بالقيمة الطربوش ليرضى حاجة في نفسه ، ثم أخطأ مرة أخري في ترجمة العنوان ، ولو اصاب لسماه: " مسيو مصري " !

أين هذه الصورة من هؤلاء الذين تري في عربية القطار ؟ . . اليس مصريا هذا الشيخ وعلي رأسه عمامته ؟ وهذا الغلام وعلى رأسه قبعته ، وهذا القس وعلى رأسه سواده ، وهذا الشاب وعلي رأسه شعره . . ؟

أوليس مصريا صاحب هذا الجلباب ، ولابس هذا القفطان ، والمتدثر في هذا المعطف و المتبحبح " في هذا السروال . .

فمن اين لك أن تقول إن هذه صورة " المصري أفندي وليس المصري " صورة " تعرف أو توصف ؟

لقد رأي ذلك الفنان في إحدي المجلات الأوربية صورة " العم سام " وصورة السيد جون بول ، فبات ليلته يحلم ، فلما اصبح عكف على مرسمه يحاول ان يخترع صورة " المصري افندي فلما اعياه ان يخترع ترجم .

" المصري أفندي أين هو المصري أفندي بلحمه ودمه واعصابه ؟ اين هو في هندمه وزيه ؟ اين هو بخصائص قومه وفكرة اهله ؟ ابن هو ذتنا وشارة و خلقا وأمنية وعصبية . . اين هو حقيقة قبل ان ترسمه صورة وكل واحد من هؤلاء ، وأولئك الذين تري في عربية القطار يزعم أنه المصري . .

ارسم فكرة قبل أن ترسموه صورة ، حددوه صفة قبل أن تتخيلوه رسما ، ثم لينظر بعد ذلك كل مصري في مرآة زينته وفي مرآة نفسه يعرف صورة " المصري أفندي " !

الشركات

دعني ، دعني يا صديقي فقد عييت بجواب سؤالك لست أعرف لهذا الشعب خصائص موحدة أو صفة مشتركة فأجيبك ؛ إنه شعب يعيش بلا غاية ، ويسير بلا هدف . .

دعني وصحيفتي ، إن هاهنا موضوعا ينبغي أن أقرأه قبل

أن يقف القطار في المحطة الأخيرة فتشغلني عنه أشياء . .

إنهم يتحدثون عن اللغة العربية في الشركات والمتاجر الأجنبية أقرأت؟

أحب إلي بأن أقرأ وأن أسمع حديثا عن اللغة العربية في الشركات والمناجر الأجنبية ؛ لقد شرعوا قانونا وفرضوا عقوبة ؛ ما أجمل هذا ! إنها لأول اليقظة فيما أري ، فليس يليق بشعب يعتد بكيانه ويؤمن بنفسه ان يتحدث إليه الأجانب بغير لغته أتراهم قد احتجوا بذلك لما شرعوا ١ . . نعم ، وما أراهم قد جاوزوا حد القصد والاعتدال ؛ ولكن ماذا قالوا بعد ؟ ؟

قالوا : وإنهم بذلك يقصدون ان يفسحوا مجال العمل للشبان المصريين في الشركات والمتاجر الأجنبية .

وي !أهذا حديث يقال ؟

ولماذا لا يفرضون هؤلاء الشبان على الشركات والمتاجر ضربة وطنية ؟ . أفليس هؤلاء الأجانب يعيشون بنا ، ولنا ؟ . أفليس من حقنا أن نقول لهم شاركونا فيما تربحون من أموالنا ؟ . فلماذا ، لماذا لا نقولها صريحة بلا احتيال ولا مداورة

أمن أجل ذلك نفرض اللغة العربية على هذه الشرعات والمتاجر ؟ . . اين شئ من شئ ؟ . . ذاك واجب وهذا واجب آخر : ذاك حق لغتنا القومية ولها العزة ، وهذا حق الاقتصاد القومي !

ينبغي أن يتحدث الأجانب إلي كل مصري بلغته ؛ هذا حق ، وينبغي ان يكون لكل مصري سهمه فيما يربح هؤلاء الأجانب منا ؛ هذا حق آخر ؛ وسواء أكانت الوسيلة إلي هذين الحقين واحدة أم كانت متعددة ، فما ينبغي أن يفوتنا الاعتراف بأن هذا حق وذلك حق مثله

أفلا يكون لمصري حق أن يعمل في شركة أجنبية إلا باسم اللغة العربية ؟ .

ولكن وا أسفا . . إن الشاب المصري لا يكاد

يشعر أن له هذا الحق وأن عليه ذلك الواجب ؟

استمع إليه واقفا في متجر أجنبي يتحدث إلي عاملة أو عاملته ، واستمع إلي أخته " الأنسة المصرية " إنه وإنها ليتتحدثان برقة ، ولطف ، بلغة العامل والعاملة ، يطلبان إليه وإليها زجاجة من عطر الشيراويشي .

البضاعة مصرية ، والشاري مصري ، وقد يكون العامل مصريا كذلك ؛ ولكن الشاب والشابة لا يقدر ان أن لهما حقا ، ولوطنيتهما عليهما حق !

اللغة العربية :

ثم أين شبابنا من اللغة العربية وإنهم ليجيدون لغات الأجانب أكثر مما يجيدونها ؟ . . ليس من نقص فيها أو في وسائل تعلمها ، ولكن من نقص في الوطنية

أقرأت حديث فكري اباظة في العدد ٩٤٠ من المصور

" الطفل المصري الراقي بجيد الإنجليزية والفرنسية أكثر مما يجيد العربية ؛ ولم اعرف في انجلترا رجالا يجيدون اللغة الفرنسية ، ولم اعرف في فرنسا رجالا يجيدون اللغة الإنجليزية ، ولم اعرف في المانيا رجالا يجيدون لغة غير الألمانية ، ولم اعرف في هذه الدول الكبرى رجالا لا يجيدون الإنجليزية والفرنسية كما يجيدهما الأطفال المصريون الراقون الأرستوقراطيونأبناء الذوات

هذا حق يعرفه كل مصري ولا ينكره على نفسه وأهله ، ويعرفه كل اب في بنيه وبناته ، ويعرفه كل معلم في تلاميذه وتلميذاته ، ويعرفه وزراء المعارف منذ كانت وزارة المعارف

أين ما نريد مما نعمل ؟

تريد أن تكون لنا كل مقومات الوطنية الصحيحة في لغتنا وعاداتنا وكل مظاهر قوميتنا ، ونعمل فلا يكون عملنا إلا مباعدة بيننا وبين مقومات الوطنية الصحيحة في لغتنا وعاداتنا وكل مظاهر قوميتنا ، ونفرض علي الأجانب أن يعترفوا لنا بحق لا نعترف به لأنفسنا !

اسأل تلميذا في أي مدرسة مصرية : ماذا يخاف من مواد الدراسة في الامتحان ؟ . نسمع جوابه اللغة الأجنبية واسأله : ماذا يرهقك من مواد الدراسة طول العام ؟ . . يجيبك : اللغة الأجنبية !

لماذا ؟ . . ألأننا نريد إعداده لخدمة الأجانب ؟ . . لا ؛ ألأنه يهيء نفسه للعمل في السلك السياسي ؟ . لا ألأن اللغة العربية ليست لغة العلم ؟ لا -

فلماذا ؟ لأن الذي وضع منهج الدراسة في المدرسة المصرية منذ نصف قرن لم يؤهل ممن علمهم رجلا واحدا يقول بعد نصف قرن : هذا المنهج لا يلائمني وليس بي إليه حاجة إلا بمقدار !

ولكن في وزارة المعارف اليوم رجالا حريون بأن يقولوها ، وان يفعلوا . .

أراني أتحدث اليوم عن التعليم ومناهجه وما يحق لي ؛ ولكن يخيل إلي أني آمل اليوم املا في الإصلاح لم أكن آمله منذ سنين ؛ ولقد يكون أمل الآمل احيانا داعية إلي الشكوي ، والسخط ، والتذمر ؛ ولكني أوثر أن أنتظرا

اشترك في نشرتنا البريدية