خصائص شعب المصري افندي الشركات اللغة العربية .
خصائص شعب
نحن في عربة الدرجة الثانية من قطار الضواحي ، في بكرة الصباح ، والقطار محتشد ، كل مقعد لاثنين يشغله ثلاثة ؛ بإزاء ثلاثة ؛ ونحن في مصر ، في القاهرة ، في قلب الحاضرة العربية الاولي بين حواضر الشرق ؛ هأندا واقف بين عديد من الواقفين ، وعشرات من الجالسين ، وصحيفة الصباح في يدي . إنني لأقرأ في وجوه هؤلاء ، الركب حديثا أصدق مما اقرا في صحيتني ؟ شتان بين ما هنا وما هناك انظر معى واقرأ وجوه الناس ، ثم اقرأ صحيفتك .
أنحن في مصر ؟ . . في حاضرة البلاد العربية ؟ . وهؤلاء الركب مصريون ؟ .
نعم نعم نعم
تعال نحصيهم عدا ، ونستخبرهم فردا فردا .
هذه ثلاث عمائم : فواحدة بيضاء ، وأخري سوداء ، وثالثة . . حذار ؛ إنها عمامة امرأة ، وللنساء في هذا الزمان عمائم . . تحاجيز بين الجبين المصقول والشعر الناعم
وهذه طرابيش : انظر ، هذا طربوش على بدلة ، وهذا طربوش على قباء ؟ وانظر هناك قريبا من الباب : ذاك طربوش على جلباب ، إلى جانب طربوش على قبقاب
وهاتان قبعتان : فواحدة علي رأس مصري ، وإخري على ركبتى أجنبي .
وهؤلاء نساء وفتيات ؛ من تعرف منهن ومن تنكر أهذه الشابة قد غاصت نظراتها في الكتاب ، أم هذه المتشبية ترفه بابتساماتها من الركاب ؟ ؟
هذه صحف بين أيديهم وأيديهن : ارأيت لاتي لابس هذا الطربوش ، وصاحب تلك العمامة ، وحامل هذه القبعة ، وهذا العاري الرأس ، وهذه العارمة النظرة ، وذلك الفضيضة الطرف . ماذا يقرءون وماذا يقرأن ؟ . . صيفة عربية مطوية ، وصحيفة إفرنجية مبسوطة ،
واستمع إلي حديث هؤلاء وأولئك ماذا يقول القائل وماذا يسمع السامع ؟ . مصري يرطن ، واجنبي مستعرب
هؤلاء وأولئك ياصديقي إخوتك وأخوانك ، إنهم نموذج " الجماعة المصرية " مجتمعة في عربية قطار ؛ إنك وإياهم على نسب مشترك وإن تعددت الآلوان ، وإنهم وإياك علي صفة موحدة حين يسأل عن خصائص المصري الحديث " وإن لم تتوحد المشارب والأذواق
وكنت تسألني منذ قريب عن الصفة المشتركة " التي يمكن أن يجد فيها الفنان الصادق صورة كل " مصري فيبرزها في لوحة من فنه ، ولقد اعياني جوابك برهة ؛ فانظر الآن لعلك واجد في هذا الخليط المحتشد جواب مما سألت !
المصري أفندي
أرأيت إلي تلك الصورة التي اخترعها فنان مصري ، أو اوربى ، منذ سنوات ، لتكون نموذجا يعبر عن صورة كل مصري ، وسماها " المصري افندي ؟ لا تصدق أنها كذلك ؛ إنها صورة مترجمة ، وأحسبها كانت قبل ذلك ذات قيمة ، فلما ترجمها مصورها ابدل بالقيمة الطربوش ليرضى حاجة في نفسه ، ثم أخطأ مرة أخري في ترجمة العنوان ، ولو اصاب لسماه: " مسيو مصري " !
أين هذه الصورة من هؤلاء الذين تري في عربية القطار ؟ . . اليس مصريا هذا الشيخ وعلي رأسه عمامته ؟ وهذا الغلام وعلى رأسه قبعته ، وهذا القس وعلى رأسه سواده ، وهذا الشاب وعلي رأسه شعره . . ؟
أوليس مصريا صاحب هذا الجلباب ، ولابس هذا القفطان ، والمتدثر في هذا المعطف و المتبحبح " في هذا السروال . .
فمن اين لك أن تقول إن هذه صورة " المصري أفندي وليس المصري " صورة " تعرف أو توصف ؟
لقد رأي ذلك الفنان في إحدي المجلات الأوربية صورة " العم سام " وصورة السيد جون بول ، فبات ليلته يحلم ، فلما اصبح عكف على مرسمه يحاول ان يخترع صورة " المصري افندي فلما اعياه ان يخترع ترجم .
" المصري أفندي أين هو المصري أفندي بلحمه ودمه واعصابه ؟ اين هو في هندمه وزيه ؟ اين هو بخصائص قومه وفكرة اهله ؟ ابن هو ذتنا وشارة و خلقا وأمنية وعصبية . . اين هو حقيقة قبل ان ترسمه صورة وكل واحد من هؤلاء ، وأولئك الذين تري في عربية القطار يزعم أنه المصري . .
ارسم فكرة قبل أن ترسموه صورة ، حددوه صفة قبل أن تتخيلوه رسما ، ثم لينظر بعد ذلك كل مصري في مرآة زينته وفي مرآة نفسه يعرف صورة " المصري أفندي " !
الشركات
دعني ، دعني يا صديقي فقد عييت بجواب سؤالك لست أعرف لهذا الشعب خصائص موحدة أو صفة مشتركة فأجيبك ؛ إنه شعب يعيش بلا غاية ، ويسير بلا هدف . .
دعني وصحيفتي ، إن هاهنا موضوعا ينبغي أن أقرأه قبل
أن يقف القطار في المحطة الأخيرة فتشغلني عنه أشياء . .
إنهم يتحدثون عن اللغة العربية في الشركات والمتاجر الأجنبية أقرأت؟
أحب إلي بأن أقرأ وأن أسمع حديثا عن اللغة العربية في الشركات والمناجر الأجنبية ؛ لقد شرعوا قانونا وفرضوا عقوبة ؛ ما أجمل هذا ! إنها لأول اليقظة فيما أري ، فليس يليق بشعب يعتد بكيانه ويؤمن بنفسه ان يتحدث إليه الأجانب بغير لغته أتراهم قد احتجوا بذلك لما شرعوا ١ . . نعم ، وما أراهم قد جاوزوا حد القصد والاعتدال ؛ ولكن ماذا قالوا بعد ؟ ؟
قالوا : وإنهم بذلك يقصدون ان يفسحوا مجال العمل للشبان المصريين في الشركات والمتاجر الأجنبية .
وي !أهذا حديث يقال ؟
ولماذا لا يفرضون هؤلاء الشبان على الشركات والمتاجر ضربة وطنية ؟ . أفليس هؤلاء الأجانب يعيشون بنا ، ولنا ؟ . أفليس من حقنا أن نقول لهم شاركونا فيما تربحون من أموالنا ؟ . فلماذا ، لماذا لا نقولها صريحة بلا احتيال ولا مداورة
أمن أجل ذلك نفرض اللغة العربية على هذه الشرعات والمتاجر ؟ . . اين شئ من شئ ؟ . . ذاك واجب وهذا واجب آخر : ذاك حق لغتنا القومية ولها العزة ، وهذا حق الاقتصاد القومي !
ينبغي أن يتحدث الأجانب إلي كل مصري بلغته ؛ هذا حق ، وينبغي ان يكون لكل مصري سهمه فيما يربح هؤلاء الأجانب منا ؛ هذا حق آخر ؛ وسواء أكانت الوسيلة إلي هذين الحقين واحدة أم كانت متعددة ، فما ينبغي أن يفوتنا الاعتراف بأن هذا حق وذلك حق مثله
أفلا يكون لمصري حق أن يعمل في شركة أجنبية إلا باسم اللغة العربية ؟ .
ولكن وا أسفا . . إن الشاب المصري لا يكاد
يشعر أن له هذا الحق وأن عليه ذلك الواجب ؟
استمع إليه واقفا في متجر أجنبي يتحدث إلي عاملة أو عاملته ، واستمع إلي أخته " الأنسة المصرية " إنه وإنها ليتتحدثان برقة ، ولطف ، بلغة العامل والعاملة ، يطلبان إليه وإليها زجاجة من عطر الشيراويشي .
البضاعة مصرية ، والشاري مصري ، وقد يكون العامل مصريا كذلك ؛ ولكن الشاب والشابة لا يقدر ان أن لهما حقا ، ولوطنيتهما عليهما حق !
اللغة العربية :
ثم أين شبابنا من اللغة العربية وإنهم ليجيدون لغات الأجانب أكثر مما يجيدونها ؟ . . ليس من نقص فيها أو في وسائل تعلمها ، ولكن من نقص في الوطنية
أقرأت حديث فكري اباظة في العدد ٩٤٠ من المصور
" الطفل المصري الراقي بجيد الإنجليزية والفرنسية أكثر مما يجيد العربية ؛ ولم اعرف في انجلترا رجالا يجيدون اللغة الفرنسية ، ولم اعرف في فرنسا رجالا يجيدون اللغة الإنجليزية ، ولم اعرف في المانيا رجالا يجيدون لغة غير الألمانية ، ولم اعرف في هذه الدول الكبرى رجالا لا يجيدون الإنجليزية والفرنسية كما يجيدهما الأطفال المصريون الراقون الأرستوقراطيونأبناء الذوات
هذا حق يعرفه كل مصري ولا ينكره على نفسه وأهله ، ويعرفه كل اب في بنيه وبناته ، ويعرفه كل معلم في تلاميذه وتلميذاته ، ويعرفه وزراء المعارف منذ كانت وزارة المعارف
أين ما نريد مما نعمل ؟
تريد أن تكون لنا كل مقومات الوطنية الصحيحة في لغتنا وعاداتنا وكل مظاهر قوميتنا ، ونعمل فلا يكون عملنا إلا مباعدة بيننا وبين مقومات الوطنية الصحيحة في لغتنا وعاداتنا وكل مظاهر قوميتنا ، ونفرض علي الأجانب أن يعترفوا لنا بحق لا نعترف به لأنفسنا !
اسأل تلميذا في أي مدرسة مصرية : ماذا يخاف من مواد الدراسة في الامتحان ؟ . نسمع جوابه اللغة الأجنبية واسأله : ماذا يرهقك من مواد الدراسة طول العام ؟ . . يجيبك : اللغة الأجنبية !
لماذا ؟ . . ألأننا نريد إعداده لخدمة الأجانب ؟ . . لا ؛ ألأنه يهيء نفسه للعمل في السلك السياسي ؟ . لا ألأن اللغة العربية ليست لغة العلم ؟ لا -
فلماذا ؟ لأن الذي وضع منهج الدراسة في المدرسة المصرية منذ نصف قرن لم يؤهل ممن علمهم رجلا واحدا يقول بعد نصف قرن : هذا المنهج لا يلائمني وليس بي إليه حاجة إلا بمقدار !
ولكن في وزارة المعارف اليوم رجالا حريون بأن يقولوها ، وان يفعلوا . .
أراني أتحدث اليوم عن التعليم ومناهجه وما يحق لي ؛ ولكن يخيل إلي أني آمل اليوم املا في الإصلاح لم أكن آمله منذ سنين ؛ ولقد يكون أمل الآمل احيانا داعية إلي الشكوي ، والسخط ، والتذمر ؛ ولكني أوثر أن أنتظرا

