البائس المتجمل ! - أيها النائمون . . - فريضة الزكاة - إعلان
البائس المتجمل
جاءتني أمس الرسالة الآتية ، وما هي بحروفها ولكنها هي بمعانيها :
. . يا صديقي ! وما يحق لي اناديك بها ، فلعله مما يؤذيك أن يزعم " بائس " مثلى أنه لك صديق ولكنك صديقي غضبت أم رضيت . . .
" . . ولقد أنصفت والله فيما كتبت عن " آخرة الشاعر " عبد الحميد الديب ، ولكنك لم تنصف نفسك ولا والله ما أنصفتني . . لقد أخذتني الغيرة مما كتبت عنه ووصفت من حاله ومن خبره وما ال إليه . . ولقد تمنيت وحقك أن يكون كل ذلك لي ، وإنني لأهله بل لعلني اكثر أهلية له ، لولا أني اتجمل فلا يعرف أحد من شأني ما يعرف الناس عن عبد الحميد الديب
الشئ واحد يميزه عني وقد سبق به إلي ما نال من بر ومودة ، هو أنه كان شكاء بكاء لا يكاد يجلس إلي احد ممن يعرف اولا يعرف حتى يقص عليه من خبره ويشكو ، ويبكى ، وينشد من شعره ؛ فعرفه الناس وانكروني ، وعرفته ، وعرفتني لولا أني كنت أتجمل فكشفت لك جانبا من حياتي وطويت على جانب ، حتى ظننت وظنني الناس من السعدا ، وإن البؤس ليعض على قلبي ، وإن كاد مرات ليحملني على ان احسد عبد الحميد الديب على ما كان " ينعم " به من عطف الاصدقاء وسيرتهم . .
" إن كلمتك لتوشك أن تحملني على أن اهتك حياتي وأتبذل ، أن كانت هذه هي الوسيلة !
" . . ولست وحدي فيما أصف به نفس ، فإن في مصر عشرات من الشعراء والكتاب وذوي المواهب العالية أشقي عيشا مما كان عبد الحميد الديب ولكن وراء ستار من التجمل ، وإنك لتعرفهم ولكنك لا تعرف منهم أحدا . . أقول ذلك قياسا علي نفسى فإن كنت تزعم أن الحكومة قد أنصفت عبد الحميد الديب حين رتبت له وظيفة " فلقد ظلمت من قبل عشرات وعشرات يتراءون على عيون الناس عمدا وبهم ما بهم من الظمأ والجوع والحرمان ، وإن منهم لمن يملك المجد والجاة والشهرة ولا يملك ثمن الرغيف . .
لا تتهمني ، إننا نعيش في أمة تجحد الجميل ! أنت لا تفكر ذلك وليست شواهده بعيدة عنك ، ولعلك أنت أيضا تتجمل . . ومعذرة إليك ! . .
" رأيت وجهك يحمر ، ولكني علي ثقة من أنك لا تغضب ؛ إنك لتعترف معي ببعض ما قلت وإن كان لا ينبغي أن يذكر . . لست أعني كل ما قد يفهم من عبارتي ، فخذ منها ما تشاء ودع ؛ إني لاحس احيانا أني ملهم ، وذلك بعض مزايا الصوم . . . إني صائم منذ يومين لان أولادي يجب أن يفطروا . . وعلى فكرة ، أريد أن أخبرك أن لى زوجة وأولادا ، وهذا شيء آخر يمتاز به عني عبد الحميد الديب ؛ فإنه رجل خفيف الظهر كما قد تعلم . .
" قلت إنني ألهم أحيانا ؛ فصدق هذا ، ومن الإلهام ما حدثتك عن غيري في بعض ما سبق وإن لم يشك إلي أحد . . إنني أستطيع أن أصف بعض ما في نفسك الساعة وإنك لبعيد عني فلا تكذبني حدسي ! . . . .
" ولم تنصف حين زعمت أنهم فعلوا ذلك بعبد الحميد الديب تكرما لأدبه ؛ لا والله ؟ ؟ فما لهم في الأدب أرب ولا له عندهم كرامة ، ولكنها اثارة من اريحية " عصر الندمان " وإن عبد الحميد الديب لظريف المنادمة حلو السامر ؛ بهذا وحده كل ما قال لا بالشعر والأدب ، وإنه بهما لرجل من التاريخ لا بالمنادمة والسمر
لا لو كان بالشعر والأدب ما فعلوا لأنصفوا فلانا وفلانا وإن لهما في الأدب لقدرا وخطرا ، ولكنهم لم يفعلوا . ضع الشئ في موضعه وقلها كما قلتها صريحة ، ولا تذكر لي أسماء بإزاء ما ذكرت لك من أسماءحاول أن تبرهن في بها على تكريم الحكومة للأدب والأدباء وإن أبيت إلا أن تذكر لي تلك الأسماء التي أعرف أنها تحول بخاطرك الساعة فاعلم أن عندي ما أقول ؛ إن ثمة آحادا يستأهلون بالشعر والأدب ما نالوا من تكريم الحكومة وحفاوتها ، ولكنهم بغير الشعر قالوا ما قالوا ؛ أتريد أن أعرفك أم إنك تعرف ؟ . آمن بما قلت لك وأنصفي من نفسك وأنصف الأدب
" . لماذا كتبت إليك هذه الرسالة ؟ لقد نسيت من طولها لماذا بدأتها ! . أكل هذه الخواطر كانت في نفسى حين تناولت قلمي ؟ . . ومع ذلك فأنا احس كاني لم أقل شيئا مما في نفسى ؛ إن في رأسي الساعة من ازدحام الخواطر مثل هزيج النحل في خليته . . أه ، لقد تذكرت إنما أردت بهذه الرسالة أن أسالك : أتستير على أن أهنتك حياتي فأكشف لك عن حال لتنصفي الحكومة كما انصفت عبد الحميد الديب إن كانت هذه هي الوسيلة ، أم أطوي صدري علي ما به وإن نالني ما نالي من الضر والألم ؟ .
" تسألني عن اسمي ؟ . لا ، فلن اهتك حجابي حتى
تشير علي ، وسأعرف رضاك أو غضبك مما تنشر في " الثقافة " هذا الأسبوع " .
ألا إنه إذا كان بعض الواضح ليخفي من شدة وضوحه حتى ما يبين وجهه فهذا الذي نشرت على القراء لون منه
ومعذرة إلي الصديق البائس إن خرجت من مسألته بالصمت عن " لا و نعم " ؛ فما أملك أن أشير عليه ولا أرضي أن أنكر حقه فيما يزعم لنفسه ، وذلك حسبي من الرأي وللقراء ما يرون
أيها النائمون
أيها النائمون تحت اللحاف
وهوانا إليهم غير خاف
لكم النوم ، والسهاد علينا
في حياة قليلة الإنصاف
وبما تحكمون - والله - نرضي
غير حكم بالنفي للأرياف
والسلام الكثير منا إليكم
والتحيات كلها " والعوافي " !
. وهذه أبيات قرأتها في هذا الأسبوع من رسالة بعث بها من الريف موظف إلي رؤسائه في القاهرة يعتب ويشكو ويحي .
وهي شكوي فيها طرافة ، وفيها فكاهة ، وفيها احتجاج ، وفيها ادب ؛ فلولا ما تدل عليه من ضعف المهمة ورخاوة النفس لكانت تحريرية بالإجابة ؟ على أنها نموذج طيب من الشعر الفكاهي رأيت الا يفوت القارئ حظه منه ؛ ولعلها بسبيل من رسالة صديقنا " البائس
المتجمل " ؛ فكلاهما يشكو حظه وما يناله من قلة الإنصان ؛ وإني لأخشى وقد بلغتني هاتان الرسالتان في وقت معا من مكانين متباعدين أن تكون الروح التي أملتهما تتبع من معين واحد ، هي روح التذمر والسخط التي تسيطر علي اكثر شبابنا اليوم ، لا من عين ثالثهم ، ولكن من مطمع فانهم أن يبلغوه ؛ ولقد يكون في بعض الرجاء أحيانا شقوة الراجي ، ولقد ينال الأمل من " هم الأمل " ما لا يناله من مرارة اليأس ! .
رأيت أمس رؤيا رجعت لى سنين من الماضي ، فرايتني حيث كنت ذات يوم في حقيقتي وفي املي ، وكانما اجتمع لي من الزمان طرفا اجمل ما فات من ماضى وأسعد ما كنت آمل في غدي ، وسعدت بما لم تجتمع لي سعادته يوما ولا يتأتي له ان يكون . . ثم صحوت . وكنت قبل أن أنام - وقبل أن أري - راضي النفس مطمئن القلب قانعا ؛ فلما صحوت من حلمي رحت أفتقد نفسي فما وجدتها ، وإذا ملء فمي ملح ومرارة ، وخلفت لحظات السعادة الحالمة التي مرت بي ساعات من الضجر والألم والتذكر لم يمر بي مثلها منذ بضعة أشهر ؛ ثم ناب إلي عقلي . .
ليت الذي كتب الحرمان على الأشقاء في الحياة قد حرمهم مذاقة الأمل ؛ إنه في فم المحروم لأشد مرارة من الحرمان نفسه
فريضة الزكاه
قرأت في جريدة الأهرام أن وزارة الشئون الاجتماعية قد فرغت من اعداد مشروع " ضريبة " الزكاة ، وان من قواعدها المقررة إلا يطالب بها غير المسلمين
ولم يدهشني ما قرأت وإن كان كثيرون ليدهشون له ؛ فإنما الخطأ في العبارة لا في التشريع ؛ ومصدره ان يسموها
" ضريبة " والضريبة جباية عامة يفرضها الشارع على حد المساواة بين الناس لا يصفي منها حال ولا مقيم ، كل على مقداره لا على مذهبه ودينه ؛ واعتبار هذه الزكاة الفروضة ضريبة هو الوهم وهو الخطأ وهو سوء التعبير ؛ وإنما هي " فريضة على المسلم للمسلم " فمن هنا كان التخيصيص في جبايتها واشتراط الإسلام
فإن كانت هذه عبارة الجريدة فقد أخطأ الراوي ، وإن كانت عبارة الشارع فقد أخطأ الشرع وأساء .
على أنها وهي " الزكاة مخرجها للمسلم وحده ؛ فليس لغير المسلم منها حتى وليس له مطالبة بنصيب منها ؛ أفقصدت إلي ذلك وزارة الشئون الاجتماعية فيما شرعت أم لم تقصد ؟
إن كانت فقد تناولت الأمر من طرفيه ، وإلا فإن للسائل أن يسأل وإن عليها أن تجيب ؛ وإن هذا الخبر حينئذ ليدعو إلي الدهش وإلي التساؤل .
وإن في مصر ليغير المسلمين مكانا ، وإن لهم رعاية وحقا ، فهل استفتوا فأفتوا وسئلوا فأجابوا ؟
إني لأعتقد أن غير المسلمين في مصر أهل للمسارعة إلى هذا البر الإنساني العام ، فإن لهم من إدراك معناه السامي ما يسرع بهم ويهزأ أريحتهم إليه ؛ وإن لأقباط مصر ونزلائها الأجانب لايادي مشهورة في رعاية كثير من المؤسسات الإسلامية القائمة ؛ فهذا من هذا ، وسبيل البر واحدة
أعرف فتيانا وفتيات من غير المسلمين في مصر يصومون رمضان مع المسلمين ، وقال لي فتي منهم : في لأجد في الصوم لذة ورياضة وصفاء في نفسى ؟ وما رايتني أكثر إشراقا في عقلي وأسرع استجابة إلي الشعر والعاطفة في قلبي مما رأيتني وأنا صائم
وقالت لي فتاة ؟ وإني لأجد الصحة والعافية على الجوع
أكثر مما أجدهما على الشبع . . ثم استضحكت وقالت : أتراني رشيقة ؟ . . فذلك لأني قريبة العهد برمضان ! ذلك قولهما وإنه " الصيام " والحرمان من الجوع ؛ فكيف يقولون وإن " الزكاة " لشريعة الإنسانية التي تفرضها علي كل كاسب لكل بائس أو محروم
اعلان
وقرأت في جريدة الأهرام حديثا عن توفيق الحكيم وروايته " رصاصة في القلب " التي يخرجها الموسيقار محمد عبد الوهاب ؛ ثم طويت الجريدة ؛ ولكن صاحبي الذي يعابني أحيانا لم يدعني وما انصرفت إليه ، فسألني : أقرأت ؟ .
قلت : ماذا ؟ فبسط الأهرام ومضي يقرأ :
" إن توفيق الحكيم أحد الكتاب الثلاثة الأوائل في مصر ؟ وليس يعرف موضعه على التحديد من صاحبيه ، ولكنه . . . الخ "
قلت : حسبي ، لقد قرأته قال : ماذا يعني ؟ وكيف صار العشرة ثلاثة ولم يمض طويل زمن ؟ ومن صاحباه اللذان يعني ؟ واين ترى موضعه منهما على التحديد ؟ و . .
قلت : أوه ! إنك تغيظني ، أو لا فإنك لا تفهم ؛ إنه ليس مقالا أدبيا يستحق المناقشة ؛ إنه إعلان من هوليوود . .
لقد ربحت السيما توفيق الحكيم

