صحيفة الشحاذين أسلوب الشيطان ادب وعلم ؟ - معاركة ،
صحيفة الشحاذين
قرأت في العدد ٢٢٩ من " الشعلة " حديثا طريفا نشرته بعنوان : " ملك الشحاذين في أمريكا . فتمت ، ووصفت ، وذكرت طرائف ممتعة ؛ ولست احسبه شيئا من صنع الخيال وإن كان به أشبه ؛ على أن أجمل ما راقني من هذا الحديث هو ما ذكرته المجلة عن " جريدة الشحاذين " التي كان يصدرها يومية " ملك الشحاذين في أمريكا " ؛ قالت :
" . . كانت توزع على كل شحاذ في المدينة . . وتعني بنشر كل ما تقرؤه تحت عنوان " البقاء لله " - " عقد قران ؟ أي أخبار الوفيات والحفلات ؛ كما كانت ترصد حركات رجال الأعمال الخيرية حتى يستطيع المتسول أن يستجدي دون أن يضيع وقته عبثا !
" أما ما تنشره في صفحاتها الأولى بالعناوين الضخمة فلا يعدو خير زيارة محسن كبير المدينة
" وهي تعنى عناية خاصة بنشر مواعيد امتحان الطلبة والطالبات وأمكنة الجامعات والمدارس ؛ لأن الطلبة كما يقول " ملك الشحاذين " لا يفهمون ما يقرءونه عن الإحسان وفوائده إلا في أيام الامتحانات . .
قلت : وهذه جريدة ذات هدف ، تعرف اين تقصد وماذا ينبغى ان تقدم لقارئها ، وإنها بهذا المنهج المرسوم لأنموذج ومثال ؟ فأي جرائدنا ومجلاتنا تعرف الهدف الذي
تقصد إليه وتري عن كل باب من أبواب القول فيها إلي غرض ؟
لا ، بل لعلني لو رحت أحاول الموازنة بين هذا المنهج المرسوم " لجريدة الشحاذين " وبين أكثر ما تنشر جرائدنا ومجلاتنا لشبه إلي أنها جميعا جرائد شحاذين !
ماذا تنشر أكثر جرائدنا ومجلاتنا غير ما نقرأ فيها تحت عناوين : البقاء لله ، عقد قران ، تنفلات ذوي الجاه والرياسة ، مواعيد المقابلات والزيارات ، حفلات البر والإحسان والترفيه و . والعربدة !
لو أن لي معرفة شخصية بكاتب هذا الحديث في " الشعلة " لوجدت في نفسي من وسائل الحكم ما يحملني على سوء الظن - أو حسن الظن - بقصده ، فأزعم أنه أنشأ هذا الحديث للسخرية بأكثر ما نشر من جرائد ومجلات ، على طريقة الرمز والإيماء . . ولكني لا أزعمها .
أسلوب الشيطان
قالت الفتاة وعيناها في عيني فتاها ويدها إلي يده : أبعد عني ؟ . فلم يزده ذلك إلا قربا ، ولم يزدها إلا رضا !
ذلك اسلوب بعض النساء في الحديث إلي الرجال بأمرن في أسلوب من النهي ، ليكون أبلغ في التشويق وأسرع إلي الإجابة ؛ وهو أسلوب الشيطان نفسه في الحديث إلي بعض النفوس ، علمه الشيطان للمرأة أو هي علمته إياه .
وبعض الدعاة إلي الفضيلة والأخلاق في مصر تدعون إليهما ويتداعون على أسلوب المرأة أو أسلوب الشيطان ؛ فما أراهم يبلغون إلا أن يكونوا دعاة إلي الإثم والرذيلة
ذلك القاص الذي كتب في آخر ساعة منذ أسابيع يصف الإثم والخطيئة في أزهي ألوانهما بين المخدع الوطئ
والنور الأحمر ليخلص من وصفه الفاضح إلي تصوير العقاب والعاقبة - ماذا ترك بقصته من الأثر في وعي قارئه وعلى أي مركب حمله ؟ . أ كانت قصته دعوة إلي الطهر والعفاف أو مسحبا برفق إلي الخنا والفاحشة ؟ . .
وذلك الشيخ الجليل الذي تحدث منذ اشهر إلي إحدي مجلاتنا المصورة عن اثر الحرب في " بلاج " الإسكندرية فراح يصف ما كان تمة قبل الحرب على الرمال وخلف جدران العشاش وبين مصطخب الموج في اسلوب يشوق ويغري ويبعث اللهفة والحنين ، لينتهي من حديثه بالشكر لله على ما كان للحرب من أثر في تطهير الشواطئ من مخاز وعيوب - ماذا بقي من حديث الشيخ الجليل في نفس قارئه بعد الفراغ منه ؟ اللهفة والحنين على تلك " المياهج " التى كانت أم الشكر لله وطلب المغفرة . . ؟
وذلك " الملحوس " الذي يكتب في المصور ليوجه ويرشد ويعظ ، فينصح للسيدات ان يحرصن علي عدم الاحتفاظ مما يكتبن من مذكرات وما يصل إليهن من رسائل قد تقع تحت عين " الزوج " يوما فيثور حين يعرف ويكون ويكون . . بماذا ينصح هذا " الملحوس " وبماذا يأمر ؟ . . أتري أمره ونصيحته إلي الزوجات دعوة إلي الفضيلة المطلقة أو دعوة إلي التستر واستغفال الأزواج ؟
أقرأت قصة " عند ما يفتح الزوج بابه ! " للشاعر صالح جودت في مجلة الساعة ١٢ ؟
إنه يحذر الأزواج وينذر ؛ فهل رأيته في تحذيره وإنذاره ، ثم فيما يصف في ثنايا قصته من مواقف الطيش والهوي - هل رايته في قصته وفي حديثه إلا كما تتخيل شابا عاري الجسد مكشوف السريرة وعلي رأسه عمامه وبين يديه امرأة
وماذا تغني اللحية والعمامة وإن الشيطان ليصطنع أحيانا لحية وعمامة ليتهيأ له أن يخطب خطبته المؤثرة على منبر مسجد كبير
أدب وعلم
وقرأت في العدد ٩٤٥ من المصور : " اعجبتني جدا فكرة حفلة القضاء الذي اجتمع في شبه مؤتمر عام ، وأعجبتني الخطب لأنها تجافت وتفادت المسائل الحزبية والداخلية ، وإن لم تعجبني في أسلوبها ؛ لأنه كان اسلوب الجاحظ ، وعبد الحميد الكاتب ، والحريرى : كانت خطب ادب لا خطب فقه وقضا ، وقانون وعلم .
وللكاتب رأيه فيما يعجبه وما لا يعجبه ؛ فله ذوقه وحكمه ؛ ولكن هذه الأسماء الكبيرة التي سماها من ادبائنا القدامى لها حقها ومكانتها ، ووضعها في هذا الموضع للاستدلال علي عدم إعجابه لا يحفظ لهؤلاء الأعلام مكانتهم في الأدب ولا يحفظ لهذا الكاتب عند قارئه مكانة من العلم ؛ ولعله لم يقصد إلي معني خاص في هؤلاء الخالدين
من أدبائنا ، وما أراه يحسن الجواب لو سئل أيهم الكاتب وأيهم الخطيب وأيهم العالم ، ولكنها أسماء سماها !
وقد درج كثير من " كتاب الجرائد " على ذكر هذه الأسماء وأشباهها في مثل هذا المقام ، وليس واحد منهم اعرف بها من غيره ، وليس منهم واحد يعرف اين موضع اديب واحد من هؤلاء ، الخالدين في الدليل والشاهد في القضية التي يستدل لها ؛ وقد نشأ من كثرة تردد هذه الأسماء في حديث بعض " كتاب الجرائد " أن اقترنت هذه الأسماء في أذهان بعض الناشئين من القراء بمعان ليست فيها ؛ فهي عند أكثرهم مضحكة وسخرية وعنوان فكاهة ؛ وهي جريمة على العلم وعلي حقوق أهله اجترمها بعض هؤلاء الصحافيين
وأذكر أني قرأت حديثا منذ بضعة أشهر لشيخ كبير من علمائنا جاء فيه ذكر " ابن حنبل " في مثل هذا الموضع من حديث هؤلاء السادة المترفعين على العلم ، فساءنى ما قرأت للشيخ الكبير ، لأنه أعرف بموضع الإمام أحمد
ابن حنبل وعظمة نفسه وقوة اثره ومكانته من التاريخ في علمه وأدبه وقوة عقله ؛ فما كان يليق به ان يعزل به إلى مثل ذلك الموضع من حديث العامة وأشياء العامة .
إن تلاميذنا في المدارس ليعرفون هذه الأسماء قبل أن يتعلموها في المدرسة ، ولكنهم لا يعرفونها إلا علي الصورة التي تصرفهم عن العناية بها حين يتبين او ان دراستها ؛ وهذه هي الجناية !
وثمة معني آخر في هذا الحديث ؛ فإنه ليخيل إلي أن ذلك الكاتب لا يعرف " حد الأدب ، فيما يقول القائل وفيما يخطب الخطيب ، واحسبه يظن ان العلم والأدب لا ينتقيان ألبتة ، وكأني به يدعو إلي العامية والتبذل في القول والإسفاف في العبارة ليكون الخطيب معجبا بليغا ؛ وهي دعوة مجيبة . .
. أم تراه لم يحسن النقد ، فهو يعني أن يعيب علي الخطيب أن يتأنق ويتوق ويصطنع المحسنات ويعقل المعنى ؟ . ولكن عبارته العجماء لا تكاد تؤدي إلي هذا المعنى إلا بعيدا من بعيد ، وما اعجب أن يتصدي لنقد الكلام من لا يحسن الكلام ولا يبين !
معارك
من أشهر معارك الأسبوع المعركة التي ثارث بين عبد الوهاب وأم كلئوم في سبيل إنشاء " نقابة الموسيقيين
والعجب ما شئت أن تعجب " لمركة تنشب بين رجال الموسيقى ونسائها من أجل تكوين " رابطة " !
والموسيقي هي فن السلام والحب ، ولكنها قد صارت بين أم كلثوم وعبد الوهاب فن الخصام والحرب ؛ وضاعت في صحيح المعركة انغام الهوي والشباب والأمل المنشود . وقال عبد الوهاب ؛ لست أريد شيئا لنفسي ، ولكنها
نقابة الموسيقيين فلا ينبغي ان يكون من اعضائها موظفون ، كما تألفت نقابة الصحافة
ونقابة الصحافة ليس من أعضائها موظفون ، ولكن فيها أيضا معارك ؛ ورجال الصحافة هم قادة الراي ، ولكنك لا تكاد تجد اثنين في نقابة الصحافة يجتمعان على رأي !
ويكاد عبد الوهاب ينجح فيما يدعو إليه فلا يكون في نقابة الموسيقى اعضاء موظفون ، كما خرج من نقابة الصحافه طه حسين ، وأحمد أمين ، وخلاف ، وأحمد زكي ، وعشرات من كبار الأدباء والكتاب لهم في الصحافة والأدب ماض وجهاد منذ سنين وسنين قبل ان ينشأ في الأدب والصحافة كل هذه الطائفة من الصحافيين
ليت شعري أكل دعوة إلي ( التآلف ) تنشئ في هذا البلد " معركة " ؟ فما احري ان يتقاطع كل زميلين في فن أو حرفة فلا يلتقيا ؛ فإن ذلك التقاطع بينهما ادني إلي السلام والوئام
