الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 219 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي . .

Share

ضحايا     -   سفراء العلم

ضحايا

اقبل النائب المحترم " على سكرتير الوزير وفي وجهه أمارات الإعياء والجهد ، فما هو إلا أن وجد كرسيا خاليا إلي جانبه حتى انحط عليه . أرأيت إلي السائر المجهود في الفلاة قد آده ما يحمل وناء به فرماه عن كتفيه لا يعنيه إلا أن يتخفف من ثقله ؛ كذلك انحط النائب المحترم على كرسية ، أو قل ؛ رمي نفسه

. وراحت يد النائب المحترم تعبث في جيب معطفه ثم خرجت وفيها قبضة من بطاقات وأوراق ورسائل ومضي النائب يبسط كل اولئك تحت عينيه وهو يخافت كلمات لا تكاد تسمعها أذن ؛ وأجابه سكرتير الوزير إلي ما طلب ، ونهض يستأذن له في المقابلة . .

وأخذ الرجل يتهيأ لمقابلة الوزير ويعد مطالبه ووسائله هذا الرجاء ، ثم هذه الرسالة ، ثم ذاك المطلب ، ثم  تلك البطاقة ، ثم        ألا  تنتهي هذه المطالب  . واستوقفته رسالة فمضى يقرؤها على روية ، إنها طبيبة من " بنات الدائرة ، وإن لأبيها عليه بدأ ، وقد كتبت إليه تستعينه على نقلها إلي " مستوصف " القرية ؛ إنها اولي من غيرها بأن تعيش حيث ولدت ! . .

" بل ، إنه لحقها ! "

هكذا قال النائب المحترم لنفسه وهو ماض في ترتيب أوراقه . . وظفر برسالة أخري ، وراح يقرؤها كذلك ؛ انها من صديقه فلان يعلمه انه قد تزوج . . وابتسم النائب ، لقد كان يعنيه ان يعرف ذلك من قبل ، ليقدم

إليه التهنئة في موعدها ، ثم ماذا ؟ . . ثم هو يرجو النائب المحترم بما له عليه من حق ، ان يكون شفيعه إلي الوزير ان يحول دون نقل زوجته من القرية ، " لان بعض ذوي الأغراض يعملون لابعادها ! " . هكذا يقول في رسالته ؛ وابتسم النائب ثانية ، إنه مطلب عادل ، وإنه لسعيد بأن يكون شفيعا لإجابته ؛ ليس من العدل ان يفرق بين المرء  وزوجه

وأذن له الوزير أن يدخل ، فاتخذ طريقه إلي الباب وخطا خطوتين ، واعترض طريقه " ناخب " ، ووقف النائب المحترم برهة يستمع إلي شكائه ، وضم ورقة إلي ورقات ، واستأنف سيره إلي غرفة الوزير . .

وقال " الناخب " يحدث جاره في قاعة الانتظار بمكتب الوزير : أليس هذا من توفيق الله ؟ . . لم أكن موقنا انه هنا ولكنى خمنت ، فقد عرفت موعد مقابلات الوزير وعرفت صلته به وحرصه على لقائه في كل موعد مقابلة ؛ فقدرت أنني سأراء هنا الساعة ، وقد لقيته !

وابتسم جاره وهو يقول : يا يختك . . . أما أنا فإنني هنا على موعد محدد ، ولكن النائب ، قد أخلف موعده !

وأجابه محدثه وما تزال الابتسامة ترف على شفتيه منذ اعترض خطا " النائب " على باب الوزير : لابد ان سيحضر ، أو لعل أحدا اعترض طريقه فاستأخر !

وفي الغرفة القريبة كان " النائب المحترم " في كرسيه على مقربة من الوزير يمد يده إليه بورقات ، وقد ازدحمت على لسانه الأماني فلم يعبر ، فضحك الوزير ضحكة وهو يقدم إليه سيجارة ويتناول الورقات من يده ، ثم نظر فيها نظرة وقال وما يزال يبتسم له : ولكنها مطالب عدة ، فهل يرضيك أن أجيب منها خمسين من مائة .

وبدت أمارات الرضا صريحة على وجه " التائب المحترم " وقال وهو يتهيأ للنهوض : " شكرا ، ذاك املي في مروءتك ؟ "

وصدقه الوزير ما وعد وأجاب له خمسين من مائة ولم ينظر في مطلب واحد من مطالبه المائة !

ومضت اسابيع وعاد  النائب المحترم  يسعي : ماذا صنعت لي يا معالي الوزير ؟ "

وأجاب الوزير وهو يضحك ضحكته ويقدم إليه السيجارة : " لقد أنجزت ما وعدتك

" ولكنك لم تنقل فلانة إلي مستوصف القرية ؟

- " وأجبتك إلي ما طلبت فلم أنقل فلانة الأخرى من مستوصف القرية ! " .

وكرر النائب عبارته المأثورة : " شكرا ، ذاك أملي في مروءتك " .

ولقيه " الناخب المنتظر " بالباب يسأله وفي عينيه القلق : " ماذا صنعت لي ؟

واجابه النائب المحترم ؟ وفي عينيه الحيرة : " صبرك ، لقد اجابني الوزير إلي نصف ما طلبت ولا بد ان يجيب لي ما بقى" .

وقال الرجل الذي كان يجالسه في قاعة الانتظار ، يهمس لنفسه : هذا نائب جدير بثقة ناخبيه ؛ أما " نائبنا ؟ الذي يعد ويخلف

حضرت طرفا من هذا الحوار بين النائب ونفسه ، وبينه وبين ناخبيه ، وبينه وبين الوزير ؟ وسمعت ما يهمس به آلاف  الناخبين " في قاعات الانتظار بمكاتب الوزراء ، وما يتندرون بحكايته في مجالس السمر ، فسألت نفسي سؤالا لم أظفر بجوابه بعد .

. ولم أزل مع ذلك اقرأ في كل أسبوع العبارة الآتية في صحيفة من الصحف :

" معالي الوزير يكرر الرجاء لزائريه ان يراعوا المواعيد المحددة لمقابلاته . . . ويعتذر من عدم استطاعته مقابلة أحد منهم في غير هذه المواعيد " .

لماذا هذا ؟

أجاب سكرتير الوزير " ليخلو الوزير لعمله فلا يشغله عن واجبه هؤلاء الزائرون " .

وأحلب نائب : " ليؤذن الوزير الناس باليوم الذي يحتشدون لي فيه بالباب ويأخذون علي كل سبيل فلا أخفض إلي عمل ولا أخلد إلي راحة ! " .

وقال ناخب ليهيء الوزير لكل نائب أن يتواري عن ناخبيبه في اليوم المحدود للمقابلة وبمثل في سائر أيام الأسبوع : "

وقالت لي نفسي  ولكن اللبيب من أنهم نفسه

سفراء العلم

قلت لصديقي فلان وأنا أودعه في سفرته البعيدة إلي حيث يؤدي واجبه العلمي في القطر الشقيق :

كن مصريا هناك كما ينبغي أن يكون المصري ، لست أنت اليوم فلانا الذي أعرفه بمحاسنه وعيوبه ، ولكنك هناك عنوان بلادك ؛ سيقول أبناء عمومتنا هناك حين يستقبلونك : هذا رجل من مصر ! وسيبقى هذا أسمك ما دمت فيهم " رجل من مصر " فانظر ما تريد ان يكون عليه " رجل من مصر " في بلد لعل اهله لا يعرفون عن مصر على صلة الجوار ولحمة النسب ووشائج الغربى إلا ما عرفوا عن فلان الذي كان هناك فعاد وما له محمدة تذكر ولا مأثرة تشكر !

إنهم ليتحدثون عنا كثيرا يا صديقي منذ بدأت بعثاتنا العلمية إلي بلادهم ، وكانوا من قبل يقرءون عنا كثيرا . وكانوا يؤمنون بمصر إيمانا لم يلبثوا أن كفروا به ، فهل تراك مستطيعا بجهادك ودابك ودقة مسلكك أن تردهم إلى الإيمان بالأخوة المقدسة بيننا وبينهم ، وان تحملهم على تقدير رجل من مصر "

هكذا قلت لصديقي وإن القطار ليوشك أن يمضي به إلي حيث لا أهل ولا زوج ولا ولد ، وليس إلا هو وعمله

وقرأت الحيرة في عيني صديقي وعض على شفته . وكأنما اذكر له  شيئا لا يعبر عنه لسان ، فزوي ما بين عينيه قليلا وصمت ، ثم صوب إلي نظرته وهم ان يجيب حين صفر القطار وازدحم المودعون على النافذة .

وجاءتني منه أمس الرسالة التالية

" . . وحدثتني يوم سفري ، فهل كنت تعرف من وراء الغيب ما أنا فيه الساعة ؟ لا يذهبن بك الفكر مذاهبه ، فإنما انا صحيح معافي ، وكل ما حولي جميل رائع ، وكنت خليقا بأن أكون سعيدا بما حولي لولا أن أذكر حديثك فأشعر بما على من تبعات لا قبل لي بها :

اتعرف ما يتهامسون به هنا عنا نحن المصريين ؟ لشد ما يؤلمني أن أقص عليك ، ومع ذلك فإن لهم عذرا مما يظنون بنا ، وليس لنا ان نلوم إلا انفسنا ؛ هذه الدار المتداعية كان يسكنها فلان المصري ، وهذا المطعم الرخيص كان يتناول فيه طعامه ، وفي هذا المشرب العامي كان سامره ، ولم يكن مع ذلك يملك في خزانة كتبه كتابا واحدا يصحبه في رحلته وكان كل علمه إعارة . . وفلان هذا قد لا تعرفه أنت وربما لم تسمع باسمه من قبل ، ولكنه هنا كان " رجلا من مصر " كما تريد أن تسميه ؛ على أنه لم يكن وحده على ما وصفت لك ، فقد كانت هذه صفة كل " رجل من مصر " هبط هذه البلاد ، وأخشى أن تصير هذه أيضا صفتي فيما يتهامس به الناس . .

" لا تستبق الحكم ، فما تغير خلقي عما تعهد ، ولكن من أين لي

" لقد شهدت في الأسبوع الأول من الحفاوة والتكريم ما لم يكن لي في ظن ولا توهم ، وما تزال دعوات الداعين تسعى إلي ، ولكن أذني قد بدأت تتفتح لهمسات الناس ، وما اريد ان يقال عني ما قيل عن سلفي لابد أن ألبى هذه الدعوات جميعا ، وان يكون جوابها أحسن

منها - أفهمت أم لم تفهم بعد ؟ . اتراهم على حق حين يسموننا " مرتزقه " أم اين اجد الوسيلة ؟ لي عذر اعرفه وتعرفه ؛ فمن أين لهؤلاء الإخوان أن يعرفوه ، ومن أين لحكومتنا ؟ . وهل تري الحكومة تستمع لشكواي إن شكوت إلا حسبتني كما يحسبونني " مرتزقا " يلتمس أسبابه ؟

ذلك بعض شأني اليوم وما أفكر فيه ، ولعلك كنت تطمع أن تسمع منى حديثا غيره في أول رسالة إليك بعد سفري ؛ ولكني اذكر حديثك الساعة وما أوصيتني به واذكر معه انك لم تحدثني هذا الحديث ولم توصني هذه الوصية إلا وفي نفسك أثر مما كنا نسمع معا عن سيرة اخواننا الذين سبقوني إلي هذه البلاد وعادوا ، أثر مما كنت تنكر من طباعهم وأنكر فاليوم أعرف بالتجربة القاسية ما كان عذرهم وأرثي لهم . وارثي لنفسي ؟ فمعذرة إليك  "

هذه رسالة صديقي كما بلغتني ، فياليتني أملك أن اقول وان أفعل ، ولكن صديقي لم يدع لي بعده ما أقوله فلتكن رسالته المنشودة معذرته وليس ما يعنيني منها هو شأن صديقي الذي أحرص عليه ؛ ولكن الذي يعنني هو شأن " رجل من مصر " جعلته الحكومة عنوانا لبلاده تتقطع به الأسباب ؛ ومصر في أول الطريق إلي التعاون الثقافي بينها وبين شقيقاتها ، فأين تريد ان تبلغ إن لم تتوفر لمبعوثيها في تلك البلاد أسباب الكرامة ، والمال عصب الكرامة

إن لمصر في كل بلد ممثلا سياسيا واحدا ، وإنها لتهيء له كثيرا من اسباب الرفاهية والجاه فهل يغني ذلك غناء وممثلوها الثقافيون وهم أقرب إلي الناس ، وأصدق شهادة في محكمة الرأي العام - لا يجدون سببا ولا وسيلة ؟

ليس هنا موظف ووظيفة ، ولكن هنا سمعة مصر التي تحرص عليها ويهون أن تبذل لها ما لا يهون ؛ أو ترجيء كل ذلك إلي أوانه

اشترك في نشرتنا البريدية