هذا رأيى وعلى تبعته وحدي ، فمن سره فهو لي صديق ، ومن ساءه فليس أحب إلى من أن يحلو لي رأيه ويعرض برهانه ؛ لتصحيح رأي ، أو تعديل فكرة ، أو تحقيق خبر . وإن من الفضيلة ألا نثبت على الرأي إلا بمقدار ما نؤمن به . .
الأدب والسياسة :
في العدد ٩١٧ من المصور :
" المحاكم اليوم لا تسمع مرافعات طويلة ؛ بسبب قلة القضاة ، وكثرة القضايا ، وضيق الوقت . .
" البرلمان اليوم لا يسمع خطبا طويلة ؛ بسبب ضيق الوقت ، وضرورة التصديق على الميزانية . . "
" الاجتماعات اليوم ممنوعة بمقتضي الأحكام العرفية
" هذه هي الحرب ، وهذه هي الظروف وضروراتها ؛ وسيترتب على هذا وذاك حتما ، أن اللسان الفصيح لن يجد إلي أمد بعيد المجال أمامه للجولان والصولان والتدفق في البيان . .
قلت : هذا لون من المؤثرات السياسية في أدب الجيل ، وإن للحرب والسياسة لأثرا عميقا في الأدب ، وإنه ليتناوله في " الكيف " والقيمة أكثر مما يتناوله في " الكم " قلة وكثرة . على أن ثمة مؤثرات أخرى " إيجابية لعلها أبقى أثرا وأبعد غاية من هذه المؤثرات " السلبية " . .
. هذه " التعبيرات الجديدة " التي تجري على ألسنة المتحدثين من رجال الحرب والسياسة ، فتخفي وتوهم أنها تعلن ، وتنفي حيث تظن أنها تثبت ، وتقر وأنت تحسبها تنكر . .
وهذه " الأساليب الجديدة " التي تكتب بها
الصحف والمجلات ، فتطوي لتنشر وتصرح لتكني ، وتستفهم لتفهم . .
هذه التعبيرات وهذه الأساليب هي أثر من آثار هذه الحرب في أدب الأدباء وحديث الخطباء وكلام المتكلمين ؛ وأحسب لو أن باحثا مدققا تتبع هذه التعبيرات والأساليب في الصحف والمجلات ومنشورات الدعاية وأفواه القواد والساسة ، لخرج من بحثه بمعجم أدبي حافل يضيف فضلا كبيرا إلي كتاب أدب الحرب "
هذا أثر السياسة والحرب في " البيان الناطق بيان الخطيب والزعيم والقائد والمحامي والنائب ، فأين يبلغ هذا الأثر في " البيان الصامت ، بيان الكاتب والمؤلف والصحفي ؟
هذه جرائدنا ومجلاتنا ، ماذا كانت وكيف صارت ؟
ماذا تقرأ اليوم في جريدة مثل " الاهرام " وكانت كتابا فعادت ورقة ؟
وكم تخرج المطبعة العربية اليوم في مصر من كتب وكانت مطبوعاتها ذائعة في المشرق والغرب
ومن أين للقارئ العربي اليوم ما يدفعه ثمنا للكتاب وهو يفكر في ثمن الرغيف ؟
وهل قرأت ما كتب ناجي والصاوي عن الباعة الذين يدورون بدكاكين الجزارين والبقالين يبيعونهم ما يقع لهم من كتب العلم والأدب والحكمة ليتخذوا منها " قراطيس للحم والعظم ، أو للعدس والفول والسردين " بعد ماكسدت للأدب سوق وراجت للورق سوق :
ولكن ذلك كله ليس هو " كل " أثر الحرب والسياسة في ادب الجيل وأدباء الجيل ؛ إن كلمات على شفتي تختلج ، وإن حديثا على لساني يجمجم ولا يبين ، وإن خواطر تصطرع في رأسي وفي وجداني . . إن هنا ، على شفتي ولساني وفي رأسي ووجداني ، أثرا من آثار
الحرب والسياسة في الأدب والفكر والبيان ، بل إن هنا " كل " آثار الحرب والسياسة في الأدب والفكر والبيان
في سبيل السلام !
في سبيل السلام نشبت الحرب بين توفيق الحكيم والعقاد ، ونال رشاشها طه حسين و الأديب الفلاح " زكي مبارك
هل كان توفيق الحكيم يقدر يوم نشر كلمته الأولى يدعو الأدباء إلى السلام والمحبة أنه يبذر بذور معركة يناله منها ما يناله وينال أصدقائه ما ينالهم ، ويقول فيها الطالب الفتى لأستاذه الشيخ ما يقول ويستمع ما يستمع ؟ . . ولكن المعركة قد نشبت وإنها لتوشك أن تحتدم
وقلت لتوفيق الحكيم وقد لقيته ذات مساء بعقب دعوته الاولى وكان يتحدث في موضوعها : يا صديقي إنك لتفترض وهما وتدعو إلي محال ؛ فليس بين أدبائنا خصام ولكنك لا تستطيع أن يجمعهم على سلام ! . وخيل إلي أنني قد أبلغت وبلغت ، ولكن توفيق مضى في دعوته إلي السلام والمحبة لينشيء معركة ويؤرث نارا !
وبين الكتابة والتصريح والإيماء والإشارة ، بدرت إلي ذهن القارئ مما كتب الأدباء الثلاثة في هذه المعركة معان لعل أحدا منهم لم يقصد أن ينال بها صديقه ، ولكنها تناولتهم في ذهن القارئ من قريب أو من بعيد .
في الأدب وفي السياسة ما تزال مجرى على أسلوب واحد في جدال خصومنا في الرأي ، هو أسلوب التأويل ثم " الاستنباط " ، ثم " الحكم " !
ليت شعري أذلك من المؤثرات السياسية في أدباء الجيل ، أم هي طبيعة الجيل تؤثر أثرها في أدبائه وساسته على قدر سواء ؟
عبث
للعقاد في ابن الرومي رأي مشهور ذائع يحلو له أن
يؤكده كلما سنحت له الفرصة ، وقد سنحت له فرصة في حديث نشره في الرسالة منذ أسابيع ، فبرز له فتي يعارضه ويسأله تطبيق رأيه في بيتين نسبهما الفتى إلى ابن الرومي وطلب إليه أن يدله على موضع الجمال فيهما ؛ ولم يحجم العقاد ولم يجمجم ، ولكنه لم يقطع برأي في نسبة البيتين إلى شاعره ؛ وليس في الدنيا كلها أديب يزعم أن له الحق في أن ينفي شعرا عن شاعر لأنه لم يقرأه فيما قرأ من شعره :
وكان في جواب العقاد الشفاء لو أن سائله كان يستشفى ؛ ولكن الفتى لم يكن مستشفيا بطب لدائه ، ولا متعلما ينشد المعرفة ؛ ولكنه كان عابثا يلهو ؛ فكتب في " الصباح " يقول : لقد أوقعت العقاد ؛ فإنما هذان البيتان من نظمي محلتهما ابن الروي لأمتحن العقاد واختبر فطنته وذكاءه . . ثم كتب في الرسالة مثل ذلك تعقيبا على جواب العقاد
ماذا نسمي هذا العبث الأخرق ؟ وأين مرده من الأخلاق والصفات النفسية ؟ لأنه يميل إلى غير رأي العقاد في مذهب من مذاهب الأدب يجترح هذه السيئة ؟ . فأين الإيمان بالأدب إن كان هذا الفتى يعد له نفسه ويأمل له غدا ؟ . .
. أم هو أسلوب من " السياسة " كذلك يؤثر تأثيره في الأدب ؟
صاحب الدين وصاحب الأدب :
في الكلمة البليغة التي نشرها الزيات بالعد ٤٦٢ من الرسالة تنويها بكتاب " عبقرية محمد " للعقاد - عرض فيما عرض للمؤلفين الذين سبقوا العقاد في الكتابة عن محمد ( صلى الله عليه وسلم )، فقال :
" . صاحب الدين موافق ، وصاحب الدنيا منافق ، وصاحب الأدب خداع ، وصاحب الهوى متعصب "
وهو كلام - كما ترى - لا يسيغه المنطق بلا
مناقشة ؛ فلست أدري أيقصد الزيات بذلك حكما عاما على كل صاحب دين وصاحب دنيا وصاحب أدب وصاحب هوى ، أم هو حكم خاص يلف وينشر ويجمع ويفرق على مذهب أصحاب البديع " فلا يعني به إلا الذين سبقت إشارته إليهم ممن كتبوا عن محمد قبل العقاد .
ولكن الزيات أحصف رأيا وأعف ضميرا من أن يعني عموم هذا الحكم ، أو خصوصه على هذا الوجه ؛ فإنه ليعرف لأصحاب الدين ما يعرف من الرأي والعقل ، ويعرف لأصحاب الأدب ما يعرف من الإيمان وصدق العقيدة ؛ وإن له إلى ذلك لرأيا فيما كتب الكاتبون قبل عن محمد للدين والفن والأدب
لست أعني بذلك أن أنقض رأيه فيما كتب عن " عبقرية محمد " فلعله لم يعد الصواب والرأي العام فيما كتب عنه ، وإنه لكتاب جدير بالتنويه والإشادة وطيب الذكر ، وإن العقاد لحقيق أن يتبوأ به منزلا يجتمع إليه المتفرقون من أصحاب الدين والأدب والفكر والبيان
ولكن هذا الرأي المحكم الذي حكم به الزيات حكمه - وحكم الحق - على الكتاب ، كان كالاطار اللامع يأخذ بريقه العين عن تبين جمال الصورة التى يحتويها الاطار
أصحاب العمائم :
ويذكرني مقال الزيات عن صاحب الدين وصاحب الدنيا ، وعن الموافق والمنافق ، ما قرأت في بريد سوريا الأخير :
" تشكلت لجنة بمرسوم ، من مفتى الجمهورية ، ومدير الأوقاف العام ، وثلاثة من العلماء ؛ كما تشكلت لجان فرعية في المديريات من نائبي هؤلاء ، لدرس وتدقيق حالة من يحق له لبس العمامة البيضاء
وكانت العمامة زيا فعادت شارة ، وكانت ( عزيمة )
فصارت ( رخصة ) ، وما حد من ذلك ما دامت العمامة البيضاء قد آل أمرها إلى أن تكون سمة خاصة لطائفة من رجال الدين ، وما دامت طائفة من رجال الدين قد صار لها " حقوق شرعية " يستطيع أن يدعيها كل من لبس العمامة البيضاء .
وفي سوريا كما في مصر - وكل أخ يشبه أخاه - من ذوي العمائم البيضاء طوائف وطوائف ، ينكر بعضها بعضا ويدعي بعضها حق بعض ، على تفاوت بينها كما تتفاوت الثمرة والجمرة ، وقد كان اختلاف الحال والمقدار بين ذوي العمائم في مصر حافزا لجماعة من خير من لبس العمامة إلى خلعها والتبرؤ من ماضيها ، وتوشك أن تحتذيهم طائفة وطائفة ، حتى لا يبقى من لابسي العمائم في مصر إلا الذين لا يحق لهم أن يلبسوا العمائم
ليت شعري أأخطأت حكومة سوريا أم أصابت ؟ ولكني أدري أنها اجتهدت في الرأي لحل مشكلة اجتماعية ذات خطر ؛ وما على المجتهد من بأس فيها يخطيء أو يصيب .

