هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي . . ما لم تنشره الصحف والمجلات النفاق الصامت ؟ الأدب الرمزي - الأدباء العشرة ، من رسائل القراء
ما لهم تنشره الصحف والمجلات :
ماذا قرأت في الصحف والمجلات في هذا الأسبوع ؟ هذه بضع عشرة مجلة ، وبعض عشرة جريدة ، تتحدث حديث كتابها عن الحرب ، والسياسة ، والمال ، والأدب ، والاجتماع ؛ ولكني لا اكاد احس في نفسي أنني قرأت شيئا أو أفدت جديدا ، إن ريح الدم ، وغبار الهدم ، ودخان البارود ، وعجاجة المعركة - تباعد بيني وبين ما اقرا ، فلا يقدح خاطرا في فكري ، ولا يثير عاطفة في نفسي ، ولا ينبه عافية في وجداني .
ليت شعري لذلك كل ما هناك من حديث الحرب ، والسياسة ، والمال ، والأدب ، والاجتماع ، في هذا الأسبوع ، أم أنني لم أقرأ كل ما هناك ؟ .
نعم ، وما على الكاتب من بأس فيما أخفى وأعلن ، وفيما صرح واضمر ، وفيما سفر وقنع ؛ فان الحزين ليفر من أحزانه القاهرة في الابتسامة العابسة وفي الضحكة البائسة ، ويبقي حزن الحزين وإن لم تعبر عنه الابتسامات والضحكات !
ولكن ، ماذا أنا قائل اليوم ؟ ألا ما أجزي أن يكون تعليقي اليوم على ما لم تنشره الصحف والمجلات ، فان فيه مجالا للنقد والتوجيه والفكاهة أكثر مما نشرته الصحف والمجلات !
النفاق الصامت
وإن للنفاق ألوانا ؛ فمنه الدمعة البارقة والابتسامة الخالية ، ومنه الكلمة تقال لمعنى وتصيب معنى ، ومنه الصمت .
وكما يكون " كتمان الشهادة " في الشرع لونا من " شهادة الزور " فكذلك يكون " كتمان الرأي " ، وإنه لأخطر ألوان النفاق !
وإن " للزفت " تحت عين الشمس الباصرة لبريقا يوهم البياض وإنه لأسود ؛ فهذا " نفاق النور " !
وإن الطامئ في بيداء التيه ليترقرق له من أحلامه نهر يجري وإنه السراب ؛ فهذا " نفاق النظر " !
وإن الصديق ليقول لصديقه ما يعرف ويستمع إليه وما به أن يعرف ؛ فهذا " نفاق الحب "
وإن الفتي العف ليغلبه " الحب " على إرادته ، فيسهره ويضنيه ، ويخيل له في احلامه ، ويمد له في أوهامه ، فليس الحب عنده إلا روحا لروح ، وقلبا يخفق لقلب ، وجسما من النور يعانق جسما من النور ؛ وهذا " نفاق الغريزة " !
فهل ترانا نحيا حياتنا من كل أولئك إلا في ألوان من النفاق ؟ . . بلي ، ولكن أخطر ألوانه هو الصمت وكتمان الرأي ؛ إنه يشبه الحفرة في طريق السائر العجلان يغطيها العشب ؛ إنها ليست حفرة ولكنها شرك ! أيها السائر العجلان تحسس موضع خطاك !
الأدب الرمزي
وحكي علماء الأدب أن " المثل " وأخوانه من الحكاة والأقصوصة والقصة والرواية والتمثيل - انها تزدهر وتتنوع في اداب الامم حين تكون هذه الامم من ظروفها السياسية بحيث لا تملك حرية الفكر ولا حرية
التعبير ؛ لأن المثل والحكاية - بأحد معنيهما هما لون من الرمز والإيماء والتعريض إلي الحقيقة التي لا يجعل - أو لا يمكن - التصريح بها :
فهل تكون الرمزية في الأدب - على هذا الاعتبار - لونا من ألوان النفاق في الأدب ؟
أقول هذا وتحت عيني فصول مكتوبة لم أقرأ مثلها لكتابها قبل اليوم ، ولا اعرفها من مذهبهم في الادب ولا إلي مذهبها قصدوا !
وهل قرأت كلمات الدكتور زكي مبارك عن " الينبوع " المعدني الصافي الذي حاول " بعض الناس " أن يطمروه في الرمال ويسدوه بأكياس " الأسمنت " في ظلام الليل ، فأبي عليهم أن ينالوا منه ، وما زال إلى اليوم يتدفق ويجري
وعن " المنافق الجميل " الذي يشبه شجرة الصفصاف ، وعن " الخطاب الذي احترق بسعير الانفاس " .
إن التنبيه إلي هذا اللون في إنشائنا الحديث يوضح بعض الفكر الغامضة في بعض ما يمر تحت عين القارئ في هذه الأيام في بعض الصحف والمجلات .
الأدباء العشرة
ولقيت الأستاذ توفيق الحكيم - وما لقيته منذ بعيد - فضحك وقال : اتراك تقصد إلي أن تورطني في معركة جديدة ؟ قلت : ماذا تعني قال : هذه المسابقة التي تريد أن أكون من
أعضاء " هيئة الحكم " فيها ؛ قلت : ولكنك أنت الذي أراد ؟ الم تقل في بعض حديثك " نحن العشرة " فسبقت الحكم والمحكمة وفرضت نفسك عضوا في " هيئة الحكم " ؟
وعاد توفيق الحكيم يضحك ، وقال : " نحن العشرة ! ياخبر ! الا تريد ان تنسى هذه الكلمة بعدا ومع ذلك فانا لم اقصد تحديد العدد ؟ إنه عدد لا مفهوم له كما يقول الفقهاء ، إنما قصدت ان الأدباء " الذين ينتجون بانتظام ، لا يزيدون على العشرة ؛ وليس حتما أن يكون هؤلاء " الذين ينتجون بانتظام " هم خيرة أدباء مصر !
قلت : فمن هنا ذكرت نفسك فيهم ، كأنما تريد أن تذكر من ينسي ان لك بضعة وعشرين كتابا في السوق يتتابع حديث القراء عنها ، لا يكادون يفرغون من كتاب حتي تخرج لهم بكتاب ؟
قال : أتعبني هذا . . ؟ وسكت ؛ قلت : بل إنني لا أعنيه ، ولكني أريد أن أعرف : لماذا تأبي أن تكون عضوا في " هيئة الحكم " لاختبار " أدبائنا العشرة " ودع عنك كل ما قلت ؟
قال : إنك يا صاحبي لم تحسن توجيه سؤالك إلي القراء ؛ فليس القارئ هو الذي يملك الحكم " الفني العادل على الأدباء ؛ وإنما ذلك حكم الخاصة ! إن الاحتكام إلي الجماهير في تقدير قيم الأدباء من الناحية الفنية امر مشكوك فيه ، وما خلد الخالدون من اهل الفنون إلا في موازين الخاصة وأحكامهم ؛ وكان يجمل لو سألت قارئك : من هم الأدباء العشرة الأحب إليك ؟ فان ذلك أشبه باختصاص الجمهور من القراء ؛ إن من حق كل قارئ ان يحب وأن يكره ، ولكن ليس إليه حكم التاريخ
قلت : اتفقنا يا صديقي ؛ فما قصدت أن أطلب إلي القارئ حكم التاريخ ، ولكن حكمه هو وهواء .
قال . ولكننا لم نتفق بعد ؟ فما أريد أن اشترك في قضية قد تجر على عداوات جديدة ، وقد عاهدت نفسى والناس على الصمت عن اشخاص الأدباء مهما يحدث من امر ،
وأوي توفيق الحكيم إلي " برجه " وخلفني انتظر حكم القارئ وحدي
من رسائل القراء
بدأت رسائل القراء ترد إلي بجواب الاستفتاء ، ولست أريد أن أستبق الحكم ولكن كانت تستحق التنوية في بعض الرسائل بدا لي أن أقدمها للقراء :
١ - ففي رسالة " محمود محمد حسن : البلينا " : " . . تتنجي علي الأستاذ الحكيم لأنه قرر أن رجال الأدب الحق في مصر عشرة ، وهذا القول الذي أراك تستنكره قد سبقه إليه الأستاذ الزيات في إحدي مقالاته الافتتاحية من مجلة الرسالة .
" وهو يعني بالطبع شيوخ الأدب الذين رسخت طريقتهم ومكانتهم في نفوس قرائهم ، والذين سلخوا في خدمتهم للأدب حوالى ربع قرن يميزهم الأسلوب ، والذين يقاس النبوغ وتنسب القيم في الأدب إليهم . . ويثبت أدبهم على النقد ومر الزمن
" . . ما رأيك - لاقدر الله لو أن مصر فقدت هؤلاء الأدباء العشرة ) المذكورين ( ، فهل تظل النهضة نهضة ويبقي الأدب أدبا ؟ "
٢ - ومن رسالة " أحمد الشرباصي : المجلات : " إن الحركة الأدبية في مصر الحديثة لا يقدم زادها عشرة نفر فحسب ، بل هناك عشرات وعشرات يعملون في مختلف الميادين ، ويجاهدون بكتبهم ومقالاتهم ومحاضراتهم لاشعال تلك الجذوة الروحية الفكرية التي جعلت مصر بحق زعيمة للآمم العربية جمعاء ؛ ولذلك يعسر على الإنسان ان يختار عشرة اسماء ولكننا حين نميل إلي جهة التفضيل والتقديم من حيث الدئوب على الانتاج ومواصلة الكتابة والتأليف يستطيع المرء ان يذكر عشرة اسماء العشرة ادباء معاصرين مشهورين . .
" على أنه من حقك أن تسأل الأستاذ توفيق الحكيم قبل ان تسأل القراء عن هؤلاء الأدباء العشرة البارزين الدائرين على الانتاج ، فإنه صاحب هذه الدعوة الجريئة . . وإن كنا نعلم ان هذا العمل سيجر عليه من المتاعب اثقالا فوق أثقاله التي يصرخ منها : "
٣ - ومن رسالة " الآنسة ف شاكر : الزمالك " . لقد ظننت أن كلام الأستاذ توفيق جد لا مزاح فيه ، فاستفتيت قراءك ، وكان يلزم ان تستفتيه هو لتعرف أن كلامه لم يكن مقصودا على هذا الوجه ، لأنك لو سألته لظهر لك بوضوح انه لا يعرف من هم التسعة الآخرون من الأدباء ، لأنه لا يعرف إلا واحدا فقط من العشرة ، هو توفيق الحكيم ! واظن انه لم يقصد بقوله " نحن العشرة " إلا تثبيت هذا المعنى والتنويه بشخصه ، وهو مذكور في ذلك ، لان كل المقصود من مقالته في الرسالة - كما هو مفهوم واضح - هو البحث عن " الواحة المورقة في صحراء حياته المحرقة ، والزوجة الصالحة التي تنجب له الأولاد البررة المفلحين . . وإرضاء لرغبته هذه ليس عندي مانع من ان يكون أدباء مصر البارزون الدائبون على الانتاج هم أحد عشر لا عشرة . . . .

