هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي . .
أهداف الصحافة المصرية :
هل كنت مبالغا يوم كتبت في هذا الباب منذ بضعة أشهر أقول إنه ليس في مصر " صحيفة مصرية " واحدة - على كثرة ما يصدر بها من الصحف والمجلات - لأنه ليس في مصر كلها صحيفة مصرية واحدة لها هدف تسعى إليه وغاية تتنورها على بعد ؟
أما إني كنت مؤمنا بما أقول ، وإن الحوادث لتزيدني كل يوم إيمانا به , فمصر الحقيقية لا تزال علي بعد بعيد من تلك الصورة الخيالية التي تتراءي للقارئ البعيد من خلال ما يقرأ في الصحف المصرية ، ولا يزال رأي " السادة " من محرري هذه الصحف على بعد ابعد من رأي الشعب ، ولا يزال " الهدف " الذي يتنوره كل صحفى في مصر أبعد من البعد عما يأمله المصري لبلاده ، بل عما يأمله ذلك الصحفي نفسه ؛ لأنه " هدف " غير منظور ولا محدود المعالم ، كما يقذف الساري في ظلام الليل حجراً على مد ذراعه : لا يدري أين يصيب ويزعم انه يرمى إلي هدف
سألت مرة صديقا من محرري بعض المجلات الأسبوعية وقد قرأت له بحثا طريفا مصورا سماه " النساء في خدمة الدولة " أو كما سمى - سألته : ماذا تعني بهذا البحث وإلي أي غاية تهدف ؟ فوجم لحظة ، ثم استضحك وهو يقول : إنه بحث بلذ قارئه ! .. فهذا هدفه فيما زعم وإن لم يقصد إليه قبل الرماية ! أو أمل هدفه العام أن يكون هو " اللذة " : لذتة أو لذة قارئه ، وإنه لهدف كبير يرمى إليه كثير من كتاب الصحف المصرية ! !
على أنني لست وحدي الذي أزعم أن الصحف المصرية جمعاء ليس لها هدف تسعى إليه أو غاية تنشدها ، فلعل ذلك الاستفتاء الذي توجهت به جريدة " البورص " إلي أعلام الصحافة المصرية " كما تسميهم ، تسأل كلا منهم أن يحدد لها الهدف الذي تعمل له صحيفته - لعل ذلك الاستفتاء ان يكون تعبيرا عن شعور محرر جريدة البورص بأن الصحافة المصرية ليس لها هدف ؛ أو لعله أراد أن يؤكد هذا الشعور بما ينشر من أجوبة مجيبينه ، ليعرف من لم يعرف بعد ويتأيد الدليل بالاعتراف . .
وأجابه سبعة من " أعلام الصحافة المصرية " فماذا أجابوا ؟
قال محرر المصري
إن هذه الحرب قد غيرت الأوضاع والنظريات السياسية ، ولمصر من ذلك حق تدعو إليه ؛ وإن رءوس الأموال المصرية ينبغي أن تثمر فيما يعود بالنفع على مصر ، فلا نشيل كفتها الاقتصادية في ميزان الأجانب ) وإن الوطنية المصرية لا تعرف التعصب الذي ينال من مصالح وحقوق الأجانب ، ما دام هؤلاء الأجانب يعرفون لمصر حقها ، ويحفظون الكرامة لبنيها
السياسة ، والاقتصاد ، وحقوق الأجانب . ثم ماذا ؟ لا شئ
وقال محرر الأهرام
يجب على الصحافة أن تعد مصر لتقوم في هذا الشرق العربي بالدور الذي يؤهلها له ماضيها المجيد ونهضتها الحديثة ، وأن تعنى باستغلال ثروتها الطبيعية لتحتفظ بتكافؤ الميزان التجاري . . وأن تشجع الصناعات الصغيرة وتتخذ الأهبة لتذدهر الصناعات الكبيرة في غد . وان يرتفع مستوي الفلاح من حيث الصحة والثقافة والكفاية المادية .
قيادة الشرق العربي ، تنمية الثروة ، ترقية الفلاح . ثم ماذا ؟ لا شئ كذلك !
وقال محرر المقطم :
على مصر أن تمسك بيد شقيقاتها اللاتي لا زلن في الطريق نحو الاستقلال . ثم ماذا ؟ . . ثم قال سببه : وعلي ان اذيع مظالم العمال والموظفين المنسبين لأنفس عنهم بعض ما يجدون .
قيادة الشرق العربي ، ثم التنفيس عن العمال والموظفين بإذاعة اسباب الشكوي . ثم ماذا ؟ لا شئ ، فإن مصر لا تستطيع القيام بتنفيذ مشروع مثل مشروع بيفردج
وقال محرر البلاغ :
يجب أن تتحقق رغبات الشعوب العربية في التماسك والإئتلاف على شكل من اشكال التعاون الحديث في نطاق الثقافة والاقتصاد والسياسة ، . . وان تطمئن على ما يعنيها من منابع النيل العليا في اثيوبيا ، وما يمس سلامتها من ناحية الصحراء الغربية
تعاون الشعوب العربية ، ثم الاطمئنان على النيل والصحراء . ثم ماذا ؟ . .
وقال محرر آخر ساعة
إنه يري تحرير مصر من سيطرة الآراء العتيقة ، والعناية بتغذية الفلاح ولو يحل الأوقاف كلها ! ثم ماذا
وقال محرر المصور :
" إن الصحافة التي بغير هدف صحافة استغلالية بحتة ، تربح مؤقتا وتموت في النهاية " أما هذا الهدف الذي يسعي إليه فخلاصته : أن تضمن الدول حياد مصر على غرار الحياد السويسري ، والدعوة إلي تكوين " اتحاد إفريقي " أو " اتحاد عربي " أو " اتحاد شرقى " يجعل من مصر وجاراتها في الأزمات دولة واحدة ، ثم استقلال مصر الاقتصادي في الصناعات الأساسية ، وإعداد جيش مصري ؛ وهو لا يؤمن كل الإيمان بالنظام البرلماني لأنه نظام سلحفائى . . ثم ماذا ؟ وماذا ؟
وقال محرر الاثنين : الدعاية لحياة ديموقراطية ، ومحاربة الرجعية والتقاليد
والتعصب الديني ، وتجديد الأزهر ؛ ثم
ثم الدعوة إلي تحرير المرأة ) قلبيا ( فلا يزال الحب في مصر جريمة يعاقب عليها المجتمع " ؛ ثم ؟
ثم مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية ، وفي الوظائف العامة ، وفي المواريث !
ثم " تمصير " الأجانب أو يعودون من حيث أتوا . والموازنة بين طبقات الأمة ، ومحاربة الفساد في الإدارة الحكومية ، والدعوة إلي إنشاء اتحاد شرقى ، لا إسلامي ، على نظام الولايات المتحدة الأمريكية ، وتطهير المجال السياسي من محترفي السياسة ، وتطهير الصحافة من الصحف التي تعيش على الإعانات الحكومية
ثم ماذا ؟ .. وماذا بعد هذا ؟ .
وأنظر في هذه الآراء المختلفة ، أو المؤتلفة ، ثم أنظر في الصحف التي يحررها هؤلاء السادة " الأعلام " ، فلا تتميز صورة من صورة .
دع عنك ما قال محررو المصري ، والأهرام ، والمقطم ، والبلاغ ؛ فما أحسبهم وصفوا غير الهدف الذي يعملون له وتنطق به جرائدهم ، ولكن ذلك ليس هو كل الهدف الذي ينبغي أن يسعوا إليه ، فما تحدث متحدثهم إلا عن " جزئيات ( من الهدف " الكلى " الأعظم الذي ينبغي أن ينتظم عامة جهودهم . اتراهم حين قالوا ما قالوا كان يعبر كل منهم عن " أمنية " أم يحدد " هدفا ( وما ابعد الفرق بين الهدف والأمنية ! إنني لأتمني أن أكون وأن أكون ..، وقد أبلغ هذه الأمنية أو لا أبلغها ، ولكن ليس لهذه " الأمنية " كل نشاطي ومسعاي ، وليست هي كل الهدف الذي أعمل له . إن الهدف في الخدمات العامة معناه " البرنامج الكلى " الذي ينتهي إلي نهاية تتحقق بها " الأمنية العظمى " أو " الأمنية الأخيرة ؛ فما هو الهدف العام ، أو الأمنية الأخيرة التي ينتهي إليها
كل نشاط هؤلاء السادة فيما يعملون بجرائدهم ؟ هل أجابوا ؟ لست أدري ، ولعل هذا السؤال أن يحملهم منذ اليوم على أن يفكروا في الجواب ! .
وتلك المجلات الثلاث : آخر ساعة ، والمصور ، والاثنين : أين أهدافهم التي زعموا فيما يكتبون ؟
ماذا يكتب محرر آخر ساعة عن الفلاح ، وعن الأوقاف ؟ وما الآراء العتيقة التي يدعو إلي التحرر من سيطرتها ؟ اتراه يعني الآراء العتيقة في السياسة ، أم في الدين ، أم في الأدب ، أم في الاجتماع ؟ وأين آراؤه الجديدة في كل أولئك ، مما ينشر في مجلته ؟ وأين تؤدي هذه الآراء ؟ وما هي الصورة التى ينشد مثالها لمصر في غد : ما هي الصورة المثالية التي يريد ان يبنيها بعد ان يهدم ما يهدم ويأتي علي البنيان الباذخ من قواعده ؟ أتراه يتمثل في خياله صورة أم هو يرمى رمي الساري في ظلام الليل على مد ذراعه لا يدري أين يصيب ؟ . .
. ويؤكد محرر المصور " ان الصحافة التي بغير هدف صحافة استغلالية بحتة ، تربح مؤقتا وتموت في النهاية ! " وهو كلام جميل ، فأين تفسيره من قوله في بعض إجابته : " والصحف التي تخدم زبائنها إن لم تدع لهذا الرأي باقتناع شخصي وجب أن تدعو له بحكم الوفاء والولاء لهم . . أفتري " هدفه " الحق هو ما أجمل في جوابه من " اماني " يرجوها ، أم هو خدمة " زبائنه " بالدعوة إلي الرأي الذي يرونه هم وإن كان هو يكفر به ؟
وللقارئ أن يسأل : أين من هذه الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اجملها في إجابته ، ما نقرأ في المصور من احاديث " الملحوس " وما نشاهد فيه من صور العري الفاضح ، ومن أخبار الصالونات ، ومن مشاهدات السباق ؛ وبالاختصار : أين من تلك الأهداف ثلاثة أرباع ما نقرأ ونشاهد في المصور مما تتأذي منه النفس والنظر ؟ ولكن محرر المصور بضن بالجواب على سائله ؛ فلعل ثلاثة أرباع ما في المصور هو لخدمة " زبائن المصور "
لا عن اقتناع شخصي . . وذلك هدفه ! !
وتبلغ حماسة الشباب درجة الغليان بمحرر الاثنين ، حتى ليوشك ) الوعاء ( من فورة الحماسة ان يندلق ! وإنا لنظلم هذا المحرر الفني لو جعلناه في نسق مع كل أولئك السابقين من محرري الصحف و " أعلام الصحافة " وزعماء مثلهم بعمل في الصحافة بلا هدف , لقد حدد هدفه فيما أجاب أدق تحديد وأصدقه ؛ وإنه لينفذه بكل إخلاص فيما يكتب أو ينشر في مجلته ؛ ولكن .. ماذا نكون هذه الأمة في غد لو أن هذا الفتى المتقحم قد بلغ الهدف الذي أراد ، فحطم التقاليد ، وقضي علي التعصب ، وحرر المرأة " فليبا " وأعطاها المقادة والرياسة وكفل لها ان تقول : " شريعتي في الميراث اعدل من شريعة الله ! " ، وان تنشب أظفارها في عنق أبيها لأنه عاب عليها أن نزل زلة أنثى لها في كل يوم حبيب تذرف الدمع على بعاده وتتوسل إليه أن يعود . ؟
ماذا تكون هذه الأمة لو تم لهذا الفتي ما أراد ؟
أفذاك هدفه الذي يسعي إليه ؟ . . نعم إنه ليسعي إلي غاية ، ولكن في قمر الهاوية !
ليت شعري أيدري الآلاف من قراء هذه المجلة أين يقودهم " هذا الفتي وإلي اي غاية ؟ وهل يدري آباؤهم وأمهاتهم . . ؟
ثم ماذا بعد كل أولئك ؟
لهذه الآراء المؤتلفة ، أو المختلفة ، هي أهداف الصحافة المصرية ؟ . . فلا هي من مصر ولا مصر منها إن كانت كذلك !
هل كنت مبالغا يوم زعمت أنه ليس في مصر صحيفة مصرية ، لأنه ليس في مصر صحيفة لها هدف ؟
أرجو أن يكذبني عدي !

