" هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي . ."
شهر زاد :
عدت أمس إلي " أحلام شهر زاد " أقرؤها ثانية ؛ إن شيئا ما يدعوني إليها وما يزال يدعوني منذ قرأتها لأول مرة ، كأن بيني وبينها سببا .أذلك لأنني أنا ايضا كان لي " شهر زاد " وكان لي أحلام ؟ . .
ولكن " شهر زادى " لم تكن تحدثني نائمة ، ولم أكن استمع إليها وأنا يقظان ؛ فقد كانت هي نفسها الحلم والرؤيا وحديث المني ، وكان بيننا الحجاب المضروب ، فلم تكن تخلص إلي إلا طيفا فى المنام أو خيالا في غفوة اليقظة ؛ فلما آن أن نلتقي بعد شتات وتجمعنا دار .
آه ! ماذا قلت ؟ . لست أريد أن أذكر ، لست أريد ؛ لقد كان ذاك هو الوهم ، وهو الحلم ، وهو الخيال ، فما ، التقينا قط ، ولا وقع شيء من ذلك على الحقيقة ألبتة وإن شبه لي ، وما زال الحجاب الذي كان مضروبا علينا بضع عشرة سنة - ما زال يحول بينى وبين أن أرى ، وما زال " النائم اليقظان " يعيش في الحلم الذي بدأ منذ بعيد ، لم يستيقظ منه بعد ولن يستيقظ حتى تدركه " النومة الكبرى " فهيهات أن يجد تعبير رؤياه ؟ . .
. ولكن ما هذا الذي كان في حياتي ثم انطوي ؟ أرأيت لو أن " حلما " يتجسد لذي عينين بشرا سويا فيعيش كما يعيش الناس حينا ثم يرتد إلي وادي الكرمى كما يتواري الشعاع أو يختفى الظل - لو ان شيئا من ذلك يمكن أن يكون مما يقع في حياة الناس ، لقلت إن هذا الذي كان في حياتى ثم انطوي لم يكن إلا " يقظة حلم "
ثم عاد كل شئ إلي طبيعته كأن لم يكن شئ ، وعادت الأمنية التي كانت ذات يوم حقيقة فاختبأت في أحلامى ، وما زال النائم اليقظان يعيش في الحلم الذي بدأ منذ بعيد . .
أذلك كل ما كان ؟ . . نعم ، ولكنني أنا أيضا كان لى " شهر زاد " - على الوهم أو على الحقيقة - وكان لي أحلام ؛ فإن نفسى لتنازعنى ان اعود إلي " أحلام شهر زاد " فأقرأ بعض ما كان من خبري يوم كنت وكانت " يقظة الحلم " ! . .
" من أنا ؟ . . أنا من تحب أن تري في أي ساعة من ساعات النهار ، وفي أي ساعة من ساعات الليل ،
" أنا أمك حين تحتاج إلي حنان الأم ، وأنا أختك حين تحتاج إلي مودة الأخت ، وأنا ابنتك حين تحتاج إلي بر البنت ، وأنا زوجك حين تحتاج إلي عطف الزوج ، وانا خليلتك حين تحتاج إلى مرح الخليلة ؛ انا كل هذا . . وماذا أريد ؟ . . أريد ما تريده الأم لابنها ، وما تريده الأخت لأخيها ، وما تريده البنت لأبيها ، وما تريده الزوج لزوجها الوفي ، وما تريده العشيقة لعشيقها الفتون . . "
هذا حديث شهر زاد في يقظتها وفي احلامها ، وإنها هي , أفكان راوية احلامها يترجم حديثها إلي صاحبها ، أم يترجم حديثا في نفسي ؟ . . إنى لأحس رنين هذا الحديث في واعيتى كأن سمعته قبل أن أقرأه ، أم تراها رسالة إلي من وراء الغيب تذكرني بعض ما كان يوم كنت في " يقظة الحلم " ؟ . . ولكنني لم أنس قط . .
ومضت بى الذكريات تنقلني من حديث إلي حديث وتنقل بى فى فنون وألوان من الحياة التي كنت احيا في " يقظة الحلم " ، في النومة الهانئة ، وفي اليقظة النشوي ، وفي الحلم اليقظان ، وعلى ضفاف البحيرة المسحورة ، وفي الزورق السابح في الضوء والعطر والنغم . . .
أذلك حديث شهر زاد وشهريار ، أم هو حديث كل شهر زاد وكل شهريار من الملوك أو من السوقة ، أم هو حديثي وحدي ؟ . .
ماذا نقرأ حين نقرأ ؟ وماذا نسمع من حديث الناس حين نستمع إلي حديث الناس ؟ . . أنحن نقرأ ما في انفسنا أم نقرأ ما في الصفحات المكتوبة ، ونسمع حين نسمع همس أمانينا وذكرياتنا أم حديث الناس ولغو الناس ؟ . . إني لأتهم عيني وسمعى ، فقد طالما كذبتنى عيناى وسمعى ؛ ألم يشبه لي ذات حين من العمر أنني كنت شيئا غير من أنا اليوم ، ثم عادت الأمنية التي خيل لي ذات يوم أنها حقيقة فاختبأت في أحلامى !
. . ولكن هذه بين يدي وتحت عيني صفحات مقروءة ، أم تراني أقرأ ما في نفسى؟ وما هو الأدب الرفيع إن لم يشبه لك حين تقرؤه أنك تقرأ ما في نفسك وتتحدث بما تنطوي عليه نفسك ؟
هذه " شهر زاد " كما صورها الدكتور طه حسين بك صورة من حياته ، وهذه هي كما رأيتها صورة من ذكرياتى ؛ فمن نكون " شهر زاد " وماذا تكون في نفس كاتبها وتحت عيني قارئها إن لم يكن في حياته أو في ذكرياته " شهر زاد " ؟
" من أنت ! ومن تكونين ؟ "
سؤال واحد سئلته شهر زاد : سألها إياه توفيق الحكيم ، وسألها إياه طه حسين ؛ وأجابت شهر زاد ، فكيف تأدي جوابها إلي نفس توفيق الحكيم وإلي نفس طه حسين ؟ . . أما أحدهما فزوج وأب ، وأما الآخر . . من يدري ما الآخر ؟ هنا " عقدة نفسية " غامضة يخيل إلي أن معناها يوشك أن ينكشف وإن أمر توفيق الحكيم على الغموض والإبهام !
ليس الذي بين يدي الساعة هو قصة شهر زاد وشهريار ، ولكنه فصل من نفس طه حسين الزوج والأب ؛ فمنذا يعرف قصة توفيق الحكيم من حديث شهر زاده ؟ . .
" من أنت ؟ ومن تكونين ؟ "
هذا سؤال كل رجل عن كل امرأة ؛ سؤال كل شهريار عن كل شهر زاد ؛ لا يختلف باختلاف سائله ، ولا تتغير صورته بتغير الأزمان ، ولكن ما جوابه ؟
آه ! هنا يختلف كل رجل عن كل رجل في التعبير عن شهر زاد ؛ وما يجيب كل رجل منهم إلا بما في نفسه من حاضره او من ذكرياته عن شهر زاد ، ما عرف منها وما ذاق وما جرب ، وما استمتع أو تبرم ، وما رضي أو سخط ؛ فأنت لا تعرف من جوابه شهر زاد ولكنك تعرفه هو ؛ أما هي . . أما هي فلم تزل تسمع السؤال إليها : " من انت ؟ ومن تكونين ؟ " فلا تجيب ولكنها تلهم شهريار الجواب !
أعبر عنها المجيب حين أجاب أم عبر عن نفسه ؟ وهل يعبر المعبر منهم عن نفسه إلا وهي قائمة في نفسه ؟
من أنت ! ومن تكونين ؟ "
سؤال قديم منذ الأزل ، سأله آدم حواءه ، ومن حق كل آدم ان يسأله حواءه إلى الأبد ؛ وتجيب حواء - أو شهر زاد - كل سائل بما تجيب أو تخفي عنه ؛ فهل يعرف كل منهم مما أجابته إلا الجانب الذي رأي ؟ . .
نعم ، وعبر توفيق الحكيم عما رأي وعبر طه حسين ؛ فهل عرف توفيق الحكيم شهر زاد كلها مما انكشف له عن معناها ؟ وهل عرف طه ؟
ليس الوجه أن يقال : هذا السؤال الذي سأله طه حسين شهر زاد قد سألها إياه من قبل توفيق الحكيم ، فإنه سوال البشرية كلها منذ كانت ، ولن يزال سؤال كل
رجل إلي آخر الدهر
. . ليس الوجه أن يقال ذلك ، ولكن أن يقال : ماذا كان جوابها لطه مما كان جوابها لتوفيق الحكيم ؟ فذلك هو الجديد وهو المأمول وهو الرأي . .
وبعد فأي هاتين الاثنتين في كتابي توفيق وطه هي شهر زاد ؟ وما هي ومن تكون إن كانت شهر زاد جنسا آخر غير ما في كتابي طه وتوفيق الحكيم ؟ . .
لا ، لا ؛ ليس هذا هو السؤال ، فليس إلي معرفة حقيقة شهر زاد من سبيل ؛ وستظل شهر زاد أبد الدهر سؤالا قائما بلا جواب ، لأنها بذلك هي شهر زاد ! . .
هاأنذا قد فرغت من " أحلام شهر زاد " وطويت دفتيها ؛ فما أراني قد عرفت بها شهر زاد وإني لأعرفها من قبل عرفاني لبعض ما في نفسي ولكني عرفت فصلا من حياة طه حسين ؛ فهل تكون شهر زاد الحكيم عنوانا لفصل غامض في تاريخ حياته ؟ . . .
لست أريد أن أتقحم علي حياة بعض الناس ، ولكن يخيل إلي أني عرفت شيئا كنت ألتمس أسبابه ؛ وهل حياة الأديب الحق إلا فنه !
. . ويسترسل بي التوهم شيئا بعد شئ حتى لأكاد - مما ظننت - أن أرنى لبعض أصدقائى !

