الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 228الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :

Share

هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي . .

ما بعد الحرب !

أين هذه الحرب من آخرها ؟ وأين نحن مما بعد الحرب ، ومما كان قبل الحرب ؟ . . ماذا كنا ؟ وأين صرنا ؟ وأيان تنتهي ؟ وأين . . ؟

هذه النار المندلعة ، وهذه المجاجة القائمة ، وهذا الوقود الآدمي المتضرم باللهب ، وهذا الحرمان . . ما أخرة كل ذلك وأين السبيل إليها ؟ . . هل من بارقية تبرق في هذه الظلمات ؟ . .

إنني لأكاد أكفر بهذه الآدمية الوالغة في الدم أن يكون لها غد تؤمن  به" ، أو هدف تسمى إليه ، أو فكر يثير لها الحالك من مجاهل الطريق ، ولا اكاد انظر حين انظر إلي هذه الآدمية المفترسة إلا كما تنظر قطعا من الثيران معصوب الأعين ينتطح على منحدر مائل إلي هاوية ليس لها قرار : بحسب الناطح والنطيح انهما على طريق سوى إلي غاية ، والغاية قعر الهاوية للظافر والمنهزم

. أفهذا ما وراء النار المندامة ، والعجاجة القائمة والوقود الآدمي المنضرم باللهب ، والحرمان الساغب الظامئ العريان ؟ . . فلا آخر لآخرة هذه الحرب ولا بارقة أمل . .

ولكني مع ذلك أكاد أتهم ظني حين أقرأ ما أقرأ في هذه الأيام من حديث الصحف عما بعد الحرب ؛ افبعد كل هذا بعد ؟ . . وددت لو يكون ؟ . .

وماذا تكتب الصحف المصرية عن شئون ما بعد الحرب ؟ . .

مشروع بيفردج . وماذا ؟ ومستقبل مصر السياسي . وماذا ؟ وحديث الوحدة العربية . ثم ماذا ؟ . .

- أهذا كل ما يعني هذه الأمة من شئون ما بعد الحرب ؟ .

ذلك كل حديث الصحف المصرية من هذه الشئون ؛ فأين هو من حديث الامم ، ومن نجوي المني ، ومن تفاعل كيمياء الزمن ؟ . .

حرية الفرد والجماعة ، وتأمين الحياة لكل حي ، وتقوية الحكم الذاتي ، ومنع العدوان في المستقبل :

ذلك كل ما يفكر فيه ساسة الأمم من المشتغلين بشئون ما بعد الحرب ، وهو كل ما تتحدث فيه الصحف المصرية حين تزعم أن لها رأيا في شئون ما بعد الحرب !

وماذا كان الرأي الإنساني العام قبل هذه الحرب ؟ وماذا كان حديث الأمم قبل إلا هذه المسائل الأربع !

أفليس لهذه الحرب من أثر في الرأي الإنساني العام إلا أن يجتمع ساسة الأمم حول مائدة مستديرة يؤامرون أنفسهم في شئون كانت حديث الناس فرادي في كل امة ؟

إنهم إذن لفي غفلة وعمى ، وإنهم لينكرون الأثر والمؤثر جميعا ، وإنهم لحقيقون بأن يسموا الأشياء بأسمائها فيعترفوا بأنهم يدرسون شئون ( ما قبل الحرب ) أما بعد فلا . .!

حرية الفرد والجماعة ، وتأمين الحياة لكل حي ، وتقوية الحكم الذاتي ، ومنع العدوان :

لقد كان لكل أولئك حديث مقضي ، أما اليوم فإنه حق يرتفع عن جدل العلماء ، ومناقشات الساسة ، ومساومات الآحزاب ، ومقاولات زعماء الدول : حق أثبته الدم المسفوح ، والآشلاء المبعثرة ، والخرائب الدارسة ، والرمم المجهولة الأنساب تحت الجدران المنقضة ، والشظايا

الآدمية المتطايرة على صخور البيد وفي بطون الجليد

لا ، ليست هذه هي مسائل اليوم ، لقد اجدت الحرب على كل فكر جديدا ، ونبضت في كل وجدان نبضا ، واخطرت في كل قلب فكرة ، والهمت كل إنسان معني ، فهذا الجديد علي الفكر والوجدان والقلب في كل إنسان حي : هو مشكلة ما بعد هذه الحرب ؛ فهل عناها من عني ؟ .

ليست حرية الفرد وتأمين الحياة وتقوية الحكم الذاتي ومنع العدوان - هي مسائل اليوم ، فقد تقررت هذه الحقوق لذوي حقوقها وسينالها طوعا أو كرها ؛ ولكن مسألة اليوم هي الضمير والوجدان ، هي القلب والروح ، هي الفكر والعقيدة : ما اثر هذه الحرب في كل أولئك ، وما أثر أولئك كله في هذه الإنسانية ؟

ليست مشكلة ما بعد هذه الحرب هي القوت ، وهي اللباس ، وهي الصحة ؛ وليست المشكلة كيف نعيش ، وكيف يحكم الحاكم ، وكيف يطيع المحكوم ؛ ولكن المشكلة هي كيف نرد هذه الأدمية الوالغة في الدم إلي الإيمان بمعنى الإنسانية

أين من معنى الإنسانية اليوم حديث الناس ، وهمس ضمائرهم ، ونجوي أمانيهم ؛ وكيف تفاعل الزمن بهم ، فتركهم مادة بلا روح ، وفكرا بلا عقيدة ، وحياة بلا إيمان ؟ وأين يذهب بهم وما يعرفون لهم غدا يأنسونه ، ولا هدفا يسعون إليه ، ولا رائدا يستهدونه في مجاهل الطريق !!

هذه النار المندلعة قد أذابت من شحمة الرأس فكرة كانت تعطف كل اخ على أخيه فأنكر وده ، وتربط كل ولد إلي أبيه فأنكر نسبه ، وتدني كل زوج من زوجه فباعدت روحا من روح . .

هذه العجاجة القائمة قد عقدت فوق الرموش ضبابة دكناء تحجب السماء عن الأرض فما فيها نجم  يلمع

لسار في الليل أو في النهار

هذا الوقود الآدمي الذي تلتهمه الآلة الحربية المدمرة قد هون الآدمية على كل ولد آدم ، فما في عين دمعة على هالك ، ولا في قلب عاطفة

هذا الحرمان الساغب الظمآن بتضرم سعيرا من الشهوة إلى كل مطعم ومشرب ، وإنه ليوشك ان ينقلب نهما غاصبا يفترس وبلغ في الدم . .

هذه هي الإنسانية اليوم ؛ فهل هي إلا قطيع من الثيران يتنطح معصوب الآعين على منحدر مائل إلي الهاوية ؟ . .

وهذا اثر الحرب ومشكلة ما بعده ، فهل يصلح الإنسانية أن يكون كل ما نفكر فيه لها " بعد الحرب " هو الطعام والشراب ونظام الحكم وتأمين الحرية ؟

علام كان يتحارب المتحاربون في الحرب الماضية وأين بلغوا ؟

لست أعرف ما كانوا يقولون يومئذ ، ولكني مع ذلك اعرف ما انتهت إليه الحرب . انتهت إلي هذه الحرب الثانية قبل أن يمضي عشرون عاما على اختها ؛ فهل كان السبب الحق هو الطعام والشراب ونظام الحكم وتأمين الحرية ؟ ؟ ولكن بمعنى مختلف ) لم يكن أحد على جوع يسوغ الافتراس الوحشي ، ولا علي ظمأ يبيح الولوغ في الدم ، ولا في ضيق من ظلم الحكام يدعو إلي العصيان والتمرد ، ولم تكن الحياة رخيصة على الأحياء .

نعم ، كان السبب الحق هو الطعام والشراب ونظام الحكم وتأمين الحرية ، ولكن معنى مختلف ؛ لأن الناس حين وجدوا الطعام والشراب ، وحين طاب لهم - أو أملوا أن يطيب - نظام الحكم ، وحين وجدوا الأمان في ظل الحرية التي يعيشون فيها أو يأملون أن يعيشوا - حين وجدوا كل ذلك لم يجدوا في صدورهم

روح الإيمان ، ولا في قلوبهم مس الرحمة ، ولا في أنفسهم تعاطف ابناء ، الإنسان ؛ فكان الطعام والشراب ونظام الحكم وتأمين الحرية - السبب الحق لهذه الحرب ؛ أشرا وبطرا وطماعية !

ما بعد الحرب ....! يريدون ان يدرسوا شئون ما بعد الحرب ؟

فأستدعوا حديث الطعام والشراب ، والحكم ونظامه ، وخرافة الحرية ؛ فإن ذلك كله يجري على طبيعته ونظامه منذ خلق الله الأرض ، رضي الحكام أو سخطوا ؛ وليأخذوا في حديث غيره إن كانوا يعرفون لهذه الإنسانية معني اسمى

من معني الطعام والشراب والسوم في الكلا المباح

يريدون ان يعرفوا

فليسمعوا حديث الناس ، وهمس ضمائرهم ، ونجوى أمانيهم ؛ وكيف فعل الزمن بهم - يسمعوا حديثا غير الطعام والشراب ، وغير نظام الحكم ، وغير تأمين الحرية ؛ وهو حديث له دلالة ، وفيه توجيه ، وبه اثر من هذه النار ، وهذا الدخان ، ومن لون الدم . . أم تراهم قد سمعوا وعرفوا وأحسنوا الفهم والتقدير ولكنهم يريدون حديثا غيره زلفي إلي الجياع والظماء والمحرومين .

برئت إلي الله من إثمي ، وبرئت إلي الإنسانية

اشترك في نشرتنا البريدية