الشاعر المجهول :
في العدد ٤٤٢ من مجلة الرسالة منظومة طويلة ، عنوانها " اللحن الجديد : للشاعر المجهول "، يخاطب فيها ذلك الشاعر حبيبه ، أو حبيبته ، فيقول :
الليل غفوان يدرى ما كان يبني وبينك ...
و يتساءل القارئ الفضولى عما كان بين " الشاعر الجهول " وحبيبه والليل غفوان ؛ فلا يلبث أن يأتيه الجواب من قول الشاعر بعد :
في لحظة صار عيشى يفوق عمر الوجود
فليحرس الحب " طيشى " في قطف تلك الورود
لمن صفاؤك بعدي ؟ ( كدرت بالفتك وردك )
أعيش إن رمت وحدى فعش إن اسطعت وحدك
ويترادف على القارئ من ألفاظ : الطيش ، والفتك ،
وقطف الورد ، وتكدير الورد ، وتنغيص العيش - ما تذهب به مذاهب من الغيظ والحنق على هذا الفن الخليع في شعر " الشاعر المجهول "
ويعود القارئ إلي التساؤل ، وإن كل قارئ ليسأل سؤاله : أهذا هو اللحن الجديد في الشعر ، أم هو المباهاة بالفاحشة وعرض المخازي التي تستحق الستر عارية على عيون القارئين والقارئات ؟
وبعد ، فهل عرف القارئ من ذلك الشاعر المجهول ؟ ... هو الذي يقول بعد أبيات من منظومته تلك :
ارجع إلى تجدنى كما عهدت وأسمح
أو فانتظر بعد منى فى " يسمى ويذبح !"
" يسمي ويذبح "... الطيش ، والفتك ، وقطف الورد ، وتكدير الورد ثم يسمى ويذبح إذا فهو " الشاعر الجزار " وفي الجزارين شعراء لا تهيج شاعريتهم إلا معاني الدم !
المصريون المحدثون :
منذ أشهر تنشر " الرسالة " فصولا بعنوان " المصريون المحدثون : شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، تأليف المستشرق الانجليزى إدوارد وليم لين ، وترجمة الأستاذ عدلى طاهر نور
وهو بحث قيم يسجل للتاريخ صورة واضحة السمات معبرة الملامح عن تقاليد المصريين وعوائدهم الاجتماعية في القرن الماضى ؛ وعلى أن مؤلف هذه الفصول انجليزى الجنس والنشأة ، مسيحى الدين والتقاليد ، فقد استطاع أن يتغلغل في صميم الحياة المصرية ، و يتسلسل إلى ضمائر من عايشهم من المصريين في تلك الفترة ، فأني بما لا يقدر على مثله كاتب مصرى يحيا الحياة المصرية نفسها ، فسد نقصاً في التاريخ المصرى ما تزال جوانب منه في حاجة إلي التمام
على أن لنا أن نسأل : لماذا يأتينا هذا الفن من أوربا ولا تجد في مصر من يعنى به ؟ أتري عيون الأوربيين أنفذ إلي حقائقنا من عيون المصريين ؟ حقاً أن الذي على الساحل يري ما لا يراه السابح في اليم ، ولكنه مهما يبلغ من قوة التصور و دقة الحس وصدق الفراسة ، ليس بمستطيع أن يحس إحساس ذلك السابح الذي تكتنفه " حقيقة " البحر لا " صورته " فلماذا لا نري كتاباً من كتابنا يحاولون تسجيل ما حولهم من مظاهر الحياة المصرية في شتي ألوانها ؛ لتكون صورتهم في التاريخ من رسم أيديهم ، ليس فيها زيادة المتزيد ولا مسخ الماسخ
وأين من فنون الأدب عندنا ذلك الفن الذي يخلد في التاريخ تاريخ جيله وناسيه و عوائدهم وشمائلهم ومآكلهم ومشاربهم ومعايشهم وملاهيهم وملابسهم ومراكبهم ونواديهم ، إلي غير ذلك مما تحيا به الحياة وتتصور الصورة و يتلون التاريخ ؟
ولكن أكثر حاجات مصر من واردات أوربا ...؟
على هامش السباق :
ونشر محرر " المصور " في العدد ٨٩٨ تحت هذا العنوان ما يأتي :
" شهدت حفلة السباق في الجزيرة ... وقد التقيت أول ما دخلت بسيدة لها مكانتها ، وكانت تلبس قفازاً جميلا ، وتحمل " شنطة يد " من نفس لون القفاز وجلده وتقول إن ثمنهما ٣٦ جنيهاً ... ... ...
" وطاب لي أن أقف دقيقتين أمام شباك تذاكر الخمسة جنيه - نعم هناك شبابيك للتذاكر التي ثمنها ريال ، وشبابيك للتذاكر التي ثمنها جنيه ، وشبابيك للتذاكر التي ثمنها خمسة جنيهات - وقفت أمام هذا الشباك دقيقتين ؛ ولأنقل للقاريء صورة مما رأيت :
" أقبل فلان باشا واشتري تذكرة ، ثم فلان بك واشتري أربع تذاكر - أعني دفع عشرين جنيهاً - ثم أقبل فلان بك ومد يده بورقة كبيرة لم تقع عيني على مثلها منذ سنوات ... إنها ورقة ذات مائة جنيه ، أعطاها للبائع وطلب خمس تذاكر ، أخذها و نسى الباقى ، ثم نبهه البائع ، فقال : سأعود لك ! ... وعاد فاشترى ...
" ... وفي آخر الأمر جرت الجياد ، فلم يفز واحد من هؤلاء جميعا ! " .
تري ماذا يفهم القارئ غدا من هذا الخبر حين يصير تاريخاً من التاريخ يصور حالا من حالنا في سنة ١٩٤١ ؟ أيصدق في لو قيل له إنه في ذلك الوقت نفسه كان آلاف وآلاف من المصريين يتزاحمون على أبواب المخابز ومتاجر الدقيق يطلبون الرغيف الذي يقيم صلبهم ويحفظ عليهم الحياة ... وإن فلاناً باشا لوزير سابق كان له في الشئون الاجتماعية رأي ، وإن فلاناً بك وفلاناً بك لرجلان من رجلات المال والأعمال لهما في شئون الاقتصاد جهاد وفكر ، فمن ذا يصدق ؟ وماذا يأثر التاريخ من صور هذا الجيل ؟... في أي هاتين الصورتين يجد المؤرخ غداً حقيقة مصر ووسائل حياتها في هذا الجيل ؟
الاحسان للاحسان :
... ولكن ذلك ليس هو كل ما نشاهد من المتناقضات في صور هذا الجيل ؛ أرأيت ما تنشر الصحف من أخبار وصور من نسميهم أولاد الذوات وذوي العيش الرفيع ؟ أتري ثمة صورة مصرية تعبر عن حقيقة من حقائقنا العامة ، أم فناً من التزوير الملق والزلفى أو للايحاء والتغرير ؟
وهذه الأسواق الخيرية التي يسمونها ويقتنون في وصفها وتزيين صورتها لمن لم ير ، أهي صور من الحقيقة العامة أم ... أم ماذا ؟ . . نعم إنها صور من حقيقة
أصحابها لا من حقيقة المصريين عامة ... ولكن من ذا يعرف ومن ذا يقول ؟
ثم ما معنى هذه الأسواق وما غايتها ؟ ... يقولون إنها أسواق للأحسان ؛ فهذه سوق خيرية للطفولة ، وتلك لتحسين الصحة ، و ثالثة .. لماذا ؟ ... لقد نسي الهدف الأصيل وصارت الوسيلة غاية ؛
أفلا يحسن المحسن إلا في حفل عام ، ثم لا يدفع حسنته إلا ثمناً لابتسامة فاتنة من بنت فلان ، أو نظرة ناطقة في عينى زوجة فلان ، أو زهرة معبرة ترشقها فى صدره أرملة فلان ... ؟
أتراه حينئذ يحسن للاحسان أو للزهرة والنظرة والإبتسامة وما وراء ذلك مما يدريه الليل الغفوان ، كما يقول الشاعر الجزار ... ؟
ولكن مصر ، كما يقولون ، قطعة من أوربا ؛ وأوربا التي ألفت " أسواق الرقيق " هي التي ابتدعت " أسواق الحسان "
يا ابنتى ؛ لا يستهوينك ما ترين من صور وما تقرءين من أخبار ؛ إننا نحن هنا وإنهم هناك ... هناك ، على بعد بعيد من حقيقة مصر المسلمة
ذكريات عظماء
تري أكان مصادفة واتفاقاً أن نقرأ في وقت واحد ثلاث مقالات لثلاثة من كبرائنا المشهورين في ثلاث مجلات مصرية ، يتحدثون فيها عن ذكرياتهم الغرامية بلغة المتشوق اللهفان ؟
هذا اللواء فلان باشا ، وهذا الشاعر فلان بك ، وهذا الشيخ المحترم فلان افندي .. ماذا أذكرهم بعد طول البعاد ... فخرجوا عن وقار الشيوخ إلي مثل هذر الصبيان ؟
لو كان فيما تحدثوا به أمثلة صالحة ، لقلنا نماذج
من الحب الصادق يقدمونها لشباب الجيل ؛ ولو كان فيه صورة من الفن الجميل لقلنا لون من الأدب الرفيع يؤثر في تاريخ أدب الجيل ؛ ولكن ... ولكن كبراءنا يتصاغرون أحياناً ليثبتوا أنهم كبراء
هلا كتبوا مثل ما كتب أنطون الجميل بك حين سأله محرر " الاثنين " عن ذكريات غرامه ، فكتب مقالته البارعة الرشيقة بعنوان " لم أجدها " ؟ ولكن أنطون الجميل أديب !
وزارة الفلاسفة :
ويري الدكتور زكي مبارك في العدد ٤٤٤ من الرسالة تأليف وزارة من الأدباء ؛ يكون رئيسها الزيات ، ووزير الخارجية العقاد ، ووزير الداخلية زكي مبارك !... وعلى ما في هذا القول من المزاح الذي يخرج به عن وقار الرأي إلي معنى التنذر والسخرية ، فان فيه معنى يحسن الالتفات إليه .
والبحث في طبقات الحكام والمحكومين قديم في التاريخ ، وهو مذهب من مذاهب الفلسفة القديمة ؛ ولكن له في حياتنا اليوم معني يتصل بحقيقة نهضتنا السياسية والاجتماعية وأهدافها ومراميها على أن محاولة بحثه اليوم يجب أن يسبقها بحث آخر يتحدد به اتجاهنا إلي الهدف البعيد الذي نتطلع إليه في نهضتنا الحاضرة ؛ وإننا ليسبيل ذلك
في وزارة المعارف
وفي وزارة المعارف حركة تتحدث بها صحف الأسبوع ، وفي المجلس الأعلى مشروعات يدرسها المختصون من أهل الرأي والتربية ؛ فماذا يقولون وماذا نقول ؟ ...
... ولكن صفحات هذا الأسبوع لا تتسع ، فالي الأسبوع القادم .

