الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في اسبوع :، هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي

Share

يانصيب - في غرفة البرلمان

يانصيب

في عدة من صحف الأسبوع " إعلان" من وزارة المعارف عن حاجتها إلي كتاب في الدين للمدارس الإبتدائية في جزأين:أولهما للسنتين الأولى والثانية ، والأخر للسنتين الثالثة والرابعة ؛ وقد سيقت بين المؤلفين جائزتين ؛ ثلاثين جنيها للجزء الأول ، وخمسين للجزء الثاني ، " وعلى كل مؤلف يرغب في دخول السابقة أن يتقدم للوزارة في ميعاد . وان يدفع مع الطلب الذي يقدمه عن هذه الرغبة رسما قدره ٣ % من قيمة المكافأة المقررة للكتاب الذي يعتزم تقديمه في المسابقة ، على ألا يرد هذا الرسم بحال من الأحوال  " .

هذه خلاصة الإعلان كما أذاعته وزارة المعارف ، وإنه لإعلان طريف كما قد يراه قارئه ، وإن فيه لمجالا لمن يريد أن يتحدث عن حظ التأليف والمؤلفين في وزارة المعارف حديث الجد أو حديث الفكاهة

وحسب قارئه من حديث الجد ان يسأل عن الدوافع التي تحمل وزارة المعارف على إنشاء مثل هذه المسابقة للحصول على كتاب في الدين للمدارس الابتدائية ؟ .. ليس بين رجالها من تستطيع ان تفرض عليه إنشاء هذا الكتاب ؟ ؟ ؟ بلى ولكنها تخشى التهمة بأنها تؤثر رجالها بالجوائز ، وإن بها لحرصا على سمعتها  وسمعة رجالها ) ثم من تظنه يقبل على مثل هذه المسابقة من رجال التأليف ليحصل على ثلاثين جنيها أو خمسين ؟ وما قيمة كتاب يؤلفه مؤلفه غير مدفوع إليه من نفسه وليس له نية إليه

لولا ثلاثون جنيها أو خمسون ؟..  أم تراها لا تعتد الكتاب كتابا يصلح للتداول بين تلاميذ مدارسها إلا أن يكون من أجل تلاميذها انشئ ؟

هذه اسئلة من حق كل قارئ ان يسألها ، ومن حق وزارة المعارف أن تصمت فلا تجيب ، فإن للكتب المدرسية في وزارة المعارف طابعا يرتفع بها عن جدل الأدباء والمتأدبين وحسب القارئ أن يتناول كتابا مدرسيا من أخيه أو من ولده ليعرف بأي أسلوب وعلي اي نظام تتألف الكتب المدرسية ، وإنه لأسلوب ليس منه أسلوب كتاب آخر مما تشتمل عليه المكتبة العربية في قديمها وحديثها فليس هناك سبيل لوزارة المعارف إلي اختبار كتاب لم يؤلف على ما وضعت من قواعد وما رسمت من حدود ، وليس هناك

سبيل للتلميذ أن يستعين على التحصيل في فرع من فروع المعرفة بكتاب لم تصك عليه وزارة المعارف عبارتها الخالدة : " قررته وزارة المعارف العمومية ؟ ! ومن ثمة كانت القطيعة بين تلاميذ مدارسنا وبين (القراءة الحرة ) لأن تلاميذ مدارسنا لم يتعودوا ان يقرءوا إلا ما تقدم لهم وزارة المعارف من كتب على اسلوبها ونظامها ، وكان ما نشكوه من " أزمة القراءة " !

ثم اين يكون مصير ثلاثين أو أربعين كتابا يؤلفها مؤلفوها ليشتركوا بها في هذا السياق ، ولن تختار منها الوزارة إلا كتابا واحدا ؟ ؟ إنها لا تصلح للطباعة بعد ، لأنها لم تؤلف إلا لتلاميذ المدارس ، وتلاميذ المدارس في غنى عنها بالكتاب الذي اختارته لهم ؟ اليس ذلك مجهودا ضائعا ؛ فمن ذا يقبل عليه من أجل الأمل البعيد في ثلاثين جنيها أو خمسين ؟

ألم يئن الأوان بعد لأن تلغي وزارة المعارف هذه " الكتب المدرسية " جميعا لتدع للتلميذ ومعلمه أن يبحثا عن مادتهما العلمية حيث يجدانها في أي كتاب بالمكتبة العربية ؟ إن ذلك خليق بأن يحمل التلميذ على القراءة ،

ويحمل معلمه علي الابتكار والمشاركة في " الإنشاء العلمي " ويحمل المؤلفين على التجويد والمنافسة لا كتاب السوق العلمية ؛ وإذا كان في وزارة المعارف بعد ذلك " فائض  " من المال تريد ان تبذله ، فإنها واجدة من تبذل له بحق من المؤلفين اعترافاً بما عمل وتشجيعا لغيره على أن يعمل

وفي هذه " المسابقة " إلي ذلك جانبها الفكاهي . . " علي كل مؤلف ان يدفع للوزارة مع الطلب الذي يقدمه عن هذه الرغبة رسما قدره ٣ % من قيمة المكافأة المقررة . . على ألا يرد هذا الرسم بحال من الأحوال ! " .

عليه أن يدفع للوزارة ٣ % ضريبة غير مردودة ؛ كم مؤلفا ينتظر أن يشاركوا في هذا السباق ؟ . . ثلاثين ؟ اربعين ؟ هذا أقل من القليل لتكون مسابقة جدية في هذا المضمار ؛ فكم تحصل الوزارة من هؤلاء الثلاثين . . الأربعين ؟

إنها صفقة رابحة ! إنني - أنا المفلس المخروق الجيب - لعلي استعداد أن أسبق كل أسبوع مثل هذه المسابقة ، وان امنح مكافآت وجوائز أكثر مما تمنح وزارة المعارف تشجيعا للنهضة العلمية وأنا الرابح السعيد ؟

يا نصيب ! . . . ما أشبه شيئا بشيء ! .. بأن الورقة الرابحة من أوراق " النصيب " تباع بقرش وتربح عشرين ألفا ، وإن الكتاب . فهل زعمت جمعية من الجمعيات التي تصدر أوراق " النصيب " أنها تفعل ذلك تشجيعا للنهضة الاقتصادية ؟ . . ولكن وزارة المعارف تزعم !

ومن حق كل مشترك في هذه المسابقة ان يسأل : هل استأذنت وزارة المعارف اختها وزارة الداخلية كما تستأذن الجمعيات المختلفة في إصدار " يانصيب " وهل يحضر " السحب " مندوب من الداخلية ضمانا للعدالة ؟ وهل للشئون الاجتماعية قسط من الدخل تنفقه على الفقراء

والمساكين من المؤلفين ؟ ...

وليس من حقي أن أسأل بعد اليوم أو اعترض أو أعيب على كتاب من الكتب المقررة في وزارة المعارف .. وليس من حق أحد أن يلوم التلميذ الذي يحاول أن يتخلص من كتابه فيبيعه أو يمزقه ؛ فليس لورقة من اوراق " النصيب " بعد موعدها إلا التمزيق !

في شرفة البرلمان

إنني أعرفه منذ سنين ، وإن لي به صلة ، وأعرف زوجه وولده ..  ولا اعرف احرص على التقاليد منه ؟ إنه هو نفسه صورة من " التقاليد " !

إنه لم يجاوز سن الشباب بعد وإن بدا في عمامته المكورة قد شارف سن الشيوخ ، وإن له رأياً وخلقاً وديناً ، وفيه إلي ذلك صرامة وعنفوان ، وإن كنت لا تحس صوته إلا همساً ، ولا تسمع " أثره" إلا في مثل ضراعة الراجي . ولا تري غضبته إلا في اختلاجة من شفتيه كأنها ابتسامة الخجل .

واختير نائبا في البرلمان وصار له صوت وصيت!. أما زوجه فسيدة وقور ، أحداها تزمته فصارت شيخة شابة ، لا يكشف منها ثوبها إلا ما لا بد أن ينكشف ، فثيابها جميعا على طراز لا يختلف ولون لا يحول . وعلى أنها ذات جمال ودلال فإنها أبدا زوج مطيعة وأم برة .

ولما اختير زوجها نائبا في البرلمان صار لها أيضا صوت وصيت ! . وزارتها نسوة لم يزرنها قبل فاستأذنت في رد الزيارة وأذن لها ..

وتبدت في عين زوجها أجمل مما كانت وتبدت لنفسها في المرآة ؛ وما في ذلك من بأس ؛ وتعددت ثيابها طرزا وألوانا ، ولم يبخل الرجل ! . وأجادت فنونا من الحديث في موضوعات لم تكن

تعرف قبل اين يبدأ الحديث فيها وأين ينتهي ، وصارت امرأة من نساء الدولة ؛ ولكنها ظلت ابدا الزوج المطيعة والأم البرة ، وإن أسرع بها التطور أكثر مما أسرع برجلها ! .

وسألته ذات مساء سؤالا فلم يجب ، ولم تغضب وأوشك هو أن يغضب يوما وان تختلج شفتاه في مثل ابتسامة الخجل ، ولكنه سكت . .

وصحبته مرتين أو ثلاثا إلي حيث لم تكن تأمل قبل أن يصحبها ، فحلا لها أن تصحبه كثيرا . . وتغير زيها ولم تتغير طبيعتها ، ولكن " موازين الأشياء " في نفسها صارت غير ما كانت ، ولقيتني سافرة مجلوة حاسرة الذراعين لأول مرة وإن كنت من ذوي قرابتها ، وسمعت ضحكتها ، وكان لها في أذني رنين غير ما رنت في أذن زوجها ، وقالت لزوجها وقد طال بنا المجلس في فنون من الحديث : أريد أن أشهدك في جلسة من جلسات البرلمان !

ونظرت إلي زوجها وقد حضرتني صورتها في شرفة البرلمان وصورته ، فرأيت شفتين تختلجان ، ثم ابتسم ابتسامة راضية ، وأجابها إلي ما طلبت ولكنه لم يحدد موعدا ،

ومضت أيام ، ثم بر بما وعد . وشهدت جلسة مساء الاثنين ١٧ اغسطس سنة ١٩٤٢

أسمعت بما دار من حديث النواب هناك ليلتئذ ؟ . . يا ليتك ويا ليتها

وظل " النائب المحترم " صامتا طول الجلسة ، لأن ما قيل هناك اغناه عن كل كلام ، وكانت السيدة في الشرفة تسمع . .

وجلا النائب المحترم "عهد قرني بك" اقتراحه ، وكأنما كان بينه وبين النساء ثأر ، والتهبت في المجلس

شرارة فعلقت بأطراف كل ثوب . .

وتحسست " السيدة المحترمة " ذيلها وهي في الشرفة وضمت أطراف ثوبها إليها ، ثم تلفتت يمنة ويسرة ، وعادت تتابع حديث نواب الأمة وعلي وجهها الوان مما يصطرع في نفسها من معان . .

وتحدث النواب المحترمون حديثهم عن ازياء السيدات ، والآداب العامة ، والتقدم الاجتماعي ، والجريمة الشائنة ، والسيدات الأجانب ، وفضائح الشواطئ ، وتبعة الرجال واجتمعوا علي الرأي في تشخيص الداء ، ولكنهم اختلفوا على الطب له ؛ ولم يحس إحساس المريض بما وصفوا من أعراض غير شخص واحد ، هو " السيدة المحترمة " التي كانت جالسة في الشرفة تتابع حوار النواب بعينيها وأذنيها وانفاسها المبهورة ، وكأنما كانت تشهد المحاكمة في جلسة علنية ليس فيها إلا متهم واحد . .

وعادت بهما السيارة مسرعة بعد انفضاض الجلسة لم ينبس بكلمة ولم تنبس ، وسألها وقد استقر بهما المجلس في الدار : كيف رأيت ؟

فكأنها لم تسمع ، وأسرعت إلي حيث نام أطفالها تسوي الفراش تحت جنوبهم وتحكم إغلاق النافذة المفتوحة . . . .

أتراه كان في حاجة إلي أن يسمع جوابها ؟ . .

اشترك في نشرتنا البريدية