الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 235 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والادب فى اسبوع، هذا رأيى ، وعلي تبعته وحدي . .

Share

نعمة الولد - الزينة والنعمة معذرة يا بن - أسواق الرقيق ! - النهصة النسائية !

نعمة الولد

رجعت بالصغيرة من " عيادة الطبيب الكبير " . أقودها في يدي مرة وأحملها على ذراعي اخري ، وبين عيني صورة ذلك " الطبيب الكبير " عابسا متجهما يكاد ينشب أصابعه في عنق مريضه ، فلولا " ذلة المرض " للطمه المريض فحطم أنفه !

. . وعدت انظر إلي الصغيرة ولم يزل في عينيها الرعب والفزع من عبوسه وغلظته ، فبعض الحزن على قلبي لك الله ولابيك أيتها الصغيرة المرزوءة !

وسألت نفسي : أليس عجيبا أن يكون مثله طبيبا ، طبيب أطفال ، ولا شئ يعالج الطفل ما تعالجه كلمة عطف أو ابتسامة حنان ؟ . .

وقال لي صديقي : هون عليك فليتك تعلم أن ذلك الطبيب ليس أرفق مما رأيت بين خاصته وأهله ، إنها طبيعته ؛ وثمة اخري : إن الله لم يرزقه نعمة الولد وإنه لأشهر أطباء الأطفال في مصر

" نعمة الولد " ايا عجبا ! ماذا يقول صديقي ؟ إنه يزعم الولد نعمة !

وحضرتني أحزاني ، وأذكرتني كلمة الصديق ما ألقي كل يوم في أماسي وأصباحي من شقوة بالولد ، أيزعمها صديقي نعمة

كم ليلة بت اغلب أجفاني إلي الصباح بين جدران أربعة من شقوة بالولد !

هذه البنية ، وهذه الطفلة ، وهذا الصغير : لكل منهم نومة وصحوة وأنا الساهر أبدا ، ولكل مطلب ورغبة وأنا العاجز أبدا ، ولكل مشتكي ورجاء وأنا اليائس أيضا أن هؤلاء لنعمة ؟ ! !

وقطب صديقى جبينه منكرا وقال : أتنكر ؟ . . إنهم لنعمة وإن خيل لك غيرها ، وإن كنت بهم ساهر أبدا ، عاجزا أبدا ، بإئسا أبدا . .

وابتسمت ولم أجب ؛ كان بين قلبى وفكري صراع لا ينتهي بى إلي رأي ولا يقوم لي بحجة ؛ كان قلبي ينازعنى إلي رأي يستمد عناصره من بعض ما يزخر به من معاني الجنان والعطف والأبوة وصلة الماضي فأكاد اعترف ، ولكن الفكر لا يلبث أن يجذبني إلي بعض ما أحس من صور الألم والحرمان ووخزات الذكري فيحملي علي العصيان والإنكار والتمرد .

وعاد صديقى يسألني : أتنكر ؟ . . وآثرت أن أصمت وفي نفسي معانيها ، ولكن صديقي لم يصمت ، وقال : فماذا نري في قول الله : " المال والبنون

زينة الحياة الدنيا ؟ لست ذا مال فيما أعرف وإن كنت ذا بنين ، فإبك تملك نصف زينتها ؛ أم تراك تصر على الإنكار ؟ قلت : آمنت بالله ! فمن أين لك أن يكون أحد الشيئين نصف المجموع ؟ . . إن قارورة العطر زجاجة وسائل تحتويه الرجاجة ، افتزعم أنها قارورة عطر وإن خلت من سائلها ؟ .

" المال والبنون زينة " نعم وصدق الله ؛ أفتري بنين بلا مال نصف الزينة أم بلاء كاملا ما حقا يحيق بالآب والأبن جميعا ؟ . . ولا تحسبنى أشكو الفقر وإن لم أكن ذا مال ، ولكنني أصحح قاعدة :

الزينة والنعمة

. . ثم أين معنى " الزينة " من معني " النعمة ؟ إنك لتراني أنكر عليك أن تقول " نعمة الولد واري أوتي الما مضليا وشقوة ما حقة وبلاء اعظم ؛ افتراني أنكر بذلك أن الأبوة زينة وإن أنكرت أنها نعمة ؟ لا وصدق الله ؟ إنما النعمة " ما تحسه أنت في داخل النفس سببا من أسباب السعادة والنعيم ، وإنما " الزينة " ما يتراءي منك للناس سببا من أسباب الجمال والفتنة ؛ فالنعمة هي احساس النفس في باطنها ما تملك من اسباب الرضا والسعادة ، أما الزينة فهي المظهر الذي يحسه غيرك فيك اكثر مما تحسه انت في نفسك ؛ ولقد يكون وراء ذلك المظهر الجميل في أعين الناس قبيح ورمامة وشر . . ذلك فرق ما بين النعمة والزينة :

. . وإنما يقوم أساس الانتفاع بالزينة على المباهاة والفخر ومحاولة اكتساب إعجاب الناس ورضاهم ، وماذا يعود علي أنا من إعجاب الناس ورضاهم

. . على حين تقدر قيمة النعمة على مقدار الشعور بها وما تيسر لصاحبها من أسباب السعادة في نفسه ؛ فالنعمة هي متاع صاحبها ، والزينة هي متاع غيره . . هذه الزهرة في البستان هي زينه في عين كل من

نظر ؛ فهي له عطر ولون ومنظر ؛ فماذا هي لنفسها ؟ وهذه الصيغة الحمراء في شفتى تلك الفتاة الجميلة ، ما أجملها منظرا في مرآة زيفتها وما أمر مذاقها ! كذلك كل زينات الحياة

معذرة يا بني .

آه يا بني ! لكأني بكم وقد كبرتم فرجعتم إلي ماضي الأيام تنبشونه لتعرفوا ما كان شأنكم وشأن أبيكم في ذلك الماضي الآليم فإذا رجعتم إلي هذه الصفحات يوما فلا يؤلمئكم ما تقرءون ، أو يحملكم على سو الظن بأبيكم ؛ ليس ما في الساعة ان انكر مكانكم من نفسي وإنكم لتلأون كل ما أجد من فراغ في نفسى ، ولكنني أنكر زماني !

وإني لأمسك القلم بين إصبعى الساعة وأنظر في رءوسكم الصغيرة موسدة في فراشها احاول أن أستمليكم بعض ما يتراء لكم في الحلم من صور تتراءي لي في هذه السمات عابسة ومبتسمة ؛ فماذا أكتب ؟

أنا منكم على ما وصفت من حالي : ساهر أبدا ، عاجز ابدأ ، بائس ابدا ؛ فأين انتم مني ؟ افترونني اؤدي لكم حقكم من الحنان والحب وحسن الرعية على مقدار ما أؤدي لنفسي من حقها بالتأوه والشكوي ؟ . . ليتني أدري . . ولكنكم ستدرون يوما وتعذرون أباكم !

أسواق الرقيق

قرأت في العدد ٤٥٣ من آخر ساعة ما يأتي : " . . كنت في زيارة السيدة هدى هانم شعراوي . فقالت لي إنهما لا توافق على إقامة الحفلات الساهرة في سبيل جمع التبرعات للمؤسسات الخيرية . . وإنه حرام ان تهدم تقاليدنا باسم فعل الخير ، وتحتضن الخصور باسم العطف على المساكين ، ونشرب الويسكي في صحة التقوي واتباع أوامر الله . .

قال : " وهنا قالت السيدة الجليلة حرم علوية باشا إنها

حاولت أن تقنع جمعية الهلال الأحمر بهذا الرأي ، ولكن الجمعية استطاعت إقناعها بأن تسعا وتسعين في المائة ممن يذهبون إلي الحفلات الخيرية لا يذهبون لوجه الله .

ثم قال : " إنها مأساة . . ولكنها مأساة محمودة العاقبة ما دامت تنتهي بمساعدة المرضى والفقراء "

انتهى كلام محرر آخر ساعة ، واعجب أنت المأساة كيف تكون محمودة العاقبه ! ثم وازن بين هدم التقاليد ، واحتضان الخصور ، وشرب الويسكي - وبين مساعدة المرضي والفقراء فإما أن يموت المرضي ويجوع الفقراء ، وإما ان تهدم التقاليد ، وتحضر الخصور ، ويشرب الويسكي معه

أليست هذه هي القضية بطرفيها كما يعرضها محرر آخر ساعة ؛

وليس في ان اعقب بشيء على ما قال ، فلعله يعرف أن في الأمة طائفة من بني آدم يرون علاج المريض وإطعام الفقير خيرا وأفضل وأولي بالرعاية من التقاليد ودواعي الشرف والعفة والاستقامة ، وبعبارة اخري : لا يرون بأسا في ابتذال المعرض وهو ان الشرف في سبيل لقمة عيش وشربة زيت خروع

ويروي المحرر ان تسعة وتسعين في المائة ممن يذهبون إلي الحفلات الخيرية لا يذهبون لوجه الله ! هكذا قالت له سيدة . . فلماذا يذهبون يا سيداتي وسادتي ؟ . . للرقص والمخاصرة وانتهاب اللذات بثمها ؟ فما تكون هذه الحفلات إن كان تسعة وتسعون من الذاهبين إليها بقصدون ذلك ، وتسع وتسعون من الذاهبات إليها يعرفن ذلك ؟ ما تكون هذه الحفلات في رأي اصحابها وصاحباتها لا في رأينا نحن الرجعيين ؟ هل هي إلا " أسواق " يباع فيها كل ما يباع بثمنه ، ويبذل فيها ما يبذل بأجرته ، كأسواق اخري ضرب الحكومة عليها نطاقا واخضعتها للنظام العام إن القانون العام يحرم تجارة الرقيق ، فكيف جاز أن تقام هذه الأسواق ؟

النهضة النسائية

وإنه لما يدعو إلي التأمل والأعتبار أن يكون ذلك هو رأي السيدة هدى شعراوي ؟ والسيدة هدى شعراوي هي زعيمة النهضة النسائية كما يسمونها ، فمن شاء ان يسأل عن هذه " النهضة النسائية " ابن هي ؛ فإنه لن يجد لها مظهرا غير هذه الأسواق ؛ فأي تناقض بين القول والفعل أبلغ من هذا التناقض ؟ وما ظنك بنهضة تنكر زعيمتها كل ما نعرف من مظاهرها ؟

ومنذ بضعة أسابيع قرات في مجلة روز اليوسف حديثا للسيدة الجليلة حرم المرحوم قاسم امين بك تعيب فيه ما تري وتري من حال الفتاة المصرية والمرأة المصرية ، وننكر أن يكون قاسم أمين قد قصد إلي شئ من هذه الحال التي انتهينا إليها في مجتمعنا النسائى . .

كذلك قالت هذه السيدة الجليلة ، كما قالت السيدة هدى شعراوي - فيما يرويه محرر اخر ساعة - فإن كانت كلتاهما صادقة الرأي ، فهل بدل رايهما إلا علي معني واحد ، هو أن المرأة المصرية لم تبلغ بعد درجة النضج العقلي والخلقي الذي يؤهلها لفهم الدعوة إلي " النهضة النسائية " ؟ وهل بدل إلا علي أن الدعوة إلي " تحرير المرأة " التي دعاها قاسم أمين منذا أكثر من ثلث قرن ، والدعوة إلى " النهضة النسائية " التي دعتها السيدة هدى شعراوي منذ عشرين سنة - قد سبقت كل منهما أوانها فاتجهت إلي غير ما كان ينبغي أن تتجه ، وأدت إلي الشر ؟

أرأيت لو أن أحدا عمد إلي وليد لين العظم طري العضل فأراد أن يحمله على المشي قبل أن يتهيأ له ، فلم يكد يحمله علي قدميه ويدعه حتي سقط هشما . . ؟ . ذلك مثل المرأة المصرية والدعاة إلي نهضنها وتحريرها : لم يعملوا لها إلا أن حملوها على قدم رخوة ثم قالوا لها سيري ، فسقطت . .

اشترك في نشرتنا البريدية